وأما قوله: "فسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة إلى من وافقه على قوله". فهذه العبارة تدل على تهور في الكذب ووقاحة تامة، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع الأمة١ من المبعث النبوي إلى قيام الساعة إلا من وافقه على قوله الذي اختص به، وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا إليه، بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخوارج لا يكفرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم، والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة ولا عن أهل السنة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب، -أعنى ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات- مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم:
_________________
(١) ١ وزعم غير هذا المعترض أنه كفر الأمة منذ مئات السنين لا من أولها كما اقتضاه إطلاقه، بل منذ فشا فيها تشييد القبور، وبناء المساجد عليها والطواف بها ودعاء الموتى، فإن هذا لم يكن في القرون الأولى، ولكن الحق الواقع أن الشيخ لم يكفر الأمة كلها في زمنه فضلًا عما قبله، وإنما كفر من أشرك بالله بغير عذر الجهل، وكتبه محمد رشيد رضا.
[ ٤١٩ ]
وعدل عن مناهجهم، كالجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور، بل قوله مما اجتمعت عليه الرسل واتفقت عليه الكتب كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره، ولا يكفر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لا مبتدع، وهذا كتاب الله وسنة رسوله وكلام أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله وأشرك به وتقسيمهم الشرك إلى أكبر وأصغر، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم وما جاءت به الرسل.
وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، وحكى الإجماع عليها وأنها من ضروريات الإسلام كما ذكره تقي الدين بن تيمية وابن القيم الجوزية وابن عقيل وصاحب الفتاوى البزازية وصنع الله الحلبي والمقريزي الشافعي ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي ومحمد بن إسماعيل الصنعاني ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من أهل العلم١.
_________________
(١) ١ يعني أن هؤلاء وأمثالهم صرحوا بأن ما عليه كثير من المسلمين الجاهلين من عبادة القبور ودعاء الموتى شرك جلي، وأما أصل المسألة فقد أجمع عليها الفقهاء قبلهم.
[ ٤٢٠ ]