خامسًا: أهل السنة أحرص الناس على الاجتماع والائتلاف، وأبعد الناس عن الافتراق والاختلاف.
إن اعتصام أهل السنة بالجماعة من أهم أركان منهجهم المبارك.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
قال ابن جرير الطبري: "يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة، والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله"١.
وروى ابن جرير بأسانيده إلى ابن مسعود ﵁ أنه قال في تفسير "حبل الله" في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: "الجماعة"٢، ومثل هذا نقله القرطبي عنه في التفسير٣.
وذكر ابن جرير أقوالًا أخرى عن السلف في تفسير معنى حبل الله، منها: القرآن والإخلاص لله وحده والإسلام٤.
وقال الشوكاني في نفس الآية: "أمرهم الله أن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام
_________________
(١) ١ تفسير الطبري "٤/ ٣٠". ٢ تفسير الطبري "٤/ ٣٠". ٣ المصدر السابق "٤/ ١٥٩". ٤ المصدر السابق "٤/ ٣٠، ٣١".
[ ٥٩ ]
أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين"١.
"وهذه الأقوال مؤداها واحد ونتيجتها واحدة، فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله ﷺ، كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم، وتماسك مجتمعهم"٢.
قال ابن القيم ﵀ في حقيقة هذا الاعتصام: "وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك، فهو منسل من الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علما وعملا، وإخلاصا واستعانة، ومتابعة، واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة"٣.
قال ابن المبارك٤:
إن الجماعة حبل فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
فأهل السنة على الحقيقة هم أهل الجماعة والاجتماع، مع الحرص على ذلك والتواصي به ظاهرا وباطنا.
ولكنهم حين يجتمعون يدعون إلى الاجتماع يضبطون دعوتهم بضابطين هما:
١- الاجتماع على كلمة الحق:
فبدون هذا القيد الضابط لا يكون اجتماع أصلا، فضلا عن أن يكون صحيحا،
_________________
(١) ١ فتح القدير للشوكاني "١/ ٣٦٧". ٢ وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق د. جمال بادي ص١٩، ٢٠. ٣ مدارج السالكين لابن القيم "٣/ ٣٢٣". ٤ انظر تفسير القرطبي "٤/ ١٥٩".
[ ٦٠ ]
ذلك أن الباطل وأهله في أمر مريج، لا يقرون على قرار، ولا يهتدون لأمر سواء.
فسبب الاجتماع جمع الدين كله علما وعملا، ونتيجته سعادة الدنيا والآخرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا وظاهرا ونتيجة الجماعة: ﵀ ورضوانه، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه"١.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
وقال شيخ الإسلام: "فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب"٢.
وقال: "فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله ولا سببا لرحمته"٣.
فأهل السنة مستمسكون بالجماعة، معرضون عن مواضع التفرق والاختلاف، ملتزمون بجمل الكتاب والسنة والإجماع، بعيدون عن مواطن المتشابهات التي تفرق الجمع وتشتت الشمل؛ لأن الجماعة عندهم هي مناط النجاة في الدنيا والآخرة.
وهذا يشهد لصدقه واقع أهل البدع والأهواء المجتمعين على الأصول البدعية، فإن فرقهم الكبرى انشعبت إلى ما لا يحصى عدا من الفرق المتشاكسة المتعاكسة، وهذا
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١/ ١٧". ٢ المرجع السابق "٣/ ٤٢١". ٣ المرجع السابق "١/ ١٧".
[ ٦١ ]
ظاهر في الخوارج والروافض -مثلا-، فكل من هاتين الطائفتين، افترقت إلى فرق كثيرة، بعد أن فارقوا الحق وتركوا الاجتماع عليه.
قال شيخ الإسلام: "والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال أهل السنة والجماعة، كما يقال أهل البدعة والفرقة"١.
وقال الشاطبي ﵀: "وقال جماعة من العلماء: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة"٢.
"وقد ذكر بعض المصنفين أن الروافض انقسموا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأوصلهم بعضهم إلى ثلاثمائة"٣.
٢- مراعاة ضوابط الخلاف:
كما أمر الله تعالى بالاجتماع والاعتصام فقد حذر ونهى عن الافتراق والابتداع، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
فحين يقع الخلاف العلمي بين أهل السنة يقع منضبطا بضوابطه التي من أهمها الحرص على الوحدة والائتلاف، وصلاح ذات البين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين، ومن
_________________
(١) ١ الاستقامة لابن تيمية "١/ ٤٢". ٢ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٢٠". ٣ انظر: الملل والنحل للشهرستاني "١/ ١٦٦".
[ ٦٢ ]
بعدهم إذا تنازعوا في الأمر أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين"١.
وهذا الأمر مشاهد ملموس في الخلاف الذي ينشأ بين أهل السنة أنفسهم، وبين أهل السنة وأهل البدع، فأما ما يكون بينهم وبين بعضهم فكثير جدًّا، فقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب.
وقد سبق من الأمثلة على ذلك:
- اختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا٢؟
- ومن ذلك أيضا: اختلافهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا٣؟
- ومن ذلك: اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أم صحائف العمل، أم العامل نفسه أي صاحب الأعمال؟ ٤.
- ومن ذلك: اختلافهم في الفروع والأأحكام الفقيهة العملية وهو كثير مشهور.
وأما مواقفهم مع غيرهم ممن خالف في الأصول دون الفروع، فيجسده موقف
_________________
(١) ١ المرجع السابق "٢٤/ ١٣٢". ٢ مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣٨٦". ٣ المرجع السابق "٤/ ٢٨٢، ٢٨٣". ٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "٢/ ٦٠٨-٦١٣".
[ ٦٣ ]
ابن عباس مع الخوارج ورحمته بهم ونقاشه معهم، الذي كان سببا في رجوع ألفين منهم إلى ساحة السنة، وإلى طريق الجماعة.
وكذا إمام أهل السنة الإمام أحمد في موقفه من مخالفيه، وعبد العزيز الكناني، ولقد حذا حذوهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵏ جميعًا.
وهم مع هذا كانوا أحرص الناس على جمع الكلمة، ووحدة الصف وإصلاح ذات البين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] "١.
ثم إنه من لوازم الاجتماع والدعوة إليه النهي عن الفرقة وأسبابها، قال الإمام القرطبي: "وقال ابن عباس ﵁ لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعة الجماعة، فإنما هلكت الأمم السابقة لتفرقها، أما سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] "٢.
وقد مر قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه﴾ [آل عمران: ١٠٦]: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"٣.
وقال ابن وهب: "سمعت مالكا يقول: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ
_________________
(١) ١ المرجع السابق "٢٨/ ٥٠". ٢ تفسير القرطبي "٤/ ١٦٤". ٣ تفسير ابن كثير "١/ ٣٩٠".
[ ٦٤ ]
اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ فرأيته يتأولها لأهل الأهواء، ورواه ابن القاسم وزاد: قال مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة"١.
_________________
(١) ١ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٩٠".
[ ٦٥ ]