إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يَهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله.
أما بعد، فلا يخفى على طالب العلم ما في دراسة علم الاعتقاد من الأهمية، فإنه من العلوم التي ينبغي أن تُقدَّم بعد أخذ العلوم الأساسيّة، وذلك لفضله الكبير، وتعلّقه بأول ما يُسأل عنه العبد في قبره: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟
والطريقة المثلى لدراسة علوم الاعتقاد، هي أخذُها من كتاب الله الكريم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ثم من سنة رسولِه الأمين ﷺ، أعلمِ الناس بربّه، وأقربِهم إلى وحيه، ثم من القرون المفضّلة عصر الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الميامين، خيرِ قرون الناس وأبرِّها، وهي طريقة العلماء الأولين، والمحدِّثين والمحقِّقين من الفقهاء والمفسِّرين.
وقد عُني طائفةٌ من المحدِّثين أصحاب الأسانيد، والعلماء المتقدِّمين بجمع العقائد في الصفات والقدر وغيرها، مسندةً إلى النبي ﷺ، أو الصحابة رضوان الله عليهم، أو تابعيهم وتابعي تابعيهم ﵏، مثل: حمّاد بن سلمة البصري (ت ١٦٧ هـ)، وإمام دار الهجرة مالك بن أنس
[ المقدمة / ٥ ]
الأصبحي (ت ١٧٩ هـ)، وعبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ)، وأسد السنة أسد بن موسى المصري (ت ٢١٢ هـ)، وأبي عُبَيْد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ)، ونُعَيْم بن حمّاد المروزي (ت ٢٢٨ هـ)، والإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) (^١)، ومن تلاهم وحذا حذوهم من أهل القرن الرابع والخامس.
وممّا وصلنا من مؤلّفات الأئمة المتقدِّمين، في إثبات الصفات والعقائد:
- "القدر"، لعبد الله بن وهب المصري.
- "الإيمان ومعالمه"، لأبي عبيد القاسم بن سلام.
- "الإيمان"، لأبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ).
- "الإيمان"، لمحمد بن أبي عمر العَدَني (ت ٢٤٣ هـ).
- "خلق أفعال العباد"، للإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ).
- "الرد على الجهمية"، لعثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠ هـ).
- "السنة"، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ).
- "السنة"، لعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠ هـ).
- "العرش"، لأبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٩٧ هـ).
- "القدر"، لأبي بكر جعفر بن محمد الفريابي (ت ٣٠١ هـ).
- "التوحيد"، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ).
- "السنة"، لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلّال (ت ٣١١ هـ).
_________________
(١) ينظر: تاريخ تدوين العقيدة السلفية - للشيخ عبد السلام البرجس ﵀ (ص ١٦ فما بعدها).
[ المقدمة / ٦ ]
- "رؤية الله ﵎"، لأبي سعيد أحمد بن محمد ابن الأعرابي (ت ٣٤٠ هـ).
- "الشريعة"، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجُرِّي (ت ٣٦٠ هـ).
- "الصفات"، و"النزول"، و"الرؤية"، كلها لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ).
- "الإبانة"، لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد ابن بطّة العكبري (ت ٣٨٧ هـ).
- "الإيمان"، و"التوحيد"، و"الرد على الجهمية"، كلها لأبي عبد الله محمد بن إسحاق ابن منده الأصبهاني (ت ٣٩٥ هـ).
- "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي (ت ٤١٨ هـ).
- "عقيدة السلف وأصحاب الحديث"، لأبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن ابن الصابوني النيسابوري (ت ٤٤٩ هـ).
- "الأسماء والصفات"، و"الاعتقاد"، و"القضاء والقدر"، كلها لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ).
- "المختار في أصول السنة"، لأبي علي الحسن بن أحمد، ابن البنّا الحنبلي البغدادي (ت ٤٧١ هـ).
- "ذم الكلام وأهله" و"الأربعين في دلائل التوحيد"، كلاهما لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (ت ٤٨١ هـ).
غير أن مجموعةً من أمثال هذه المصنّفات، ممّا ألّفه الحفّاظ المتقدِّمون، قد فُقد مع ما فُقد من تراثنا الجميل.
[ المقدمة / ٧ ]
بل قلَّ هذا النوعُ من التأليف بعد هؤلاء الحفّاظ؛ لقلّة الرواية والإسناد، وانشغال الناس بكتب الفلسفة والكلام.
إلى أن حلّ القرن الثامن الهجري، فقيَّظَ الله فيه من أحيا هذا العلم، وأعادَ الأمّةَ إلى سالف عهدها الزاهر، فظهرت فيه مصنّفاتٌ في العقائد عُنيت بالإسناد، مثل: "الأربعين في صفات رب العالمين"، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي الدمشقي (ت ٧٤٨ هـ)، صنّفه بأسانيده.
ثم سخَّرَ الله ﵎ حافظًا من حفَّاظ القرن الثامن وعلمائه، فصنّف في هذا الباب وتوسَّع، وهو الحافظ ابنُ المحبّ الصامت الدمشقي الصالحي الحنبلي، المولود بدمشق سنة (٧١٢ هـ)، والمتوفّى بها سنة (٧٨٩ هـ)، خرِّيجُ المدرسة الضيائية بدمشق، وممّن رسخ قدمُه في علم الحديث وجمعِ أسانيده والمرويّات فيه، فألّف كتابَه (صفات رب العالمين)، على مثل كتب الأولين المسندة، فجاء كتابًا واسعًا مستوفيًا لما ورد عن النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم وغيرهم في أبواب الصفات، أفنى فيه المصنّف عمره، وبثّ فيه أسانيده ومرويّاته، وحفظَ لنا كثيرًا من النصوص المفقودة من كتب المتقدِّمين.
وقد وصلتنا مسوّدةُ هذا الكتاب، ولم يصلنا غيرُها، كتبها مصنِّفُها بخطٍّ دقيق متراصّ، يصعبُ من أول وهلة فكُّه أو معرفة مبدئه من منتهاه، لهذا ظلَّت مخطوطتُه حبيسةً تنتظرُ من يُطلقُ عنانَها، وينشرُ كنوزَها.
فوفَّقَ الله ﷿ لنسخ الكتاب، وترتيبه، وإعدادِه؛ فهو كغيره من كتب أهل السنة أهلٌ لإفناء الأعمار، وبذل الحياة في خدمتها.
وقد استغرق نسخُه وتحقيقُه سنواتٍ أسألُ الله ﵎ أن لا يضيع فيها الأجر، وأن يتقبّل العمل ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
[ المقدمة / ٨ ]
والشكرُ مرفوع - بعد حمد الله تعالى الذي بنعمته تتمّ الصالحات - إلى كلّ من تتبّع أخبارَ الكتاب، وسأل عنه، ودعا بالتوفيق لإنجازه، من مشايخ، وعلماء، وباحثين، ودارسين.
كما أرفع أسمى معاني الشكر والامتنان إلى من كان سببًا في طباعته ونشره، وأخصُّ بالذكر الإخوةَ الأفاضل القائمين على وقف خلف الحربي ﵀، وفّقهم الله وزادهم من فضله.
والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلّم على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه وأمّهات المؤمنين.
كتبه
عمّار تمالت
[ المقدمة / ٩ ]