ببنيَّات الطريق، ثم حدثت أحداث، وخَلَف خُلُوف، وغلا غالون، وقصَّر آخرون، ووقف وُقُوفٌ.
وكثرت الخدع، وانتشرت البدع، وعُبِد الهوى، وبئس المعبود، واشتبه المحمود بالمذموم، والمذموم بالمحمود.
وكانت البليَّة العظمى والرَّزية الكبرى قِلَّة العلماء وتقاعدهم عن نصر الحق، ما بين خوَّار يخاف الناس أشدَّ من خوف الله، وجبّارٍ يرغب في الشُّهرة والسُّمعة والجاه، ومفتون بحبِّ الحُطام وخوف الفِطام، وآخر وآخر لا نطيل بذكرهم، ولا نبالغ الآن في هتك سترهم.
لا جرم اتخذ الناس رؤساء في الدِّين جهَّالًا، فلم يألوا أنفسهم وغيرهم خبالًا، فلا يكاد يُرى لهم رادع، ولا لأنوفهم جادع، بل ولا قادع.
إذا غابَ ملَّاحُ السَّفينةِ وارْتَمَتْ بها الرِّيح يومًا دبَّرَتْها الضَّفادِعُ (^١)
وخلا الجو للملحدين وأعداء الدين، فبالغوا في العَيْث والعَبَث، ودفنوا المحض، ونشروا الخبث، وكان ما كان، والله المستعان.
وبعد، فإني ــ ولله الحمد والمِنَّة ــ ممَّن أوتي نصيبًا من فهم الكتاب، ومعرفة السُّنة، وعلمتُ أنَّ لله ﷿ عليَّ حقًّا في النصيحة للدِّين والعباد، والدعاء إلى سبيل الرشاد، ولكنَّه يثبِّطني عن ذلك خَوَر العزيمة، والحرص على مصالح الدُّنيا الذَّميمة، وزعمي أنَّه إنَّما يصلح للنصيحة من خَلَت
_________________
(١) لم أقف على قائله. وقد أنشده الناصري في "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" (٦/ ٦٧) دون نسبةٍ لقائلٍ، وعنده: "فارتمت" بدل "وارتمت"، و"هوجًا" بدل "يومًا".
[ ٦ / ١٢٦ ]
صحيفته من الذنوب، ونَقَّى عِرْضَه عن العيوب، وخلصت نيَّته لإرضاء علَّام الغيوب، ولستُ هنالك ولا قريبًا من ذلك، ونفسي تعلِّلني بأنَّها ستصلح أو تقارب، وأنَّ الأحوال ربَّما تحول إلى ما يناسب، أو أنَّه سيقوم بهذا الفرض من يكون أوسع مني علمًا، وأقوى هِمَّة وعزمًا، فيبلغ فيه الغاية، وتحصل به الكفاية، والأيام تمرُّ، والأَجَل يدنو، والأمر لا يزداد إلَّا شِدَّة.
وقد تدبَّرتُ أنواع الفساد فوجدتُ عامَّتها نَشَأَت عن إماتة السُّنن، أو إقامة البدع، ووجدتُ أكثر المسلمين يبدو منهم الحرص على اتباع السُّنن واجتناب البدع، ولكن التبس عليهم الأمر، فزعموا في كثير من السنن أنَّه بدعة، وفي كثير من البدع أنَّه سُنة.
وكلَّما قام عالم فقال: هذا سنة، أو هذا بدعة عارَضَه عشرات، أو مئات من الرؤساء في الدِّين، الذين يزعم العامة أنَّهم علماء، فردُّوا يده في فِيهِ، وبالغوا في تضليله والطَّعن فيه، وأفتوا بوجوب قتله أو حبسه أو هجرانه، وشمَّروا للإضرار به وبأهله وإخوانه، وساعدهم ثلاثة من العلماء، عالم غالٍ، وعالم مفتون بالدنيا، وعالم قاصر في معرفة السنة وإن كان متبحِّرًا في غيرها.
فإذا سمع بذلك من بقي من أفراد العلماء الصادقين كان نصرهم لأخيهم أن يحرقوه باللَّوم والتَّعنيف، قائلين: قد كان يَسَعُك ما وسع غيرك من السكوت!
فرأيتُ من أهم الواجبات إيضاح الفرق بين السنة والبدعة، وتعيين الحدود الفاصلة بينهما، علمًا بأنَّه إذا يسَّر الله تعالى ذلك على طريق واضح زال الالتباس من حيث الجملة، وكذا من حيث التفصيل في حقِّ من تكون له معرفة صالحة بالكتاب والسنة.
[ ٦ / ١٢٧ ]