لقد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة من أهل بيت النبي ﷺ ذكورًا وإناثًا على سبيل العموم في غير ما آية وحديث، وكما قدمنا في المبحث الذي قبل هذا أن أزواجه داخلات في أهل بيته دخولًا أوليًا وقد وردت آيات قرآنية في مدحهن عمومًا. أوضح الله تعالى فيها أنهن في مرتبة علية ومنزلة رفيعة.
١- قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ١. هذه الآية الكريمة اشتملت على فضيلة عظيمة ومنقبة رفيعة لجميع أزواجه ﵊ وهي أنه تعالى: أوجب لهن حكم الأمومة على كل مؤمن مع ما لهن من شرف الصحبة للنبي ﷺ.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: "شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي: في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات"٢.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع"٣.
٢- ومن مناقبهن العظيمة التي سجلها لهن القرآن العظيم أنهن اخترن الله
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٦. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٣. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٢٥.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ورسوله والدار الآخرة إيثارًا منهن لذلك على الدنيا وزينتها فأعد الله لهن على ذلك ثوابًا جزيلًا وأجرًا عظيمًا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١. "هذا أمر من الله ﵎ لرسوله ﷺ بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل فاخترن ﵅ وأرضاهن: الله ورسوله والدار الآخرة فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة"٢.
وقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: "إن الله - جل ثناؤه - قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " قالت: فقلت: ففي أي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت"٣.
ففي هذا بيان فضيلة عظيمة ومنزلة عالية لأزواجه ﷺ اللاتي هن أول ما يتناولهن لفظ "أهل البيت".
٣- ومن مناقبهن العامة ﵅ جميعًا أن الله تعالى أخبر عباده أن ثوابهن على الطاعة والعمل الصالح مثلًا أجر غيرهن. قال تعالى: ﴿وَمَنْ
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٢٨-٢٩. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٤٧. ٣ـ صحيح البخاري ٣/١٧٥.
[ ١ / ٣٣٤ ]
يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ١ فقد أخبر - تعالى - في هذه الآية أن التي تطيع الله ورسوله منهن وتعمل بما أمر الله به فإنه - تعالى - يعطيها ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرها من سائر نساء الناس وأعد لها في الآخرة عيشًا هنيئًا في الجنة.
قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: عند قوله تعالى: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: مثل أجر غيرها قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: عند قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أي: في الجنة فإنهن في منازل رسول الله ﷺ في أعلى عليين فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش"٣.
وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ المعنى: أعطاهن الله بذلك ثوابًا متكاثر الكيفية والكمية في الدنيا والآخرة وذلك بين في قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ وزيادة رزق كريم معد لهن، أما ثوابهن في الآخرة فكونهن مع النبي ﷺ في درجته في الجنة ولا غاية بعدها ولا مزية فوقها، وفي ذلك من زيادة النعيم والثواب على غيرهن، فإن الثواب والنعيم على قدر المنزلة وأما في الدنيا فبثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جعلهن أمهات المؤمنين تعظيمًا لحقهن، وتأكيدًا لحرمتهن وتشريفًا لمنزلتهن.
الثاني: أنه حظر عليه طلاقهن ومنعه من الاستبدال بهن فقال: ﴿لا يَحِلُّ
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣١. ٢ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن ٥/٢١٢. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٠.
[ ١ / ٣٣٥ ]
لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ ١.
والحكمة أنهن لما لم يخترن عليه غيره أمر بمكافأتهن في التمسك بنكاحهن.
الثالث: أن من قذفهن حد حدين كما قال مسروق والصحيح أنه حد واحد٢ فالآية تضمنت بيان منزلة نساء النبي ﷺ وشرفهن على سائر نساء الناس.
٤- ومن مناقبهن العامة التي شرفهن بها رب العالمين وأخبر بها عباده في كتابه العزيز أنهن لسن كأحد من النساء في الفضل والشرف وعلو المنزلة. قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ٣. فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يلحقهن أحد من نساء الناس في الشرف والفضل كما بين أن هذا الفضل إنما يتم لهن بشرط التقوى لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في حقهن٤.
قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس في بيان معنى الآية: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات. أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي٥.
وقال أبو بكر بن العربي: قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: في الفضل والشرف فإنهن وإن كن من الآدميات فلسن كإحداهن، كما أن النبي ﷺ وإن كان من البشر جبلة، فليس منهم فضيلة ومنزلة، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات، فإن من يقتدى به، وترفع منزلته على المنازل جدير بأن يرتفع
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٥٢. ٢ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٣. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٢. ٤ـ انظر الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٧٧. ٥ـ تفسير البغري على حاشية تفسير الخازن ٥/٢١٢.
[ ١ / ٣٣٦ ]
فعله على الأفعال ويربو حاله على الأحوال"أ. هـ١.
قال الحافظ ابن كثير: عند قوله تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قال تعالى مخاطبًا لنساء النبي ﷺ بأنهن إذا اتقين الله ﷿ كما أمرهن فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة"٢.
٥- ومن المناقب العامة لأزواجه ﵊ التي نوه الله بذكرها في كتابه العزيز ما امتن به عليهن من تلاوة آياته، وما نزل من الوحي عليه ﵊ في بيوتهن وهذه منقبة كبيرة ومفخرة عظيمة لهن ﵅ جميعًا قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٣ ففي هذه الآية الكريمة خطاب لأمهات المؤمنين بأن يتذكرن نعمة الله عليهن بأن جعلهن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة فما عليهن إلا أن يشكرنه تعالى ويحمدنه على ذلك وقد فعلن ذلك ﵅ وأرضاهن.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: "وعنى بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ واذكرن ما يقرأ في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة ويعني: بالحكمة ما أوحي إلى رسول الله ﷺ من أحكام دين الله ولم ينزل به قرآن وذلك السنة وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة، خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا"٤.
_________________
(١) ١ـ أحكام القرآن القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٤-١٥٣٥. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥١. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٤. ٤ـ جامع البيان ٢٢/٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقال الحافظ ابن كثير: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي: بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة بخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك١.
فالآية تضمنت مكانة أزواج النبي ﷺ كلهن جميعًا حيث شرفهن الله بتلاوة آيات الله والحكمة في مساكنهن وذلك دليل على أنهن جليلات القدر رفيعات المنزلة.
٦- ومن المناقب العامة التي شرف الله بها الصحابة من آل بيت النبي ﷺ إخباره تعالى أنه طهرهم من الرجس تطهيرًا، ونوه بذلك في محكم كتابه الكريم قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢.
هذه الآية شاملة لجميع أهل بيته ﵊ من الصحابة ذكورًا وإناثًا ولا يخرج عنها فرد منهم وكلهم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيرًا وقد اختلف المفسرون في معنى "الرجس" على أربعة أقوال:
فقيل: الإثم. وقيل: الشرك. وقيل: الشيطان.
وقيل: الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة، فالأفعال الخبيثة: كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأخلاق الذميمة: كالشح والبخل والحسد وقطع الرحم٣.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: "أراد بالرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه قال مقاتل: وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضًا وقال
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٩. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٣ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٧، زاد المسير لابن الجوزي ٦/٣٨١.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قتادة: يعني السوء وقال مجاهد: الرجس الشك وأراد بأهل البيت نساء النبي ﷺ لأنهن في بيته وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس"١.
فإذهاب الرجس شامل لزوجاته ﵊ وغيرهن من أهل بيته من الصحابة ﵃ جميعًا، فلقد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيرًا. فالآية شاملة للزوجات ولعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ جميعًا.
أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق الآية، ولكونهن الساكنات في بيوته ﷺ النازلات في منازله.
وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث المصرحة بأنهم من أهل بيته ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط٢ مرحّل من شعر أسود فجاء الحسن ابن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٣.
قال القرطبي: "فهذه دعوة من النبي ﷺ لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج"٤.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن آية التطهير من الرجس شاملة لأزواجه ولعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ جميعًا فقد قال رحمه الله تعالى:
_________________
(١) ١ـ معالم التنزيل على تفسير الخازن ٥/٢١٢. ٢ـ المرط: كساء يكون من صوف وربما كان من خز أو غيره "النهاية في غريب الحديث" ٤/٣١٩. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٣. ٤ـ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٨٤.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة أن هذه الآية لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهي رًا ١ وسنته تفسر كتاب الله وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه فلما قال: "هؤلاء أهل بيتي" مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه علمنا أن أزواجه وإن كن من أهل بيته كما دل عليه القرآن فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته لأن صلة النسب أقوى من صلة الصهر والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم كقول النبي ﷺ: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس إلحافًا" ٢.
بين بذلك: أن هذا مختص بكمال المسكنة بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه المسكنة لوجود من يعطيه أحيانًا مع أنه مسكين أيضًا: ويقال: هذا هو العالم وهذا هو العدو وهذا هو المسلم لمن كمل فيه ذلك وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.
ونظير هذا في الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: ـ"مسجدي هذا" ٣ يعني مسجد المدينة مع أن سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٤ يقتضي أنه مسجد قباء فإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟؟ " فقالوا: لأننا نستنجي
_________________
(١) ١ـ المسند ٦/٢٩٢، سنن الترمذي ٥/٣٠-٣١. ٢ـ صحيح البخاري ٣/١٠٩، ٢/٢٥٨، سنن أبي داود ١/٣٧٩، سنن النسائي ٦/٨٥-٨٦. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٠١٥ ونصه هكذا: "هو مسجدكم هذا". ٤ـ سورة التوبة آية/ ١٠٨.
[ ١ / ٣٤٠ ]
بالماء١ لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسًا على التقوى من مسجد قباء، وإن كان كل منها مؤسسًا على التقوى وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يأتي قباء كل سب راكبًا وماشيًا فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة ثم يقوم بقباء يوم السبت وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى ولما بين - سبحانه - أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرًا دعا النبي ﷺ لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به وهم: علي وفاطمة ﵄ وسيدا شباب أهل الجنة جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ فكان في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ليسبغها عليهم ورحمة من الله وفضل لم يبلغوها بمجرد حولهم وقوتهم إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ﷺ كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه، وقد ثبت أيضًا بالنقل الصحيح: أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي ﷺ على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن ولم يطلقهن حتى مات عنهن ولو أردن الحياة الدنيا وزينتها لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله - سبحانه - وتعالى فإنه ﷺ أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده. ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: "إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين، وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين"٢. فإذن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ شاملة لزوجاته ﵊ أمهات المؤمنين وغيرهن من قرابته وأهل بيته من الصحابة فمن جعل الآية خاصة
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في مسند أحمد ٣/٤٢٢، وسنن ابن ماجه ١/١٢٨. ٢ـ حقوق آل البيت لشيخ الإسلام ابن تيمية ص/٢٥-٢٨.
[ ١ / ٣٤١ ]
بأحد الفريقين أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا يجوز إهماله"١.
ولقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل أهل البيت عمومًا ومنها:
١- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار" ٢.
٢- وروى مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: "انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يدعى خمًّا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة قال: نعم".
وفي رواية أخرى عن يزيد بن حيان قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت
_________________
(١) ١ـ انظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٩/٦٧. ٢ـ المستدرك ٣/١٥٠ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وسكت عنه الذهبي في تلخيصه وأورده في سير أعلام النبلاء ٢/١٢٣.
[ ١ / ٣٤٢ ]
خيرًا لقد صاحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه وساق الحديث غير أنه قال " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة" وفيه فقلنا: من أهل بيته نساؤه قال: لا وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده"١.
قال ابن كثير: "هكذا وقع في هذه الرواية والأولى أولى والأخذ بها أحرى وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط بل هم مع آله وهذا الاحتمال أرجح جمعًا بينها وبين الرواية التي قبلها"أ. هـ٢.
وقال النووي مبينًا وجه الجمع بين الروايتين: "فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: نساؤه لسن من أهل بيته فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم وأمر باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلا ووعظ في حقوقهم وذكر فنساؤه داخلات في هذا كله ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: "نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة فاتفقت الروايتان"أ. هـ٣.
وقال القرطبي موضحًا كيفية القيام بوصية النبي ﷺ تجاه أهل بيته فقال: "وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي ﷺ وبأنهم جزء منه فإنهم أصوله التي
_________________
(١) ١ـ الحديثان في صحيح مسلم ٤/١٨٧٣-١٨٧٤. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٧-٤٥٨. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٨٠-١٨١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
نشأ عنها وفروعه نشأوا عنه كما قال: "فاطمة بضعة مني " ١.
فحديث زيد بن أرقم المتقدم تضمن فضيلة أهل بيته ﵊ من الصحابة حيث قرن الوصية بهم مع وصيته بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعله ﵊ أهل بيته ثقلا دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم.
ومعنى: التمسك بالكتاب امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولا وعملًا ومعنى التمسك - بأهل بيته - محبتهم والمحافظة على حرمتهم والعمل بروايتهم الصحيحة والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة للدين٢.
٣- وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثًا أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم وأن يعلم جاهلكم وسألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلًا صفن٣ بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار"٤.
هذا الحديث تضمن ثلاث مناقب لأهل بيت النبي ﷺ وهي واضحة كما بينها النبي ﷺ كما تضمن الحديث أن مبغضهم من أهل النار والعياذ بالله فالواجب على المسلم أن يحبهم ويبعد نفسه عن بغضهم.
٤- حث النبي ﷺ أمته على حبهم وجعل محبتهم دليلًا على محبته ﵊ فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه المناوي في كتابه "فيض القدير" ٣/١٤-١٥. ٢ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٢٨٨، وانظر فيض القدير للمناوي ٣/١٥. ٣ـ صفن: أي قائم انظر "النهاية في غريب الحديث" ٣/٣٩. ٤ـ المستدرك ٣/١٤٨-١٤٩ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٤٤ ]
لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي" ١.
ومعنى قوله ﷺ:"وأحبوا أهل بيتي لحبي" أي: إنما تحبونهم لأني أحببتهم بحب الله تعالى لهم وقد يكون أمرًا بحبهم لأن محبتهم لهم تصديق لمحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم٢.
وقد فهم وصية النبي ﷺ بأهل بيته حق فهمها أبو بكر الصديق ﵁ حيث دعا الناس إلى إكرامهم واحترامهم ومحبتهم.
٥- فقد روى البخاري بإسناده إلى أبي بكر ﵁ أنه قال: "أرقبوا محمدًا في أهل بيته"٣.
هذا خطاب من الصديق ﵁ ووصية منه لكافة أمة محمد ببيت النبوة "والمراقبة للشيء المحافظة عليه ومعنى قول الصديق احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم"٤.
قال النووي رحمه الله تعالى: "معنى "ارقبوا" راعوه واحترموه وأكرموه"٥.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: " والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي٦.
ففي قول الصديق هذا بيان فضل أهل بيت النبي ﷺ والحث على إكرامهم واحترامهم ولقد بين ﵁ بقوله هذا والذي قبله ما يجب أن يكون المسلم
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٣/١٥٠ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ فيض القدير للمناوي ١/١٧٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٤ـ انظر فتح الباري ٧/٧٩، عمدة القاريء ١٦/٢٢٢-٢٢٣. ٥ـ رياض الصالحين ص/١٧١. ٦ـ صحيح البخاري ٢/٣٠١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
عليه من الاعتقاد السليم تجاه أهل البيت ﵃ من حيث مراعاتهم وإكرامهم واحترامهم ومحبتهم فالواجب على كل مسلم أن يسلم بما أثبته الله تعالى من الفضل العام لأهل بيت النبي ﷺ وأن يقدرهم حق قدرهم ويكن لهم الاحترام والتوقير والإكرام والإعظام وأن يحفظ فيهم وصية النبي ﷺ حيث وصى بمراعاتهم والإحسان إليهم ويبتعد عما يكون سببًا في الإساءة إليهم وأن يعلم أن محبتهم حب للنبي ﷺ وبغضهم ذنب عظيم يجب على المسلم ألا يكون في قلبه محل لذلك وكذلك سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ١ / ٣٤٦ ]