يزعم الشيعة الإمامية بأن عليًا ﵁ هو الإمام بعد النبي ﷺ بلا فصل ويدعون أن النبي ﷺ نص عليه وأوصى له بالخلافة١ ويعتقدون هذا اعتقادًا جازمًا والناظر بعين البصيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ يجد أنه ليس هناك دليل فيهما يدل على معتقدهم هذا، وبالنظر في كتب الملل والنحل اتضح أن أول من أحدث هذه المقالة التي مضمونها أن عليًا وصي النبي ﷺ وأنه أوصى له بالخلافة - عبد الله بن سبأ اليهودي٢ الذي رام بهذه المقالة الكيد للإسلام وتفريق كلمة المسلمين وقد تقبل مقالته الفاسدة من بعده الشيعة الإمامية والنظام٣ ومن وافقه من فرق المعتزلة وقد جعل الشيعة الإمامة ركنًا من أركان الإيمان التي لا يكمل إيمان الإنسان إلا بها٤ بل بالغوا فيها حتى قالوا: إنها أفضل من أركان الإسلام الأخرى٥ ثم زعموا أن كل إمام من أئمتهم من أهل البيت
_________________
(١) ١ـ انظر الطرائف في معرفة مذهب الطوائف لابن طاووس ١/١٦٨ وما بعدها، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي ٢/٣٠-٤٧، مقالات الإسلاميين ١/٨٩، الفرق بين الفرق ص/٥٩-٦٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/١٤٦. ٢ـ الفرق بين الفرق ص/٢٣٥، الملل والنحل للشهرستاني ١/١٧٤. ٣ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/٥٧. ٤ـ جاء في كتاب الكافي للكليني ٢/١٥ كتاب الإيمان والكفر باب دعائم الإسلام حديث رقم ١ فقد ذكر بإسناده إلى جعفر ﵇ قال: بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة والصوم، والحج، والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية وانظر ما قاله الخميني في هذا الصدد في كتابه كشف الأسرار ص/١٤٩. ٥ـ روى الكليني في "الكافي" أيضًا: ٢/١٧ حديث رقم ٥ عن أبي جعفر ﵇
[ ٢ / ٥٥٦ ]
منصوص على إمامته بالتلميح تارة، وبالتصريح أخرى حيث إن كل إمام من أئمتهم يوصي بالإمامة لمن بعده١ ولكي يضللوا على جهلة المسلمين وليستميلوهم إلى اعتقاد أن الخليفة بعد النبي ﷺ هو علي ﵁ عمدوا إلى آيات من كتاب - تعالى - فيها ثناء ومدح لعامة عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين وجعلوها خاصة برابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ وجعلوا يؤولونها على حسب معتقدهم الباطل، كما اختلقوا كثيرًا من الأحاديث لنصرة بدعتهم الفاسدة واعتقادهم الباطل ويجادلون بها على أنها أدلة مسلمة، وفي الحقيقة إنها شبه يصطادون بها جهلة المسلمين ومن قل نصيبه من العلم منهم وسأذكر في هذا المبحث طائفة من الآيات القرآنية، والأحاديث التي يذكرها عوامهم ومن يدعي العلم منهم عند محاجتهم في مسألة الإمامة وسأقرن تلك الآيات والأحاديث بالرد بما يبين بطلان دلالتهما على ما يدعون وما يهدفون إليه.
أولًا: ذكر بعض شبههم من الآيات القرآنية وهي:-
الشبهة الأولى:
قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ٢ وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يذكرون عن ابن عباس أنه قال: سئل النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه فقال: "سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه فتاب عليه" وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها فيكون هو الإمام لمساواته النبي ﷺ في التوسل به إلى الله٣.
_________________
(١) = بني على خمس أشياء على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. قال زرارة: فقلت وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل لانها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل؟ فقال: الصلاة إن رسول الله ﷺ قال: "الصلاة عمود دينكم. ..إلخ". ١ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي ٢/١٦٠-١٧٠. ٢ـ سورة البقرة آية/٣٧. ٣ـ منهاج الكرامة لابن المكرم الحلي المطبوع مع كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٣٦- وانظر تفسير العياشي ١/٤١، تفسير فرات الكوفي ص/١٣، كتاب الصافي في تفسير القرآن ١/٨٢-٨٣، ص/١٣٨.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وهذا الاستدلال باطل من وجوه:
الأول: أنهم يطالبون بثبوت هذا النقل إلى ابن عباس ولا سبيل لهم إلى هذا.
الثاني: أن هذا الذي نسبوه إلى ابن عباس كذب موضوع باتفاق أهل العلم وقد أورده أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات١ من أفراد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني فإن له كتبًا في الأفراد والغرائب قال الدارقطني: تفرد به حسين الأشقر٢ رواي الموضوعات عن الأثبات عن عمرو٣ بن ثابت وليس بثقة ولا مأمون.
الثالث: أن الكلمات التي تلقاها آدم قد جاءت مفسرة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤ وقد روي عن السلف هذا وما يشبهه وليس في شيء من النقول الثابتة لتفسير الآية ما يذكره الشيعة من القسم.
الرابع: أن الكفار والفساق إذا تاب أحدهم إلى الله تاب الله عليه وإن لم يقسم عليه بأحد فكيف يحتاج آدم في توبته إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين لا مؤمن ولا كافر، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أحدًا في توبته بمثل هذا الدعاء.
_________________
(١) ١ـ الموضوعات ٣/٣. ٢ـ هو الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري الكوفي صدوق يهم ويغلو في التشيع من العاشرة مات سنة ثمان ومائتين، قال أبو يعلى: سمعت أبا معمر الهذلي يقول: الأشقر كذاب. وقال ابن معين: كان من الشيعة الغالية "انظر ترجمته وأقوال العلماء فيه " كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ١/٢٤٩-٢٥٠، تهذيب التهذيب ٢/٣٣٥-٣٣٧. ٣ـ هو عمرو بن ثابت وهو ابن أبي المقدام الكوفي مولى بكر بن وائل ضعيف رمي بالرفض من الثامنة مات سنة اثنين وسبعين وهو رافضي خبيث "انظر ترجمته وأقوال العلماء فيه" في تهذيب التهذيب ٨/٩-١٠، ميزان الاعتدال ٣/٢٤٩. ٤ـ سورة الأعراف آية/٢٣.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الخامس: يقال لهم: إن هذه الخصيصة المكذوبة التي ذكرتموها ليست من خصائض الأئمة إذ أنها حسب زعمكم ثابتة لفاطمة ﵂ وخصائص الأئمة لا تثبت للنساء وما لم يكن من خصائصهم لم يستلزم الإمامة فإن دليل الإمامة لا بد أن يكون ملزومًا لها يلزم من وجوده استحقاقها فلو كان هذا دليلًا على الإمامة لكان من يتصف به يستحقها والمرأة لا تكون إمامًا بالنص والإجماع.١
الشبهة الثانية:
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ٢ الآية، وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم ينسبون إلى ابن مسعود أنه قال: قال النبي ﷺ: "انتهت الدعوة إلي وإلى علي لم يسجد أحدنا لصنم قط فاتخذني نبيًا واتخذ عليًا وصيًا" وهذا نص في الباب٣.
والرد على هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: إن هذا الحديث كذب باتفاق الحفاظ.
الثاني: أن قوله انتهت الدعوة إلينا كلام لا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ فإنه إن أريد أنها لم تصب من قبلنا كان ممتنعًا لأن الأنبياء من ذرية إبراهيم دخلوا في الدعوة فقد قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ ٤ وقال عن بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ٥ ففي هاتين الآيتين إخبار بأنه - تعالى - جعل أئمة
_________________
(١) ١ـ انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٣٦، الميزان في تفسير القرآن محمد حسين الطباطبائي ١/٢٧٩. ٢ـ سورة البقرة آية/١٢٤. ٣ـ منهاج الكرامة لابن المطهر الحلي المطبوع مع كتاب "منهاج السنة" ٤/٣٦، المنتقى للذهبي ص/٤٣٩. ٤ـ سورة الأنبياء آية/٧٣. ٥ـ سورة السجدة آية/٢٤.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
من ذرية إبراهيم قبل أمتنا، وإن أريد انتهت الدعوة إلينا أنه لا إمام بعدنا لزم ألا يكون باقي الاثني عشر أئمة.
الثالث: أن كونه لم يسجد لصنم فضيلة يشاركه فيها جميع من ولد على الإسلام مع أن السابقين الأولين أفضل منهم فكيف يجعل المفضول مستحقًا لهذه المرتبة دون الفاضل وليس كل من لم يكفر أو من لم يأت بكبيرة أفضل ممن تاب عنها مطلقًا بل قد يكون التائب من الكفر والفسوق أفضل ممن لم يكفر ولم يفسق كما دل على ذلك الكتاب فإن الله فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وأولئك كلهم أسلموا من بعد وهؤلاء فيهم من ولد على الإسلام، وفضل السابقين الأولين على التابعين لهم بإحسان وأولئك آمنوا بعد الكفر والتابعون ولدوا على الإسلام وقد ذكر الله في القرآن أن لوطًا آمن لإبراهيم وبعثه الله نبيًا وقال شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ ١ وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر ثم نبأهم بعد توبتهم وهم الأسباط الذين أمرنا أن نؤمن بما أوتوا وإذا كان في هؤلاء من صار نبيًا فمعلوم أن الأنبياء أفضل من غيرهم وهذا مما تنازع فيه الرافضة وغيرهم ويقولون من صدر منه ذنب لا يصير نبيًا والنزاع فيمن أسلم أعظم لكن الاعتبار بما دل عليه الكتاب والسنة والذين منعوا من هذا عمدتهم أن التائب من الذنب يكون ناقصًا مذمومًا لا يستحق النبوة ولو صار من أعظم الناس طاعة وهذا هو الأصل الذي نوزعوا فيه والكتاب والسنة يدلان على بطلان قولهم فيه"٢.
وبهذه الوجوه اتضح بطلان استدلال الشيعة بالآية الكريمة على إمامة علي ﵁
_________________
(١) ١ـ سورة الأعراف آية/٨٩. ٢ـ منهاج السنة ٤/٣٧، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٣٩.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الشبهة الثالثة: آية المباهلة:
وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١.
ووجه استدلالهم بهذه الآية على إمامة علي ﵁ أنهم يزعمون أنها دلت على أفضليته من وجهين:
أحدهما: أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل وذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعًا على صحة عقيدته أفضل الناس عند الله.
الثاني: أنه ﷺ جعله مثل نفسه بقول: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ لأنه أراد بقوله: ﴿أبناءنا﴾ الحسن والحسين «ع» وبقوله: ﴿أنفسنا﴾ نفسه ونفس علي «ع» وإذا جعله مثل نفسه وجب أن لا يدانيه ولا يقاربه في الفضل أحد٢.
قال السماوي مبينًا وجه الدلالة من الآية على ما يريده الشيعة: "فإذا عرفنا أن عليًا بنص الكتاب هو نفس رسول الله ﷺ فهل يصح الرجوع إلى أحد من الناس أيًا كان ونفس الرسول موجود بينهم وهل يحكم الناس حاكم ونفس الرسول حاضر"٣.
وقال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه الدلالة من الآية: "نقل الجمهور كافة أن أبناءنا إشارة إلى الحسن والحسين ونساءنا إشارة إلى فاطمة، وأنفسنا إشارة إلى علي وهذه الآية دليل على ثبوت الإمامة لعلي لأنه تعالى قد جعله نفس رسول الله ﷺ والاتحاد محال فيبقى المراد بالمساواة له الولاية وأيضًا لو كان غير
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/٦١. ٢ـ تفسير التبيان للطوسي ٣/٤٨٥. ٣ـ الإمامة في صوء الكتاب والسنة ٢/٩٨-٩٩.
[ ٢ / ٥٦١ ]
هؤلاء مساويًا لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه لأنه في موضوع الحاجة وإذا كانوا هم الأفضل تعينت الإمامة فيهم وهل تخفى دلالة هذه الآية على المطلوب إلا على من استحوذ الشيطان عليه وأخذ بمجامع قلبه وحببت إليه الدنيا التي لا ينالها إلا بمنع أهل الحق من حقهم"١.
والرد على استدلالهم هذا:
يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على إمامة علي ﵁ مردود وباطل ودليل واضح على الجهل والقول بغير علم إذ تقريرهم أن الرسول عنى بقوله: أنفسنا نفسه ونفس علي غير مسلم لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا بطلان فهمهم من الآية مساواة علي للرسول ﷺ حيث قال: "وهو خلاف المستعمل في لغة العرب ومما يبين ذلك أن قوله: ﴿نساءنا﴾ لا يختص بفاطمة بل من دعاه من بناته كانت بمنزلتها في ذلك لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم كن قد توفين قبل ذلك فكذلك أنفسنا ليس مختصًا بعلي بل هو صيغة جمع كما أن نساءنا صيغة جمع وكذلك أبناءنا صيغة جمع وإنما دعا حسنًا وحسينًا لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما"٢ "وجاء في مختصر التحفة الاثنى عشرية" وما قاله علماؤهم بأن الشخص لا يدعو نفسه فكلام مستهجن إذ قد شاع وذاع في العرف القديم والجديد أن يقال: دعته نفسه إلى كذا ودعوت نفسي إلى كذا ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ ٣، وأمرت نفسي، وشاورت نفسي إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء فكان معنى (ندع أنفسنا) نحضر أنفسنا وأيضًا: لو قررنا أن الأمير من قبل النبي لمصداق (أنفسنا) فمن
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٣٣-٣٤، حق اليقين ١/١٤٨، كتاب الصافي في تفسير القرآن ١/٢٦٨. ٢ـ منهاج السنة ٤/٣٥. ٣ـ سورة المائدة آية/٣٠.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
تقرره، من قبل الكفار لمصداق (أنفسكم) في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة (ندعو) ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله: (تعالوا) فعلم أن الأمير داخل في الأبناء حكمًا كما أن الحسنين داخلان في الأبناء كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة ولأن العرف يعد الختن من غير ريبة في ذلك وأيضًا: قد جاء لفظ النفس بمعنى الشريك في النسب والدين كقوله تعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ١ أي: أهل دينكم ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ ٣ فلما كان للأمير اتصال بالنبي ﷺ، في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة وهذا غير بعيد فلا يلزم المساواة"٤
ولو سلم للشيعة بمساواة علي للرسول ﷺ في جميع الصفات كما يزعمون للزم من ذلك "اشتراكه في خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به وهو باطل بالإجماع لأن التابع دون المتبوع، وأيضًا: لو كانت الآية دليلًا لإمامته لزم - أن يكون علي - إمامًا في زمنه ﷺ وهو باطل بالاتفاق وإن قيدوا بوقت دون وقت فالتقييد لا دليل عليه في اللفظ فلا يكون مفيدًا للمدعي إذ هو غير متنازع فيه"٥.
أما زعمهم لو كان غير من دعاهم عند المباهلة مساويًا لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه لأنه في موضع الحاجة وإذا كانوا هم الأفضل تعينت الإمامة فيهم يقال لهم: "لم يكن المقصود من أخذه ﷺ عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ إجابة الدعاء إذ دعاؤه ﷺ وحده كاف
_________________
(١) ١ـ سورة البقرة آية/٨٤. ٢ـ سورة الحجرات آية/١١. ٣ـ سورة النور آية/١٢. ٤ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٥٦. ٥ـ المصدر السابق نفس الصفحة.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ولو كان المراد بمن دعاه معه أن يستجاب دعاؤه لدعا المؤمنين كلهم ودعا بهم كما كان يستسقي بهم وكما كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وكان يقول: "فهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"١ أي: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ومن المعلوم وإن كان علي وفاطمة والحسن والحسين مجابي الدعوة فكثرة الدعاء أبلغ في الإجابة لكن لم يكن المقصود من دعوة من دعاه إجابة دعائه بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل، ومن المعلوم بالضرورة لدى كل مسلم أن النبي ﷺ لو دعا أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم للمباهلة لكانوا من أعظم الناس استجابة لأمره وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء لكن لم يأمره الله - سبحانه - بأخذهم لأنه لم يحصل به المقصود فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعًا كأبنائهم ونسائهم ورجالهم الذين هم أقرب الناس إليهم فلو دعا النبي ﷺ قومًا أجانب لأتى أولئك بأجانب ولم يكن يشتد عليهم نزول البهلة بأولئك الأجانب كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين إليهم فإن طبع البشر يخاف على أقربيه ما لا يخاف على الأجانب فأمر النبي ﷺ أن يدعو قرابته وأن يدعو أولئك قرابتهم"٢.
فتبين مما تقدم ذكره عن أهل العلم أن الآية ليست فيها ما يدل على إمامة علي وبنيه كما يزعم الشيعة ذلك وأن استدلال الشيعة بها على هذا المطلب تعسف منهم وتلكف خاطئ وفاسد وغاية ما تدل عليه الآية هو اختصاص علي ﵁ بهذه المنقبة على غيره من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وكون الرسول ﷺ أشركه في المباهلة إنما هو إرضاء للخصم وإفحام له إذ المعروف من طبيعة الإنسان ألا يعرض أقاربه للهلاك فكونه ﵊ يدعو ألصق الناس به وأقربهم إليه دليل واضح على صحة نبوته ولهذا لما رأى نصارى
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في مسند أحمد ٥/١٩٨، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٦/٨٨ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ٢ـ منهاج السنة ٤/٣٥.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
نجران صدقه خافوا على أنفسهم وتخلوا عن مباهلته ولكن الشيعة لما ابتلوا بدفع الحق وعدم التسليم له أصيبوا بعدم فهم ما تدل عليه آيات الكتاب العزيز.
الشبهة الرابعة:
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١ ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يكذبون على الثعلبي أنه قال: إنما نزلت في علي وهذا دليل على أنه أفضل فيكون هو الإمام٢.
وهذا الاستدلال مردود بوجوه:
الوجه الأول: أن هذا كذب على الثعلبي وأنه قال في تفسيره لهذه الآية: قال علي وقتادة والحسن أنهم أبو بكر وأصحابه.
الوجه الثاني: أن هذا قول بلا حجة فلا يجب قبوله ولا الالتفات إليه.
الوجه الثالث: أن قولهم هذا معارض لما هو أشهر منه وأظهر وهو أنها نزلت في أبي بكر وأصحابه٣ الذين قاتلوا معه أهل الردة وهذا هو المعروف كما تقدم، لكن الشيعة أرادوا أن يجعلوا فضائل الصديق لعلي وهذا من المكر السيء الذي لا يحيق إلا بأهله.
ولا يشك مسلم في أن عليًا ﵁ ممن كان يحب الله ويحبه الله لكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان ولا كان جهاده للكفار أعظم من جهاد هؤلاء ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء بل كل منهم له سعي مشكور وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
_________________
(١) ١ـ سورة المائدة آية/٥٤. ٢ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٥٨، وانظر تفسير العياشي ١/٣٢٧، تفسير القمي ١/١٧٠، "كتاب الصافي" في تفسير القرآن ١/٤٨٨. ٣ـ انظر جامع البيان للطبري ٦/٢٨٥، الدر المنثور للسيوطي ٣/١٠٢.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الوجه الرابع: يقال لهم: على سبيل الفرض: إنها نزلت في علي فهل يصح أن يقول قائل: إنها مختصة به ولفظها يصرح بأنهم جماعة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فهذا صريح في أن هذا ليسوا رجلا واحدًا فإن الواحد لا يسمى قومًا في لغة العرب لا حقيقة ولا مجازًا، ولو قيل: المراد هو شيعته لقيل إذا كانت الآية أدخلت مع علي غيره فلا ريب أن الذين قاتلوا الكفار والمرتدين أحق بالدخول فيها من غيرهم.
الوجه الخامس: أن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ لفظ مطلق ليس فيه تعيين وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنًا من كان لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي وإذا لم يكن مختصًا بأحدهما لم يكن هذا من خصائصه فبطل أن يكون بذلك أفضل ممن يشاركه فيه فضلًا عن أن يستوجب بذلك الإمامة بل هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد إلى يوم القيامة إلا أقام الله قومًا يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين١.
وبهذه الوجوه الخمسة يبطل استدلال الشيعة بهذه الآية على إمامة علي ﵁.
الشبهة الخامسة: آية الولاية.
وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٢.
ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يدعون الإجماع أنها نزلت في علي ﵁ ويذكرون حديثًا يعزونه إلى تفسير الثعلبي عن أبي ذر أنه قال: سمعت
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٥٨-٦٠، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٥١-٤٥٢. ٢ـ سورة المائدة آية/٥٥.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
رسول الله ﷺ بهاتين وإلا صمتا ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: علي قائد البررة وقاتل الكفرة فمنصور من نصره ومخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله ﷺ يومًا صلاة الظهر فسأل سائل فلم يعطه أحد شيئًا فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم إنك تشهد أني سألت في مسجد رسول الله ﷺ فلم يعطني أحد شيئًا وكان علي راكعًا فأومأ بخنصره اليمنى وكان متختمًا فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم وذلك بعين النبي ﷺ فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: "اللهم إن موسى سألك وقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١ فأنزلت عليه قرآنا ناطفًا ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرًا من أهلي عليًا اشدد به ظهري" قال أبو ذر: فما استتم كلام رسول الله ﷺ حتى نزل عليه جبريل من عند الله فقال: "يا محمد اقرأ قال: وما أقرأ قال: اقرأ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٢.
قال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه الدلالة من الآية: "ونقل ابن المغازلي الواسطي الشافعي أن هذه الآية نزلت في علي، والولي هو المتصرف وقد أثبت له الولاية في الآية كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله"٣.
وقال الطوسي: "ووجه الدلالة فيها أنه قد ثبت أن الولي في الآية بمعنى
_________________
(١) ١ـ سورة طه آية/٢٥-٣٢. ٢ـ ذكر هذا الخبر ابن المطهر الحلي وانظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢، تفسير فرات الكوفي ص/٣٨-٤٠، العياشي ١/٣٢٧، تفسير القمي ١/١٧٠، تفسير الكاشاني المسمى كتاب الصافي في تفسير القرآن ١/٤٥٠-٤٥١. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
الأولى والأحق وثبت أيضًا: أن المعني بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ أمير المؤمنين١.
«ع» .
والناظر بعين البصيرة يرى أن هذا الخبر الذي ساقوه لبيان وجه دلالة الآية على إمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ بلا فصل خبر مفترى وكذب على النبي ﷺ يعرف فيه ذلك من ألفاظه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد وضع بعض الكذابين حديثًا مفترى أن هذه الآية نزلت في حق علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل"٢.
وقد بين ﵀ وجوه بطلان هذا الخبر المفترى فقال: "وكذبه بين من وجوه كثيرة: منها أن قوله: الذين، صيغة جمع وعلي واحد.
ومنها: أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك كان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة ومنها: أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق علماء الملة فإن في الصلاة شغلًا ومنها: أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنًا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير حال الركوع بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن ومنها: أن عليًا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي ﷺ.
ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم فإن أكثر الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة.
ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل، ومنها: أن الكلام في سياق
_________________
(١) ١ـ تفسير التبيان للطوسي ٣/٥٥٩، وانظر المفصح في إمامة أمير المؤمنين له أيضًا: ص/١٢٩. ٢ـ منهاج السنة ١/١٥٥-١٥٦.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين كما يدل عليه سياق الكلام"١.
وقال أيضًا: رحمه الله تعالى: "إن ألفاظ الحديث مؤذنة بأنه حديث موضوع على النبي ﷺ فإن عليًا ﵁ ليس قائدًا لكل البررة بل لهذه الأمة رسول الله ﷺ وليس هو أيضًا: قاتلًا لكل الكفرة بل قتل بعضهم كما قتل غيره بعضهم وما أحد من المجاهدين القاتلين لبعض الكفار إلا وهو قاتل لبعض الكفرة وكذلك قوله: منصور من نصره مخذول من خذله هو خلاف الواقع والنبي ﷺ لا يقول إلا حقًا وأيضًا: فالدعاء الذي عن النبي ﷺ عقب التصديق بالخاتم من أظهر الكذب لأن من المعلوم أن الصحابة ﵃ أنفقوا في سبيل الله وقت الحاجة إليه ما هو أعظم قدرًا ونفعًا من إعطاء سائل خاتمًا وفي الصحيح أن النبي ﷺ أنه قال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا "٢.
وقد تصدق عثمان بألف بعير في سبيل الله في غزوة العسرة حتى قال النبي ﷺ: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم" ٣.
والإنفاق في سبيل الله وفي إقامة الدين في أول الإسلام أعظم من صدقة على سائل محتاج - والإنفاق - الذي صدر في أول الإسلام في إقامة الدين ما بقي له نظير يساويه وأما إعطاء السائلين لحاجتهم فهذا البر يوجد مثله إلى يوم القيامة فإذا كان النبي ﷺ لأجل تلك النفقات العظيمة النافعة الضرورية لا يدعو بمثل هذا الدعاء فكيف يدعو هذه لأجل إعطاء خاتم لسائل قد يكون كاذبًا في سؤاله ولا ريب أن هذا ومثله من كذب جاهل أراد أن يعارض ما ثبت لأبي بكر بقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٤ بأن يذكر لعلي ﵁
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٥٥-١٥٦. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٣ـ انظر سنن الترمذي ٥/٢٨٩. ٤ـ سورة الليل آية/١٧-٢١.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
من هذا الجنس فما أمكنه أن يكذب أنه فعل ذلك في أول الإسلام فكذب هذه الأكذوبة التي لا تروج إلا على جاهل.. إلى أن قال: فمن زعم أن النبي ﷺ سأل الله أن يشد بشخص من الناس كما سأله موسى أن يشد أزره بهارون فقد افترى على رسول الله ﷺ وبخسه حقه"١.
وقد خطأ ابن كثير رحمه الله تعالى من ظن أن قوله تعالى في الآية: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة حالية وعلل ذلك بأنه: يلزم منه أن يكون دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء وممن نعلمه من أئمة الفتوى٢.
وقال الدهلوي مبينًا عدم نزول الآية في علي وعدم صحة الحديث الذي اختلقه الرافضة لبيان دلالتها على إمامة علي ﵁ حيث قال: وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه بالخاتم عليه في حالة الركوع فإنما هو للثعلبي فقط وهو متفرد به ولا يعد المحدثون من أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة ولقبوه بحاطب ليل٣ فإنه لا يميز بين الرطب واليابس وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح وهو من أوهى ما يروي في التفسير عندهم٤.
وأما زعم الشيعة أن لفظ: الولي هو المتصرف وقد أثبتت له٥ الولاية في الآية كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله.
فهذا يدل على جهل الشيعة حيث "يجعلون الولي هو الأمير ولم يفرقوا بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر والأمير يسمى الوالي ولكن قد يقال: هو ولي الأمر كما يقال: وليت أمركم، ويقال: أولو الأمر وأما إطلاق القول بالمولى وإرادة
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٦-٧. ٢ـ انظر تفسير القرآن العظيم ٢/٥٩٧. ٣ـ انظر منهاج السنة ٤/٤. ٤ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٤١-١٤٢. ٥ـ الضمير يعود إلى علي ﵁.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الولي فهذا لا يعرف بل يقال في الولي المولى ولا يقال: الوالي فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعاداة الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض وهذا مما يشترك فيه الخلفاء الأربعة وسائر أهل بدر وأهل بيعة الرضوان فكلهم بعضهم أولياء بعض ولم تدل الآية على أحد منهم يكون أميرًا على غيره بل هذا باطل إذ لفظ الولي والولاية غير لفظ الوالي والآية عامة في المؤمنين والإمارة لا تكون عامة"١.
وبما تقدم ذكره اتضح بطلان استدلال الشيعة على إمامة علي ﵁ إذ هي بعيدة كل البعد عن مراد الشيعة من حيث النزول والدلالة.
الشبهة السادسة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ٢ وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يقولون: إن الحافظ أبا نعيم الأصبهاني روى بإسناده إلى ابن عباس قال: نزلت في علي والود محبة في القلوب المؤمنة، وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي قل اللهم اجعل لي عندك عهدًا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة" فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ولم يثبت لغيره ذلك فيكون هو الإمام٣.
والرد على هذا الاستدلال وبيان بطلانه من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بالدليل على صحة هذا النقل وإلا فالاستدلال بما لا تثبت مقدماته باطل بالاتفاق وهو من القول بلا علم ومن قفو الإنسان، ما ليس له به علم ومن المحاجة بغير علم والعزو المذكور لا يقبل الثبوت باتفاق
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة النبوية ٤/٨. ٢ـ سورة مريم آية/٩٦. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٣٧، وانظر تفسير فرات الكوفي ص/٨٨-٨٩، تفسير القمي ٢/٥٦، تفسير الكاشاني المسمى "الصافي" في تفسير القرآن ٢/٥٨.
[ ٢ / ٥٧١ ]
أهل السنة والشيعة.
الوجه الثاني: أن هذين الحديثين من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عام في جميع المؤمنين فلا يجوز تخصيصها بعلي بل هي متناولة لعلي وغيره والدليل على ذلك أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظمهم الشيعة داخلون في الآية فعلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بعلي ﵁.
الوجه الرابع: أن الله - تعالى - أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودًا وهذا وعد منه صادق والله لا يخلف الميعاد فقد جعل للصحابة ﵃ الود في قلوب جماهير المسلمين ولا سيما الخلفاء ﵃ ولا سيما أبو بكر وعمر وعلي ﵁ في مقدمة من يودهما ويحبهما رضي الله عن صحابة نبيه أجمعين"١.
وبهذه الوجوه تبين أنه لا دلالة في الآية على ما تدعيه الشيعة من تقديم علي ﵁ في الإمامة.
الشبهة السابعة:
قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ ٢ ووجه استدلالهم بها أنهم يقولون: قال الثعلبي بإسناده عن أنس وبريدة قالا: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله فقال: "بيوت الأنبياء" فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها يعني بيت علي وفاطمة، قال: "نعم من أفضلها"، وصف فيها الرجال بما يدل على أفضليتهم؛ فيكون علي هو الإمام وإلا لزم
_________________
(١) ١ـ انظر منهاج السنة ٤/٣٧-٣٨. ٢ـ سورة النور آية/٣٧.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
تقديم المفضول"١.
واستدلالهم بهذه الآية مردود لوجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل إذ مجرد عزو ذلك إلى الثعلبي ليس بحجة باتفاق أهل السنة والشيعة وليس كل خبر رواه واحد من الجمهور يكون حجة عند الجمهور بل علماء الجمهور بل علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به لا في فضيلة أبي بكر وعمر ولا في إثبات حكم من الأحكام إلا أن يعلم ثبوته بطريقه ثم علماء الجمهور متفقون على أن الثعلبي وأمثاله يروون الصحيح والضعيف ومتفقون على أن مجرد روايته لا توجب اتباع ذلك وتفسيره وإن كان غالب الأحاديث التي فيه صحيحة ففيه ما هو كذب موضوع باتفاق أهل العلم.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة بالحديث ولهذا لم يذكره علماء الحديث في كتبهم التي يعتمد عليها في الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد مع أن في بعض هذه الكتب ما هو ضعيف بل ما يعلم أنه كذب لكن هذا قليل جدًا وأما هذا الحديث وأمثاله فهو أظهر كذبًا من أن يذكروه في مثل ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: الآية باتفاق الناس هي في المساجد كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ الآية وبيت علي ليس موصوفًا بهذه الصفة.
الوجه الرابع: يقال لهم: بيت النبي ﷺ أفضل من بيت علي باتفاق المسلمين ومع هذا لم يدخل في هذه الآية لأنه ليس في بيته رجال وإنما فيه هو والواحدة من نسائه ولما أراد بيت النبي قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ ٢ وقال
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة في معرفة الإمامة لابن المطهر مع منهاج السنة ٤/٢٥، وانظر" تفسير فرات الكوفي" ص/١٠٣، تفسير القمي ٢/١٠٤. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٥٣.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ١.
الوجه الخامس: دعواهم أن الآية في بيوت الأنبياء كذب فإنه لو كان كذلك لم يكن لسائر المؤمنين فيها نصيب وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ متناول لكل من كان بهذه الصفة. إذ لفظ الآية دل على أنهم رجال، وليسوا رجلا واحدًا فهذا دليل على أن هذا لا يختص بعلي بل هو وغيره مشتركون فيها وحينئذ فلا يلزم أن يكون أفضل من المشاركين له فيها.
السادس: وأما دعواهم امتناع تقديم المفضول على الفاضل فإنه إذا سلم فإنما هو في مجموع الصفات التي تناسب الإمامة وإلا فليس كل من فضل في خصلة من الخير استحق أن يكون هو الإمام ولو جاز هذا لقيل ففي الصحابة من قتل من الكفار أكثر مما قتل علي وفيهم من كان عنده من العلم ما ليس عند علي وبالجملة لا يمكن أن يكون واحد من الأنبياء له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الأنبياء من كل وجه ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه بل يكون في المفضول نوع من الأمور التي يمتاز بها عن الفاضل ولكن الاعتبار في التفضيل بالمجموع٢.
فالآية لا دلالة فيها على ما ذهب إليه الرافضة حيث إن المراد بالبيوت فيها هي المساجد وهي عامة في كل من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وليس فيها دلالة على إمامة علي ﵁ ولا على أفضليته.
الشبهة الثامنة: آية التطهير:
وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣٤. ٢ـ منهاج السنة النبوية ٤/٢٥-٢٦. وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٣١.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١ هذه الآية فهم الشيعة منها أنها تدل على عصمة أهل البيت ثم أخذوا منها الدلالة على إمامة علي ﵁.
قال الطوسي: "إن لفظ إنما تجرى ليس فيكون تلخيص الكلام ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت فدل ذلك أن إذهاب الرجس قد حصل فيهم، وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبتت عصمتهم ثبت ما أردناه"٢.
وقال ابن المطهر الحلي: "وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد بلفظة "إنما" وإدخال اللام في الخبر والاختصاص في الخطاب بقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ والتكرير بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ والتأكيد بقوله: ﴿تَطْهِيرًا﴾ وغيرهم ليس بمعصوم فتكون الإمامة في علي ولأنه ادعاها في عدة من أقواله كقوله: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقًا فيكون هو الإمام"٣.
والرد على هذا الاستدلال:
يقال لهم: إن الآية ليس فيها أي إشارة تدل على عصمة أحد من أئمة أهل البيت التي يلزم منها عند الشيعة إمامتهم وذلك أن الآية ما هي إلا كقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤ وكقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٥ وكقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ٦ فإن إرادة الله في هذه
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٢ـ تفسير التبيان للطوسي ٨/٣٤٠. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢٠، وانظر حق اليقين ١/١٥٠. ٤ـ سورة المائدة آية/٦. ٥ـ سورة البقرة آية/١٨٥. ٦ـ سورة النساء آية/٢٦-٢٧.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد ولا أنه قضاه وقدره ولا أنه يكون لا محالة - وكما هو معلوم - "أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه، وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقه وتقديره"١.
والإرادة في آية التطهير إنما هي إرادة دينية شرعية تذهب الرجس عن أهل البيت بامتثالهم الأوامر الربانية واجتنابهم المنهيات "والدليل على ذلك أن النبي ﷺ بعد نزول آية التطهير قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" ٢ فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم لم يحتج إلى الطلب والدعاء"٣.
وإذا كان الشيعة يستدلون بهذه الآية على عصمة أهل البيت فإنه يلزم، على معتقدهم هذا أن "يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ ٥ وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين ووقوع هذا الإتمام أدل على عصمتهم لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان"٦.
وأما زعمهم أن عليًا ادعاها وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقًا الخ
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٢١.٢٠. ٢ـ رواه أحمد في المسند ٦/٣٠٤.٢٩٢، ورواه الترمذي في سننه ٥/٣٠-٣١. ٣ـ منهاج السنة ٤/٢٠. ٤ـ سورة المائدة آية/٦. ٥ـ سورة الأنفال آية/١١. ٦ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٥٣.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فإن هذا "لا يسلم بل كل مسلم يعلم بالضرورة أن عليًا ما ادعاها قط حتى قتل عثمان - وما قال: "إني معصوم ولا أن الرسول ﷺ جعلني الإمام بعده ولا أنه أوجب على الناس متابعتي ولا نحو هذه الألفاظ بل من المعلوم بالضرورة أن من نقل هذا ونحوه عنه فهو كاذب عليه إذ أن عليًا ﵁ كان أتقى لله من أن يدعي الكذب الظاهر الذي يعلم الصحابة كلهم أنه كذب"١.
فآية التطهير ليس فيها دلالة على عصمة أهل البيت لأنها لم ترد بصيغة الإخبار وليس فيها أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد على إمامتهم ومما يدل على ذلك "أن أزواج النبي ﷺ مذكورات في الآية. والسياق إنما هو في مخاطبتهن من قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢ فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره وليس مختصًا بأزواجه بل هو متناول لأهل البيت كلهم وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم"٣.
الشبهة التاسعة: آية المودة:
وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤ وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم ينسبون إلى الإمام أحمد أنه روى في مسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا يا رسول الله: من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناهما" وكذا في تفسير الثعلبي ونحوه في الصحيحن وغير علي من الصحابة
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٢٤. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٣٢-٣٣. ٣ـ منهاج السنة ٤/٢١، وانظر مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٤٩. ٤ـ سورة الشورى آية/٢٣.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
والثلاثة لا تجب مودته فيكون علي أفضل فيكون هو الإمام ولأن مخالفته تنافي المودة وبامتثال أوامره تكون مودته فيكون واجب الطاعة وهو معنى الإمامة"١.
والرد على بطلان هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا الحديث ودعواهم أن أحمد روى هذا الحديث في المسند كذب ظاهر فإن مسند أحمد موجود وبه من النسخ ما شاء الله وليس هو في الصحيحين، بل فيهما وفي غيرهما ما يناقض ذلك، ولا ريب أن الرافضة جهال بكتب أهل العلم لا يطالعونها ولا يعلمون ما فيها فهم يعزون إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلًا لا حقيقة له يعزون إلى مسند أحمد ما ليس فيه أصلًا لكن أحمد ﵀ صنف كتابا في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وقد يروي في هذا الكتاب ما ليس في المسند.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهم المرجوع إليهم في هذا ولهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها.
الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة. ومن المعلوم أن عليًا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة فكيف يفسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق.
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن سعيد بن جبير قال:
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢٦-٢٧، حق اليقين لعبد الله شبر ١/١٥٠، وانظر تفسير القمي ٢/٢٧٥، تفسير فرات الكوفي ص/١٤٧-١٥٠، تفسير الكاشاني المسمى الصافي في تفسير القرآن ٢/٥١٣-٥١٤.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقلت: ألا تؤذوا محمدًا في قرابته فقال ابن عباس: عجلت إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة فقال: "لا أسألكم عليه أجرًا لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم" ١.
فهذا ابن عباس ترجمان القرآن وأعلم أهل البيت بعد علي ليس معناها مودة ذي القربى لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرًا لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولًا أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ الرسالة.
الوجه الخامس: أنه قال لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى: لم يقل: إلا المودة للقربى ولا المودة لذوي القربى فلو أراد المودة لذوي القربى لقال: المودة لذوي القربى كما قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ وكذلك قوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ٣ وهكذا في غير موضع فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان إنما قيل فيها ذوي القربى لم يقل: في القربى فلما ذكر هذا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى.
الوجه السادس: يقال لهم: إن النبي ﷺ لا يسأل عن تبليغ رسالة ربه أجرًا البتة بل أجره على الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٤ ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ ٥ ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة لكن لم يثبت
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في صحيح البخاري ٣/١٨٥. ٢ـ سورة الأنفال آية/٤١. ٣ـ سورة الروم آية/ ٣٨. ٤ـ سورة ص آية/٨٦. ٥ـ سورة سبأ آية/٤٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وجوبها بهذه الآية ولا محبتهم أجر للنبي ﷺ مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات فمن جعل محبة أهل بيته أجرًا له يوفيه إياه فقد أخطأ خطأ عظيمًا ولو كان أجرًا له لم نثب عليه نحن لأنا أعطينا أجره الذي يستحقه بالرسالة فهل يقول مسلم مثل هذا؟.
الوجه السابع: أنا نسلم أن عليًا تجب مودته وموالاته بدون الاستدلال بهذه الآية لكن ليس في وجوب موالاته ومودته ما يوجب اختصاصه بالإمامة ولا الفضيلة. وأما اعتقادهم: "أن الثلاثة لا تجب موالاتهم" فممنوع بل يجب أيضًا: مودتهم وموالاتهم فإنه قد ثبت أن الله يحبهم ومن كان الله يحبه وجب علينا أن نحبه فإن الحب في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان وكذلك هم من أكابر أولياء المتقين وقد أوجب الله موالاتهم بل قد ثبت أن الله قد رضي عنهم ورضوا عنه بنص القرآن وكل من ﵁ فإنه يحبه والله يحب المتقين والمحسنين والمقسطين والصابرين وهؤلاء أفضل من دخل في هذه النصوص من هذه الأمة بعد نبيها"١.
وأما استنباطهم من هذا الحديث الذي لم يثبت أن المخالفة تنافي المودة وامتثال أوامره هو مودته فيكون واجب الطاعة وهو معنى الإمامة.
فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: إن كان المودة توجب الطاعة فقد وجبت مودة ذوي القربى فتجب طاعتهم فيجب أن تكون فاطمة أيضًا إمامًا وإن كان هذا باطلًا فهذا مثله.
الوجه الثاني: أن المودة ليست مستلزمة للإمامة في حال وجوب المودة، فليس من وجبت مودته كان إمامًا حينئذ بدليل أن الحسن والحسين تجب مودتهما قبل مصيرهما إمامين، وعلي تجب مودته في زمن النبي ﷺ ولم يكن إمامًا بل
_________________
(١) ١ـ انظرهذه الوجوه في منهاج السنة ٤/٢٧-٢٩.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
تجب وإن تأخرت إمامته إلى مقتل عثمان.
الوجه الثالث: زعمهم أن المخالفة تنافي المودة. يقال لهم: متى؟ إذا كان ذلك واجب الطاعة أو مطلقًا؟ الثاني ممنوع وإلا لكان من أوجب على غيره شيئًا لم يوجبه الله عليه إن خالفه فلا يكون محبًا له ولا يكون مؤمن محبًا لمؤمن حتى يعتقد وجوب طاعته وهذا معلوم الفساد، وأما الأول فيقال: إذا لم تكن تلك المخالفة قادحة في المودة إلا إذا كان واجب الطاعة فحينئذ يجب أن يعلم أولًا وجوب الطاعة حتى تكون مخالفته قادحة في مودته فإنه لا يعلم أن المخالفة تقدح في المودة حتى يعلم وجوب الطاعة ولا يعلم وجوب الطاعة إلا إذا علم أنه إمام ولا يعلم أنه إمام حتى يعلم أن مخالفته تقدح في مودته.
الوجه الرابع: يقال: المخالفة تقدح في المودة إذا أمر بطاعته أو لم يؤمر؟ والثاني منتف ضرورة، وأما الأول فإنا نعلم أن عليًا لم يأمر الناس بطاعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
الوجه الخامس: يقال هذا بعينه في حق أبي بكر وعمر وعثمان فإن مودتهم ومحبتهم وموالاتهم واجبة ومخالفتهم تقدح في ذلك١.
الآية إذًا ليس فيها دليل على ما ذهب إليه الشيعة أي: من الادعاء أنها نزلت في أهل البيت وأنها تدل على إمامتهم وفضلهم.
الشبهة العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ٢ وجه استدلالهم بهذه الآية على إمامة علي أنهم يعزون إلى ابن عبد البر وأبي نعيم أنهما رويا أن النبي ﷺ ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال: سلهم يا محمد علام بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وعلى الإقرار بنبوتك والولاية
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٣٠. ٢ـ سورة الزخرف آية/٤٥.
[ ٢ / ٥٨١ ]
لعلي بن أبي طالب وهذا صريح في ثبوت الإمامة لعلي"١. ويرد على هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون في هذا الكذب القبيح بثبوت صحته إذ لا يشك أحد في أن هذا وأمثاله من أسمج الكذب وأقبحه لكن على طريق التنزل في المناظرة وأن هذا لم يعلم أنه كذب لم يجز أن يحتج به حتى يثبت صدقه فإن الاستدلال بما لا تعلم صحته لا يجوز بالاتفاق فإنه قول بلا علم وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع.
الوجه الثاني: أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع.
الوجه الثالث: أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي لا يصدق به من له عقل ودين وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في الكذب فإن الرسل صلوات الله عليهم كيف يسألون عما لا يدخل في أصل الإيمان وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي ﷺ وأطاعه ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعلي لم يضره ذلك ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة فإذا كان هذا في أمة محمد ﷺ فكيف يقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة والله - تعالى - قد أخذ الميثاق عليهم لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه هكذا قال ابن عباس وغيره٢.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَْ﴾ ٣. فأما
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٤٥، حق اليقين في معرفة أصول الدين ١/١٥١ وانظر تفسير القمي ٢/٢٨٥. ٢ـ انظر جامع البيان لابن جرير الطبري ٣/٣٣٢، تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ١/٣١٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٦٥، الدر المنثور للسيوطي ٢/٢٥٢-٢٥٣. ٣ـ سورة آل عمران آية/٨١.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد فلم يؤخذ عليهم فكيف يؤخذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين.
الوجه الرابع: أن لفظ الآية ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ١ ليس في هذا سؤال لهم بماذا بعثوا.
الوجه الخامس: يقال لهم: إن كنتم تزعمون أن الرسل إنما بعثوا بهؤلاء الثلاثة فهذا كذب عليهم وإن كنتم تزعمون أنها أصول ما بعثوا به فهذا أيضًا كذب، فإن أصول الدين التي بعثوا بها من الإيمان بالله واليوم الآخر، وأصول الشرائع أهم عندهم من ذكر الإيمان بواحد من أصحاب نبي غيرهم بل ومن الإقرار بنبوة محمد ﷺ فإن الإقرار بمحمد يجب عليهم مجملًا، كما يجب علينا نحن الإقرار بنبواتهم مجملًا لكن من أدركه منهم وجب عليه الإيمان بشرعه على التفصيل كما يجب علينا، وأما الإيمان بشرائع الأنبياء على التفصيل فهو واجب على أممهم، فكيف يتركون ذكر ما هو واجب على أممهم ويذكرون ما ليس هو الأوجب.
الوجه السادس: أن ليلة الإسراء كانت بمكة قبل الهجرة بمدة قيل: إنها سنة ونصف وقيل إنها خمس سنين وقيل غير ذلك، وكان علي صغيرًا ليلة المعراج لم يحصل له هجرة ولا جهاد ولا أمر يوجب أن يذكره به الأنبياء، والأنبياء لم يذكر علي في كتبهم أصلًا وقد دخل في الإسلام كثير من أهل الكتاب ولم يذكر أحد منهم أن عليًا ﵁ ذكر في كتبهم فكيف يجوز أن يقال: أن كلًا من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي ولم يذكروا ذلك لأممهم ولا نقله أحد منهم٢.
وبهذه الوجوه تبين أنه لا دلالة في الآية للشيعة الرافضة على ما يذهبون
_________________
(١) ١ـ سورة الزخرف آية/٤٥. ٢ـ انظر هذه الوجوه في منهاج السنة ٤/٤٥-٤٦، المنتقى للذهبي ص/٤٤٦.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
إليه من أنها دالة على إمامة علي ﵁.
الشبهة الحادية عشر:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١. وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم ينسبون إلى أبي نعيم أنه روى عن ابن عباس قال في هذه الآية: سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب كما يقولون: روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿السابقون السابقون﴾ قال سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق هارون إلى موسى، وسبق صاحب يس إلى عيسى وسبق علي إلى محمد ﷺ وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة فيكون هو الإمام٢.
وهذا الاستدلال باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل لأن أبا نعيم وابن المغازلي يدونان كثيرًا من الأحاديث الموضوعة.
الوجه الثاني: أن هذا باطل عن ابن عباس ولو صح لم يكن حجة إذا خالفه من هو أقوى منه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤
_________________
(١) ١ـ سورة الواقعة آية/١٠-١١. ٢ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٤٢، وانظر تفسير القمي ٢/٣٤٧، تفسير فرات الكوفي ص/١٧٧-١٧٨، المناقب لمحمد بن علي بن شهرشوب ص/٥، البرهان في تفسير القرآن للبحراني ٤/٢٧٤. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٤ـ سورة فاطر آية/٣٢.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
"والسابقون الأولون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، الذين هم أفضل ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل دخل فيهم أهل بيعة الرضوان وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة فكيف يقال: إن سابق هذه الأمة واحد".
الوجه الرابع: دعواهم أن هذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة ممنوع فإن الناس متنازعون في أول من أسلم فقيل أبو بكر أول من أسلم فهو أسبق إسلامًا من علي وقيل: إن عليًا أسلم قبله لكن علي كان صغيرًا وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع فيكون هو أكمل سبقًا بالاتفاق وأسبق على الإطلاق على القول الآخر فكيف يقال: علي أسبق منه بلا حجة تدل على ذلك.
الوجه الخامس: أن هذه الأفضلية للسابقين الأولين لم تدل على أن كل من كان أسبق إلى الإسلام كان أفضل من غيره وإنما يدل على أن السابقين أفضل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١. فالذين سبقوا إلى الإنفاق والقتال قبل الحديبية أفضل ممن بعدهم فإن الفتح فسره النبي ﷺ بالحديبية٢.
وإذا كان أولئك السابقون قد سبق بعضهم بعضًا إلى الإسلام فليس في الآيتين ما يقتضي أن يكون أفضل مطلقًا بل قد يسبق إلى الإسلام من سبقه غيره إلى الإنفاق والقتال ولهذا كان عمر ﵁ ممن أسلم بعد تسعة وثلاثين وهو أفضل من أكثرهم بالنصوص الصحيحة وبإجماع الصحابة والتابعين وما علمت أحد قط قال: إن الزبير ونحوه أفضل من عمر والزبير أسلم قبل عمر ولا قال من يعرف من أهل العلم أن عثمان أفضل من عمر، وعثمان أسلم قبل عمر وإن كان الفضل بالسبق إلى الإنفاق والقتال فمعلوم أن أبا بكر أخص بهذا فإنه
_________________
(١) ١ـ سورة الحديد آية/١٠. ٢ـ المسند ٣/٤٢٠، سنن أبي داود ٢/٦٩.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
لم يجاهد قبله أحد لا بيده ولا بلسانه بل هو من حين آمن بالرسول ينفق ما له ويجاهد بحسب الإمكان فاشترى من المعذبين في الله غير واحد وكان يجاهد مع الرسول قبل الأمر بالقتال كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ١.
فكان أبو بكر أسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر" ٢. والصحبة بالنفس وذات اليد هو المال فأخبر ﷺ أنه أمنّ الناس عليه في النفس٣ والمال" وحسبنا هنا من الآيات القرآنية التي يدعون أنها أدلة على أن عليًا ﵁ هو الإمام بعد النبي ﷺ بلا فصل ما تقدم. ونقتصر عليها في هذا المبحث لأنه كما تقدم معنا أن هذه الآيات التي ذكرناها هنا يذكرها عوامهم ومن يدعي العلم منهم عندما يحاجون في مسألة الإمامة وإلا فالآيات التي يستدلون بها على إمامة علي ﵁ كثيرة فقد أورد ابن المطهر الحلي في كتابه "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" أربعين آية٤ وذكر الخميني في كتبابه "كشف الأسرار"٥ أن مائة وأربعين آية تدل على أن الإمام هو علي ﵁ وكما قدمنا أنها ليست أدلة وإنما هي شبه يتصيدون بها ضعاف العقول من المسلمين ومن حظه قليل من العلم فهي آيات قرآنية عامة واردة في جميع المؤمنين والشيعة يخصصونها بعلي ﵁، وكما تقدم من الآيات التي أسلفناها أنه لا دلالة فيها على إمامة علي ﵁ ولا على أفضليته وكذلك بقية الآيات التي لم يرد ذكرها هنا كلها من هذا القبيل.
_________________
(١) ١ـ سورة الفرقان آية/٥٢. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٣ـ انظر هذه الوجوه في منهاج السنة النبوية ٤/٤٢-٤٣، المنتقى للذهبي ص/٤٤٢. ٤ـ انظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢-٧٩. ٥ـ ص/١٦١.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
ثانيًا: شبههم من الأحاديث:
أما شبههم من الأحاديث التي يستدلون بها على أن عليًا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ فهي إما أحاديث صحيحة تدل على فضله ولا تدل على إمامته وإما أحاديث ضعيفة غير صحيحة لعلل في أسانيدها وإما أحاديث مكذوبة مختلقة على النبي ﷺ ومن تلك الشبه ما يلي:
الشبهة الأولى: حديث المنزلة، فقد روى الشيخان من طريق سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن ابيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" ١ فقد فهم الشيعة من هذا الحديث النبوي أن النبي ﵊ نصب عليًا ﵁ إمامًا للمسلمين فقد روى الصدوق٢ بإسناده إلى هارون العبدي قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري عن معنى قول النبي ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال: استخلفه بذلك والله على أمته في حياته وبعد وفاته وفرض عليهم طاعته فمن لم يشهد له بعد هذا القول بالخلافة فهو من الظالمين٣ وقال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه دلالة حديث المنزلة على إمامة علي ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ: "ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى ولو عاش بعده لكان خليفة أيضًا: ولأنه خلفه مع وجوده وغيبته مدة يسيرة فعند موته تطول الغيبة فيكون أولى بأن يكون خليفة"٤.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧٠ واللفظ له. ٢ـ هو أبو جعفر محمد بن علي، ابن الحسين بن بابويه القمي ت: ٣٨١هـ، انظر ترجمته في تنقيح المقال للمامقاني ٣/١٥٤. ٣ـ معاني الأخبار للصدوق ص/٧٤. ٤ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٧.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
والرد على هذا الاستدلال.
يقال لهم: لا يشك مسلم في صحة هذا الحديث وأنه يدل على فضل علي رضوان الله عليه لا على أنه الإمام بعد النبي ﷺ إذ مناسبة ورود الحديث تأبى أن يكون مراد النبي ﵊ التنصيص على خلافة علي وإمامته ولو أراد ذلك لصرح بلفظ لا يتطرق إليه احتمال وذلك أنه ﵊ كان لا يخرج من المدينة لغزو أو غيره إلا ويستخلف أحد الصحابة على المدينة فلما كانت غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عنها وهي آخر مغازيه ﷺ ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها فلم يتخلف إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق وتخلف الثلاثة الذين تيب عليهم"١.
ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحدًا كما كان يبقي في جميع مغازيه فإنه كان يكون بالمدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم من يستخلف فكل استخلاف يستخلفه في مغازيه مثل استخلافه في غزوة بدر الكبرى والصغرى وغزوة بني المصطلق وخيبر وفتح مكة وسائر مغازيه التي لم يكن فيها قتال ومغازيه بضعة عشر غزوة وقد استخلف فيها كلها إلا القليل وقد استخلف في حجة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه عليًا فلهذا خرج إليه علي ﵁ وقال: "أتخلفني في النساء والصبيان"٢.
_________________
(١) ١ـ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتيب عليهم هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع "انظر قصتهم في صحيح مسلم" ٤/٢١٢٠-٢١٢٨. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧١.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه وقال: إنما خلفه لأنه يبغضه فبين له النبي ﷺ أنه إنما استخلفه لأمانته عنده وإن الاستخلاف ليس بنقص ولا غض فإن موسى استخلف هارون على قومه فكيف يكون نقصًا وموسى يفعله بهارون، فطيب بذلك قلب علي وبين أن جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته لا يقتضي إهانته ولا تخوينه ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون لأن العسكر كان مع هارون وإنما ذهب موسى وحده، وأما استخلاف النبي ﷺ فجميع العسكر كان معه ولم يتخلف بالمدينة غير النساء والصبيان أو معذور أو عاص وقول القائل: هذا بمنزلة هذا وهذا مثل هذا هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء - فإنه قد ثبت - من قول النبي ﷺ في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر وأشار بالفدى واستشار عمر فأشار بالقتل قال: "أخبركم عن صاحبيكم مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ ومثل عيسى إذ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ٣ أو مثل موسى إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٤ فقوله: لهذا: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى ولهذا مثل نوح وموسى أعظم من قول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فإن نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون وقد جعل هذين مثلهم ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء لكن فيما دل عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه
_________________
(١) ١ـ سورة إبراهيم آية/٣٦. ٢ـ سورة المائدة آية/١١٨. ٣ـ سورة نوح آية/٢٦. ٤ـ انظر الحديث بطوله في مسند الإمام أحمد ١/٣٨٣-٣٨٤، وأورده ابن كثير في تفسيره ٣/٣٤٥-٣٤٦.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
السياق وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي بل ولا هو مثل استخلافاته فضلًا عن أن يكون أفضل منها وقد استخلف من علي أفضل منه في كثير من الغزوات ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف على علي إذا قعد معه فكيف يكون موجبًا لتفضيله على علي بل قد استخلف على المدينة غير واحد وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى ومن جنس استخلاف علي وليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى وأما زعمهم "أنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل فإن قوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. . دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته فقال هذا على سبيل الجبر له وقوله: "بمنزلة هارون من موسى" أي: مثل منزلة هارون وأن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره وإنما يكون له ما يشابهها فصار هذا كقوله: هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: مثله مثل إبراهيم وعيسى، وعمر مثله مثل نوح وموسى ومما يبين ذلك أنه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطابًا بينهما يناجيه به ولا كان أخره حتى يخرج إليه علي ويشتكي، بل كان هذا من الحكم الذي يجب بيانه وتبليغه للناس كلهم بلفظ يبين المقصود، ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون فإن هذا الحديث يدل على النبي ﷺ لم يخاطب عليًا بهذا الخطاب إلا ذلك اليوم في غزوة تبوك فلو كان علي قد عرف أنه المستخلف من بعده كما رووا ذلك فيما تقدم لكان علي مطمئن القلب أنه مثل هارون بعده في حياته ولم يخرج إليه يقول: "أتخلفني مع النساء والصبيان"١.
ولو كان علي بمنزلة هارون مطلقًا لم يستخلف عليه أحدًا وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد حتى
_________________
(١) ١ـ تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
لحق بالنبي ﷺ فأعطاه النبي ﷺ الراية حين قدم وكان قد أعطى الراية رجلًا فقال: لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" ١.
وأما قولهم في الاستدلال: "لأنه خليفة مع وجوده وغيبته مدة يسيرة فعند موته تطول الغيبة يكون أولى بأن يكون خليفة".
فالجواب أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير علي استخلافًا أعظم من استخلاف علي واستخلف أولئك على أفضل من الذين استخلف عليهم عليًا وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير علي في حجة الوداع فليس جعل علي هو الخليفة بعده لكونه استخلف على المدينة بأولى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه وأعظم مما استخلفه وآخر الاستخلاف كان على المدينة عام حجة الوداع وكان علي باليمن وشهد معه الموسم لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير علي، فإن كان الأصل بقاء الاستخلاف فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك، وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائصه ولا تدل على الأفضلية ولا على الإمامة بل قد استخلف عددًا غيره - ولكن الرافضة - يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بعلي رضي الله عنه٢.
قال أبو نعيم الأصبهاني في معرض رده على الطاعنين في إمامة الصديق ﵁: "فإن قال: قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ٣. قيل له: كذلك نقول في استخلافه على المدينة في حياته بمنزلة من
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧١. ٢ـ منهاج السنة ٤/٨٧-٩٠، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٦٨-٤٧٠. ٣ـ تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٥٩١ ]
موسى وإنما خرج هذا القول له من النبي ﷺ عام تبوك إذ خلفه بالمدينة فذكر المنافقون أنه مله وكره صحبته فلحق بالرسول ﷺ فذكر له قولهم فقال ﷺ: "بل خلفتك كما خلف موسى هارون" ١.
قال أبو محمد بن حزم مبينًا المراد من قوله ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى": وهذا لا يوجب له فضلًا على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه والسلام لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى ﵉ وإنما ولي الأمر بعد موسى ﵇ يوشع بن نون فتى موسى الذي سافر معه في طلب الخضر ﵉ كما ولي الأمر بعد رسول الله ﷺ صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى فقد صح أن كونه ﵁ من رسول الله ﷺ بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط وأيضًا فإنما قال له رسول الله ﷺ هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك فقال المنافقون استقله فخلفه فلحق علي برسول الله ﷺ فشكى ذلك إليه فقال رسول الله ﷺ حينئذ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى يريد ﵇ أنه استخلفه على المدينة مختارًا استخلافه كما استخلف موسى ﵇ أيضًا مختارًا لاستخلافه، ثم قد استخلف ﵇ قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالًا سوى علي ﵁ فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلًا على غيره ولا ولاية الأمر بعده كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين"أ. هـ٢.
وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه للحديث: "واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة فإن هارون كان خليفة موسى
_________________
(١) ١ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٢١. ٢ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/٩٤-٩٥، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٤.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق أشار إلى ذلك الخطابي"١.
فلا دلالة في الحديث للشيعة من أن الخلافة كانت من جملة منازل هارون كما يزعمون ولا يسلم لهم بهذا الادعاء "لأن هارون كان نبيًا مستقلًا في التبليغ ولو عاش بعد موسى أيضًا لكان كذلك ولم تزل عنه هذه المرتبة قط وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف فقد علم أن الاستدلال على خلافة - علي ﵁ من هذا الطريق لا يصح أبدًا"٢.
الشبهة الثانية: حديث الراية
فقد زعم ابن المطهر الحلي أن الجمهور رووا أن النبي ﷺ لما حاصر خيبر تسعًا وعشرين ليلة وكانت الراية لأمير المؤمنين علي فلحقه رمد أعجزه عن الحرب وخرج مرحب يتعرض للحرب فدعا رسول الله ﷺ أبا بكر فقال: خذ الراية فأخذها في جمع من المهاجرين ولم يغن شيئًا ورجع منهزمًا فلما كان من الغد تعرض لها عمر فسار غير بعيد ثم رجع يخبر أصحابه فقال النبي ﷺ: "جيئوني بعلي" فقيل: إنه أرمد فقال: "أرونيه أروني رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار" فجاءوا بعلي فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه فبرأ فأعطاه الراية ففتح الله على يديه وقتل مرحب ووصفه ﵇ بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره وهو يدل على أفضليته فيكون هو الإمام"٣.
والرد على هذا الاستدلال من وجوه:
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٧٤. ٢ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٦٣-١٦٤. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٩٧، العاملي في كتابه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ٢/٢.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الوجه الأول: أنهم يطالبون بتصحيح هذا النقل ولا سبيل لهم إلى هذا.
الوجه الثاني: دعواهم أنه رواه الجمهور يقال لهم: إن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا بل الذي في الصحيحين أن عليًا ﵁ كان غائبًا عن خيبر لم يكن حاضرًا فيها حيث كان أرمد ثم إنه شق عليه التخلف عن النبي ﷺ فلحقه فقال النبي ﷺ قبل قدومه: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه" - ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر ولا لعمر ولا قربها واحد منهما بل هذا من الأكاذيب ولهذا قال عمر: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ وبات الناس كلهم يرجوا أن يعطاها فلما أصبح دعا عليًا فقيل له إنه أرمد فجاءه فتفل في عينه حتى برأ فأعطاه الراية"١.
وكان هذا التخصيص جزاء مجيء علي مع الرمد وكان إخبار النبي ﷺ بذلك وعلي ليس بحاضر لا يرجونه من كراماته ﷺ فليس في الحديث تنقيص بأبي بكر وعمر أصلًا"٢.
الوجه الثالث: أن مدعى الشيعة غير حاصل - من هذا الحديث الصحيح - إذ لا ملازمة بين كونه محبًا لله ورسوله ومحبوبًا لهما وبين كونه إمامًا بلا فصل أصلًا على أنه لا يلزم من إثباتهما له نفيهما عن غيره كيف وقد قال الله - تعالى - في حق أبي بكر ورفقائه ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٣ وقال في حق أهل بدر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٤. ولا شك أن من يحبه الله يحبه رسوله ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله وقال في شأن أهل مسجد قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٥. وقال ﷺ لمعاذ: يا معاذ: "إني أحبك" ٦ ولما سئل من أحب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٩-٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧٢. ٢ـ منهاج السنة ٤/٩٧-٩٨، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٧٢. ٣ـ سورة المائدة آية/٥٤. ٤ـ سورة الصف آية/ ٤. ٥ـ سورة التوبة آية/١٠٨. ٦ـ المسند ٥/٢٤٥، سنن أبي داود ١/٣٤٩، سنن النسائي ٣/٥٣.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
الناس إليك؟ قال: عائشة قيل ومن الرجال قال: أبوها" ١ وإنما نص على المحبة والمحبوبية في حق علي مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله: "يفتح الله على يديه" ٢ وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" ٣ فأزال ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له فصار المقصود منه تخصيص مضمون "يفتح الله على يديه" وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك التوهم"٤.
الشبهة الثالثة: حديث الثقلين: فقد استدل الشيعة به على إمامة علي ﵁ وبنيه وهم يسوقونه بطرق مختلفة وقد ساقه ابن المطهر الحلي بلفظ: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض" وقال: "أهل بيتي هم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق" ثم قال: - وهذا يدل على وجوب التمسك بقول أهل بيته وعلي سيدهم فيكون واجب الطاعة على الكل فيكون هو الإمام٥.
وقال الصدوق مبينًا وجه دلالة هذا الحديث الذي لم يصح بهذا اللفظ كما سنرى قريبًا حيث قال: "والعترة علي بن أبي طالب وذريته من فاطمة وسلالة النبي ﷺ وهم الذين نص الله ﵎ عليهم بالإمامة على لسان نبيه ﷺ وهم اثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم ﵇ على جميع ما ذهبت إليه العرب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٢. ٣ـ صحيح البخاري ٤/١٤٥، صحيح مسلم ١/١٠٦. ٤ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٦٩. ٥ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/١٠٤، وأورده الصدوق في كتابه معاني الأخبار ص/٩١، الطرائف في معرفة مذهب الطوائف ص/١١٣-١١٧، بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد للصفار ص/٤٣٢-٤٣٣.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
من معنى العترة"١.
وقال ابن طاووس٢ بعد ذكره لروايات كثيرة لحديث الثقلين: "فهذه عدة أحاديث برجال متفق على صحة أقوالهم يتضمن الكتاب والعترة فانظروا وأنصفوا هل جرى من التمسك بهما ما قد نص عليهما، وهل اعتبر المسلون من هؤلاء من أهل بيتي الذين ما فارقوا الكتاب؟ وهل فكروا في الأحاديث المتضمنة أنهما خليفتان من بعده؟ وهل ظلم أهل بيت نبي من الأنبياء مثل ما ظلم أهل بيت محمد ﷺ بعد هذه الأحاديث المذكورة المجمع على صحتها؟ وهل بالغ نبي أو خليفة أو ملك من ملوك الدنيا في النص على من يقوم مقامه بعد وفاته أبلغ مما اجتهد فيه محمد رسول الله؟ لكن له أسوة بمن خولف من الأنبياء قبله، وله أسوة بالله الذي خولف في ربوبيته بعد هذه الأحاديث المذكورة المجمع على صحتها"٣.
ولقد كفانا مؤنة الرد على استدلالهم بحديث الثقلين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه قد رد عليهم وأبطل استدلالهم بوجوه عدة هي:
الوجه الأول: أن لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يدعى خمًا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" ٤ وهذا اللفظ يدل
_________________
(١) ١ـ معاني الأخبار للصدوق ص/٩٢. ٢ـ هو علي بن موسى بن طاووس الحسني الحسيني المتوفى سنة أربع وستين وستمائة له ترجمة في أول كتابه الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ١/٣ وما بعدها. ٣ـ الطرائف في معرفة الطوائف لابن طاووس ١/١١٧. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٣.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
على أن الذي أمر بالتمسك به وجعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله وأما قوله: "وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" فهذا رواه الترمذي١ وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح٢، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى وغيره لكن أهل البيت لم يتفقوا على شيء من خصائص مذهب الرافضة بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء منه - وأما قوله: "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح" فهذا لا يعرف له إسناد صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها.
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال عن عترته: إنها والكتاب لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وهو الصادق المصدوق فيدل على أن إجماع العترة حجة وهذا قول طائفة من علماء الحنابلة ﵏ تعالى - لكن العترة هم بنو هاشم كلهم ولد العباس وولد علي وولد الحارث بن عبد المطلب وسائر بني أبي طالب وغيرهم وعلي وحده ليس هو العترة وسيد العترة هو رسول الله ﷺ يبين ذلك أن علماء العترة كابن عباس وغيره لم يكونوا يوجبون اتباع علي في كل ما يقوله ولا كان علي يوجب على الناس طاعته في كل ما يفتي به ولا عرف أن أحدًا من أئمة السلف لا من بني هاشم ولا غيرهم قال: إنه يجب اتباع علي في كل ما يقوله.
الوجه الثالث: أن العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته بل أئمة العترة
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٨. ٢ـ لأن في سنده زيد بن الحسن القرشي أبو الحسن الكوفي صاحب الأنماط وهو ضعيف من الثامنة. قال أبو حاتم: "منكر الحديث" الجرج والتعديل ٣/٥٦٠، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/١٠٢، تهذيب التهذيب ٣/٤٠٦، تقريب التهذيب ١/٢٧٣، ويعده الشيعة منهم وله ترجمة عند المامقاني في كتابه "تنقيح المقال في علم الرجال" ١/٤٦٢، وهو غير محمود عندهم.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر وفيهم من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم أضعاف من فيهم من الإمامية والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسين بن علي وولد الحسن وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر وكانوا يفضلونهما على علي والنقول عنهم ثابتة متواترة.
الوجه الرابع: أن هذا معارض بما هو أقوى منه وأن إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة والإجماع، والعترة بعض الأمة فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة وأفضل الأمة أبو بكر١ فإن كانت الطائفة التي إجماعها حجة يجب اتباع أفضلها مطلقًا فهو أبو بكر، وإن لم يكن بطل ما يذكر الشيعة في إمامة علي ﵁"٢.
ومما تجدر الإشارة إليه أن حديث الثقلين قد تعددت رواياته في مصادر أهل السنة والجماعة وأن الدكتور علي أحمد الثالوث قد تتبع هذا الحديث وقام بدراسة طرقه المتعددة وأخرجها في كتابه "حديث الثقلين وفقهه" وتوصل إلى أن "ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم لا خلاف حول صحته "وأما بقية الروايات فقد قال عنها: "ورأينا الروايات الأخرى لهذا الحديث وظهر ما بها من ضعف وهنا ملحظ هام وهو أن الضعف أساسًا جاء من موطن واحد وهو الكوفة وهذا يذكرنا بقول الإمام البخاري في حديث رواه عطية: أحاديث الكوفيين هذه مناكير. ومن هنا ندرك لماذا اعتبر ابن الجوزي هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة وإن كانت الروايات في جملتها كما يبدو لا تجعل الحديث ينزل إلى درجة الموضوع"٣.
فدعوى ابن طاووس من الاتفاق على صحة أقوال رجال الأحاديث التي ساقها وحديث الثقلين الوارد في صحيح مسلم ليس
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/١٠٤-١٠٥. ٢ـ انظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٧٦. ٣ـ حديث الثقلين ص/٢٤.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فيه أكثر من الحث على حب آل بيت النبوة وحفظ حقوقهم لأن ذلك من كمال حبه ﷺ وحفظ حقوقهم وتذكيره ﷺ بأهل بيته لا يلزم منه إمامتهم، ولو كان مراد الرسول ﷺ بيان إمامتهم لأفصح عن ذلك بلفظ في غاية البيان والوضوح.
الشبهة الرابعة: حديث الغدير:
لقد أخذ حديث الغدير عند الشيعة منزلة رفيعة وافتخروا به وأشادوا به وأفردوه بالتأليف وفيه يقول الأميني: "للإمامية مجتمع باهر يوم الغدير عند المرقد العلوي الأقدس يضم إليه رجالات القبائل، ووجوه البلاد من الدانين والقاصين إشادة بهذا الذكر"١.
ومفاد قصة الغدير كما يذكرونها في كتبهم أن النبي ﷺ عزم على الحج في سنة عشر من الهجرة وأعلن ذلك للناس فاجتمعوا إليه جماعات ووحدانا وقاد النبي ﷺ قافلة الحجيج إلى مكة قاصدين البيت الحرام مصطحبًا معه نساءه وسائر أهل بيته، ثم بعد أن قضى مناسكه قفل راجعًا إلى المدينة وسار حتى وصل غدير خم من الجحفة وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ويومها نزل عليه جبريل من الله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢ وأمره أن ينصب عليهم عليًا إمامًا ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد فحشر الناس في ذلك الموضع وأوقف سيرهم ورد مقدمتهم على مؤخرتهم ثم وقف عليهم خطيبًا إلى أن قال: يا أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه" يقولها ثلاث مرات ثم قال
_________________
(١) ١ـ الغدير في الكتاب والسنة والأدب ١/١٣. ٢ـ سورة المائدة آية/٦٧.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
"اللهم والي من والاه وعادي من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار ألا فليبلغ الشاهد الغائب" ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ١ فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر على إكمال الدين وإكمال النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي من بعدي" ٢.
ووجه استدلالهم من حديث الغدير عبارة: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وهذه العبارة لا تعني عند الشيعة إلا النص على إمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ.
قال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه الدلالة منه: "والمراد بالمولى هنا الأولى بالتصرف لتقدم التقوى منه ﷺ بقوله: "ألست أولى منكم بأنفسكم" ٣
وروى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق قال: قلت لعلي بن الحسين ﵉ ما معنى قول النبي ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه " قال: أخبرهم أنه الإمام بعده"٤.
وقبل أن أبين بطلان حديث الغدير هذا نبين أنه يحمل في ثناياه جهل الشيعة المركب بعدم معرفتهم بمكان وزمان نزول آيات القرآن الكريم فدعواهم أن قوله
_________________
(١) ١ـ سورة المائدة آية/٣. ٢ـ انظر كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب للأميني ١/٩-١١ وكتاب الطرائف في معرفة مذهب الطوائف ١/١٣٩-١٤٨، وكتاب اليقين لابن طاووس ص/١١٣-١١٥، الطبرسي في الاحتجاج ١/٥٥، والصدوق في معاني الأخبار ص/٦٧ وانظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٤، حق اليقين ١/١٥٣. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٤، وانظر حق اليقين لعبد الله شبر ١/١٥٤. ٤ـ معاني الأخبار ص/٦٥.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
عالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنزلت يوم الغدير فهذه الدعوى غير صحيحة فقد رجح العلامة ابن كثير أنها مما نزل بالمدينة بل إنها من أواخر ما نزل فقد قال رحمه الله تعالى: "والصحيح أن هذه الآية مدينة بل هي من أواخر ما نزل بها والله أعلم"١.
وسياق الآية يشعر ببعد نزولها يوم الغدير بشأن خلافة علي ﵁ ذلك أن الآية سبقت بآيات كلها وردت في ذم أهل الكتاب وبيان تعداد معاصيهم وتعديهم حدود الله - جل وعلا - قال العلامة ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ " وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجترائهم على ربهم، وتوثبهم على أنبيائهم وتبدليهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطاعمهم ومآكلهم وسائر المشركين غيرهم ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم، والتهجين لهم وما أمرهم به ونهاهم عنه وألا يشعر نفسه حذرًا منهم أن يصيبهم في نفسه مكروه، ما قام فيهم بأمر الله ولا جزعًا من كثرة وقلة عدد من معه وألا يتقي أحدًا في ذات الله فإن الله تعالى كافيه كل أحد من خلقه ودافع عنه مكروه كل من يتقي مكروهه"٢.
وأما قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣ فإن نزولها كان بعرفة وحادثة الغدير كانت بعد رجوع النبي ﷺ من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة قال ابن جرير رحمه الله تعالى ذاكرًا القول الراجح في مكان ووقت نزول هذه الآية: "وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي روي عن عمر بن الخطاب أنها نزلت يوم
_________________
(١) ١ـ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٦١١. ٢ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٦/٣٠٧. ٣ـ سورة المائدة آية/٣.
[ ٢ / ٦٠١ ]
عرفة يوم جمعة لصحة سنده ووهن أسانيد غيره"١.
فادعاهم أن النبي ﷺ قال عند نزولها: "الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي من بعدي " فإنه كما قال الألوسي: "من مفترياتهم وركاكة الأمر شاهدة على ذلك"٢.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المائدة لم ينزل منها شيء في غدير خم أو بعده حيث قال رحمه الله تعالى: "فمن زعم أن المائدة نزل منها شيء في غدير خم أو بعده فهو كاذب باتفاق أهل العلم"٣.
وأما لفظ حديث الغدير فقد تصدى أهل العلم من أهل السنة والجماعة لبيان درجته كما أوضحوا ما يدل عليه ما صح من لفظه من وجوه:
الوجه الأول: أن لفظ "من كنت مولاه فعلي مولاه" ليس هو في الصحاح ولكن رواه طائفة من أهل العلم٤ وقد تنازع الناس في صحته أو عدمها على قولين: - القول الأول: نقل عن الإمام البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وطعفوه وإلى هذا القول ذهب أبو محمد بن حزم فإنه ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: "وأما من كنت مولاه فعلي مولاه" "فلا يصح
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٦/٨٤. ٢ـ روح المعاني ٦/٦١. ٣ـ منهاج السنة ٤/٨٥. ٤ـ أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في سننه ٥/٢٩٧ من حديث أبي سريحة أو زيد بن أرقم شك شعبة وقال: عقبه هذا حديث حسن غريب، ورواه أحمد في المسند ٤/٣٦٨ عن زيد بن أرقم ٥/٣٦١ من حديث بريدة ولفظه: "من كنت وليه فعلي وليه" ورواه ابن ماجه في سننه ١/٤٥ من حديث سعد بن أبي وقاص كما أخرجه أيضًا من حديث البراء بن عازب ١/٤٣ وقال محققه في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وقد صححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحية ٤/٣٣٠-٣٤٤.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
من طرق الثقات أصلًا"١.
القول الثاني: نقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي٢ ثم إن القائلين بصحة الحديث من أهل السنة سلفًا وخلفًا بينوا المراد من الحديث وما الذي يدل عليه وأنه ليس المراد به الخلافة.
فقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى فضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن وسأله رجل ألم يقل رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قال لي: بلى والله لو يعني بذلك رسول الله ﷺ الإمارة أو السلطان لأفصح لهم بذلك فإن رسول الله ﷺ كان أنصح للمسلمين فقال: "يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًا لهذا الأمر وجعله القائم به للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله"، ثم قال: ورواه شبابة بن سوار عن الفضيل بن مرزوق قال سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يتولاهم: فذكر قصة ثم قال: ولو كان الأمر كما يقولون إن الله ورسوله اختار عليًا لهذا الأمر والقيام على الناس بعد رسول الله ﷺ إن كان علي لأعظم الناس خطية وجرمًا في ذلك إذ ترك أمر رسول الله ﷺ كما أمره ويعذر فيه إلى الناس قال: فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله ﷺ لعلي: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقال: أما والله إن رسول الله ﷺ إن كان يعني بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم: إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا فما كان من رواء هذا شيء فإن أنصح الناس كان للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
_________________
(١) ١ـ انظر كتاب ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/٢٦٤. ٢ـ منهاج السنة ٤/٨٦، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٦٦-٤٦٧. ٣ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٨٢-١٨٣ وانظر تفسير روح المعاني للألوسي ٦/١٩٥.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
ففي هذين الأثرين عن الحسن بن الحسن تكذيب لما نسبه الصدوق إلى علي بن الحسين من أنه قال: إن المراد بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه" أنه أخبرهم بأنه الإمام بعده فاتضح أن ذلك من زيادات الشيعة المنكرة على أهل البيت وأنهم يدخلون ألفاظًا منكرة في الأحاديث والآثار على حسب ما تملي لهم به أهواؤهم.
وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: سمعت الشافعي ﵀ يقول في معنى قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁:"من كنت مولاه فعلي مولاه" يعني بذلك ولاء الإسلام وذلك قول الله ﷿ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ١.
وأما قول عمر بن الخطاب لعلي: "أصبحت مولى كل مؤمن يقول: ولي كل مسلم"٢.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في معرض رده لحجج الرافضة التي يدعون أنها تدل على إمامة علي ﵁ مباشرة بعد النبي ﷺ: فإذا احتج بالأخبار وقال: قال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قيل له: مقبول منك ونحن نقول وهذه فضيلة بينة لعلي بن أبي طالب ﵁ ومعناه من كان النبي ﷺ مولاه فعلي والمؤمنون مواليه دليل ذلك قول الله ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ ٣. والولي والمولى في كلام العرب واحد والدليل عليه قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: لا ولي لهم وهم عبيده وهو مولاهم وإنما أراد لا ولي لهم وإنما هذه منقبة من النبي ﷺ لعلي ﵁ وحث على محبته وترغيب في ولايته لما ظهر من ميل المنافقين عليه وبغضهم له وكذلك قال ﷺ: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" ٤.
_________________
(١) ١ـ سورة محمد آية/١١. ٢ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٨٢. ٣ـ سورة التوبة آية/٧١. ٤ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢١٧-٢١٨ والحديث في صحيح مسلم ١/٨٦، سنن الترمذي ٥/٢٩٩.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى: "وأما حديث الموالاة فليس فيه إن صح إسناده نص على ولاية علي بعده فقد ذكرنا من طرقه في كتاب "الفضائل" ما دل على مقصود النبي ﷺ من ذلك وهو أنه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه فأراد النبي ﷺ أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته فقال: "من كنت وليه فعلي وليه" وفي بعض الروايات "من كنت مولاه فعلي مولاه" والمراد به ولاء الإسلام ومودته وعلى المسلمين أن يوالي بعضهم بعضًا ولا يعادي بعضهم بعضًا وهو معنى ما ثبت عن علي ﵁ أنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق١ وفي حديث بريدة "حين شكى عليًا فقال النبي ﷺ: "أتبغض عليًا؟ فقلت: نعم فقال: "لا تبغضه وأحببه وازدد له حبًا" قال بريدة: فما كان من الناس أحد أحب إلي من علي بعد قول رسول الله ﷺ"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قولي أهل العلم في الحديث من حيث الصحة وعدمها: "ونحن نجيب بالجواب المركب فنقول إن لم يكن النبي ﷺ قاله فلا كلام فإن قاله فلم يرد به قطعًا الخلافة بعده إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغًا مبينًا وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة وذلك أن المولى كالولي والله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣ وقال: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٤ فبين أن الرسول ولي المؤمنين وأنهم مواليه أيضًا: كما بين أن الله ولي المؤمنين وأنهم أولياؤه وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/٨٦. ٢ـ الاعتقاد ص/١٨١-١٨٢. ٣ـ سورة المائدة آية/٥٥. ٤ـ سورة التحريم آية/٤.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
الوجه الثاني: أما الزيادة وهي قوله: "اللهم والي من والاه وعادي من عاداه" فلا ريب أنه كذب وقد نقل أحمد بن محمد بن هاني الأثرم قال قلت لأبي عبد الله حسين الأشقر تحدث عنه؟ قال: لم يكن عندي ممن يكذب في الحديث فقال له العباس بن عبد العظيم: حدّث في أبي بكر وعمر فقلت له يا أبا عبد الله صنف بابًا فيه معايب أبي بكر وعمر فقال ما هذا بأهل أن يحدث عنه وذكر أنه حدثه بحديثين.
أحدهما أنه قال: أن عليًا قاله له إنك ستعرض على البراءة مني فلا تتبرأ مني فاستعظمه أبو عبد الله وأنكره.
الثاني: "اللهم والي من والاه وعادي من عاداه" فأنكره أبو عبد الله جدًا وكأنه لم يشك أن هذين كذب١.
الوجه الثالث: زعمهم أن المراد بالمولى: "هو الأولى بالتصرف" غير صحيح وإنما المراد بالمولاة المضادة للمعاداة وهذا حكم ثابت لكل مؤمن فعلي ﵁ من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه وفي الحديث إثبات إيمان علي في الباطن والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطنًا وظاهرًا ويرد ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب لكن ليس فيه أنه ليس من المؤمنين مولى غيره فكيف ورسول الله ﷺ له موال وهم صالحوا المؤمنين فعلي أيضًا له مولى بطريق الأولى والأحرى وهم المؤمنون الذين يتولونه"٢.
وبهذه الوجوه المتقدمة يبطل استدلال الشيعة على خلافة علي بحديث الغدير الذي هو من عمدة أدلتهم على ذلك، بل إن "أخبار الغدير التي فيها الأمر باستخلاف علي غير صحيحية عند أهل السنة ولا مسلمة لديهم أصلًا"٣.
_________________
(١) ١ـ انظر كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ١/٢٤٩، منهاج السنة النبوية ٤/٨٥-٨٦، المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٦٧، تهذيب التهذيب ٢/٣٣٥-٣٣٧. ٢ـ منهاج السنة ٤/٨٦. ٣ـ انظر روح المعاني للألوسي ٦/١٩٣
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الشبهة الخامسة: حديث الدار:
لقد تداول الشيعة هذا الحديث فيما بينهم وتناقلوه في كتبهم وقبلوه وسلموا به سندًا ومتنًا وجعلوه دليلًا على إثبات إمامة علي ﵁ بل استنبط منه بعضهم بداية نشأة التشيع.
فقد قال الزنجاني: "إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله صارخًا بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها فإنه لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ١ جمع النبي ﷺ بني هاشم وأنذرهم وقال: أيكم يؤازرني فيكون أخي ووارثي ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا" ٢.
وحديث الدار كما قال الحلي وهو "ما نقله الناس كافة أنه لما نزل قوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلًا وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد لهم صاعًا من اللبن وكان الرجل يأكل الجذعة في مقعد واحد ويشرب الفرق٣ من الشراب في ذلك المقام فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا ولم يتبين ما أكلوا فبهرهم النبي ﵌ بذلك وتبين لهم آية نبوته فقال: "يا بني عبد المطلب إن الله بعثني إليكم خاصة" فقال: وأنذر عشيرتك الأقربين "وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بها العرب والعجم وتنقاد لكم بها الأمم وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي
_________________
(١) ١ـ سورة الشعراء آية/٢١٤. ٢ـ عقائد الإمامية للزنجاني ١/٢٧١. ٣ـ الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا وهي اثنى عشر مدًا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز "النهاية في غريب الحديث" ٣/٤٣٧.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وخليفتي من بعدي".
فلم يجبه أحد منهم فقال أمير المؤمنين أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر فقال اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانية فصمتوا فقال علي: فقمت فقلت مثل مقالتي الأولى فقال: "اجلس"، ثم أعاد القول ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت فقلت أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر فقال: " اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك فقد جعل ابنك أميرًا عليك" ١.
قال الشيعي مهدي السماوي مشيدًا بهذا الافتراء: "قد بلغ حدًا من التواتر والشهرة لا تستطيع الأقلام إغفاله ولا الألسن أن تكم عن التحدث به لواسع شهرته وانتشاره من حيث السند، وأما مضمونه فأوضح من أن يحتاج إلى بيان في دلالته على إمامته «ع» وخلافة رسول الله «ص» ووراثته له سائر ما يورث الأنبياء فهو يثبت بوضوح كون الإمام وزير الرسول وأخاه ووصيه وخليفته من بعده"٢.
وحديث الدار هذا تناوله شيخ الإسلام ابن تيمية بالنقد والتفنيد وبين زيفه وبطلانه من وجوه عدة هي:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل وما يدعونه من نقل الناس كافة من أبين الكذب عند أهل العلم بالحديث فإن هذا الحديث لا يوجد في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل لا في الصحاح ولا في المسانيد والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد الذي يحتج به وإذا كان يوجد في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف مثل تفسير الثعلبي
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٠، وأورده القمي في تفسيره ٢/١٢٤، البرهان في تفسير القرآن للبحراني ٣/١٩٠-١٩٢، حق اليقين لعبد الله شبر ١/١٥٥، وانظر الصراط المستقيم إلى متسحقي التقديم ٢/٣٠. ٢ـ الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ١/١٣٦
[ ٢ / ٦٠٨ ]
والواحدي والبغوي بل وابن جرير وابن أبي حاتم لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلًا على صحته باتفاق أهل العلم فإنه إذا عرف أن تلك المنقولات فيها صحيح وضعيف فلا بد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح دون الضعيف، وهذا الحديث غايتة أن يوجد في كتب التفسير التي فيها الغث والسمين فيها أحاديث كثيرة موضوعة مكذوبة مع أن كتب التفسير التي يوجد فيها مثل تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي والبغوي ينقل فيها بالأسانيد الصحيحة الثابتة التي اتفق أهل العلم على صحتها ما يناقض ذلك ولكن هؤلاء المفسرون ذكروا ذلك على عادتهم في أنهم ينقلون ما ذكر في سبب نزول الآية من المنقولات الصحيحة والضعيفة ولهذا يذكر أحدهم في سبب نزول الآية عدة أقوال يذكر أقوال الناس وما نقلوه فيها وإن كان بعض ذلك هو الصحيح وبعضه كذب، وإذا احتج بمثل هذا الضعيف وأمثاله واحد فذكر بعض ما نقل في تفسير الآية من المنقولات وترك سائرها ينقل مما يناقض ذلك كان هذا من أفسد الحجج - وهذا الحديث - مناقض لما علم بالتواتر من أئمة التفسير الذين لم يذكروا هذا بحال لعلمهم أنه باطل.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات لأن أدنى من له معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب وقد رواه ابن جرير١ والبغوي٢ بإسناد فيه عبد الغفار بن القاسم بن فهد أبو مريم الكوفي وهو مجمع على تركه٣، ورواه أيضًا ابن
_________________
(١) ١ـ جامع البيان للطبري ١٩/١٢١-١٢٢. ٢ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن ٥/١٠٥. ٣ـ هو عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الأنصاري، رافضي ليس بثقة قال علي بن المديني: كان يضع الحديث ويقال: كان من رؤوس الشيعة وقال يحيى بن معين: ليس بشيء وقال البخاري: عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد ليس بالقوي عندهم، وقال أحمد: كان أبو مريم يحدث ببلايا في عثمان، وقال أبو حاتم والنسائي وغيرهما: متروك الحديث، انظر ترجمته في" الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/٥٣-٥٤، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٥/١٩٦٤-١٩٦٥، منهاج السنة ٤/٨١، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/٦٤٠.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أبي حاتم وفي إسناده عبد الله بن عبد القدوس وهو ليس بثقة١، وإسناد الثعلبي أضعف لأن فيه ما لا يعرف.
الوجه الثالث: أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلًا حين نزلت هذه الآية فإنها نزلت بمكة في أول الأمر ثم ولا بلغوا أربعين رجلًا في مدة حياة النبي ﷺ فإن بني عبد المطلب لم يعقب منهم بالاتفاق إلا أربعة وهم بنو هاشم ولم يدرك النبوة من عمومته إلا أربعة العباس، وحمزة، وأبو طالب، وأبو لهب، فآمن اثنان وهما حمزة والعباس ونفر اثنان أحدهما نصره وأعانه وهو أبو طالب والآخر عاداه وأعان أعداءه وهو أبو لهب، وأما العمومة وبنو العمومة فأبو طالب كان له أربعة بنين؛ طالب وعقيل وجعفر وعلي، وطالب لم يدرك الإسلام وأدركه الثلاثة فآمن علي وجعفر في أول الإسلام وهاجر جعفر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة عام خيبر وكان عقيل قد استولى على رباع بني هاشم وتصرف فيها ولهذا لما قيل للنبي ﷺ في حجته تنزل غدًا في دارك بمكة قال: "وهل ترك لنا عقيل من دار"، وأما العباس فبنوه كلهم صغار إذ لم يكن فيهم بمكة - رجل وعلى سبيل الفرض أنهم كانوا رجالًا - فهم عبد الله وعبيد الله والفضل وأما قثم فولد بعدهم وأكبرهم الفضل وبه كان يكنى وعبد الله ولد في الشعب بعد نزول قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢وكان سنه في الهجرة نحو ثلاث سنين أو أربع سنين ولم يولد للعباس في حياة النبي ﷺ إلا الفضل وعبد الله وأما سائرهم فولدوا بعد، واما الحارث بن عبد المطلب وأبو لهب فبنوهما أقل والحارث كان له ابنان أبو سفيان وربيعة وكلاهما تأخر إسلامه وكان من مسلمة
_________________
(١) ١ـ هو عبد الله بن عبد القدوس التميمي السعدي أبو محمد ويقال: أبو سعيد ويقال: أبو صالح قال يحيى بن معين: ليس بشيء رافضي خبيث: وقال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، انظر ترجمته في الجرح والتعديل ٥/١٠٤، الكامل لابن عدي ٤/١٥١٤، كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ٢/٢٧٩-٢٨٠، منهاج السنة ٤/٨١، تهذيب التهذيب ٥/٣٠٣-٣٠٤. ٢ـ سورة الشعراء آية/٢١٤.
[ ٢ / ٦١٠ ]
الفتح، وكذلك بنو أبي لهب تأخر إسلامهم إلى زمن الفتح، وكان له ثلاثة ذكور فأسلم منهم اثنان عتبة ومغيث وشهدا الطائف وحنينًا وعتيبة دعا عليه رسول الله ﷺ أن يأكله الكلب فقتله السبع بالزرقاء من الشام كافرًا١.
فهؤلاء بنو عبد المطلب لا يبلغون عشرين فأين الأربعون.
الوجه الرابع: أما دعواهم أن الرجل منهم كان يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن كذب على القوم ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل ولا عرف فيهم من كان يأكل الجذعة ولا يشرب فرقا.
الوجه الخامس: أن قوله للجماعة: من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي كلام مفترى على النبي ﷺ لا يجوز نسبته إليه فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين وأعانوه على هذا الأمر وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته وفارقوا أوطانهم وعادوا إخوانهم وصبروا على الشتات بعد الألفة وعلى الذل بعد العز وعلى الفقر بعد الغنى وعلى الشدة بعد الرخا، وسيرتهم معروفة مشهورة، ومع هذا فلم يكن أحد منهم خليفة له، وأيضًا فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلًا أمكن أن يجيبوه، أو أكثرهم أو عدد منهم فلو أجاب منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده أيعين واحدا بلا موجب أم يجعل الجميع خلفاء في وقت واحد وذلك أنه لم يعلق الوصية والخلافة والأخوة والمؤازرة إلا بأمر سهل وهو الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر وما من مؤمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر إلى يوم القيامة إلا وله من هذا نصيب وافر ومن لم يكن له من ذلك حظ فهو منافق فكيف يجوز نسبة مثل هذا الكلام إلى النبي ﷺ.
الوجه السادس: أن حمزة وجعفرًا وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه
_________________
(١) ١ـ انظر مجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٨-١٩، ٩/٢١٧
[ ٢ / ٦١١ ]
علي من الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر فإن هؤلاء من السابقين الأولين الذين آمنوا بالله ورسوله في أول الأمر بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلًا ولكان النبي ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان اجتماع النبي ﷺ به في دار الأرقم ولم يكن يجتمع هو وبنو عبد المطلب كلهم في دار واحدة فإن أبا لهب كان مظهرًا لمعاداة رسول الله ﷺ ولما حصر بنو هاشم في الشعب لم يدخل معهم أبو لهب.
الوجه السابع: أن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا ففي الصحيحين عن ابن عمر وابي هريرة عن النبي ﷺ لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فخص وعم فقال "يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها" ١.
فإن قالوا - هذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسرين والمصنفين في الفضائل كالثعلبي والبغوي وأمثالهما والمغازلي - يقال لهم: - مجرد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتفاق أهل العلم بالحديث فإن في كتب هؤلاء من الأحاديث الموضوعة ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع وفيها شيء كثير يعلم بالأدلة اليقينية السمعية والعقلية أنها كذب بل فيها ما يعلم بالاضطرار أنه كذب والثعلبي وأمثاله لا يتعمدون الكذب بل فيهم من الصلاح والدين ما يمنعهم من ذلك لكن ينقلون ما وجدوه في الكتب ويروون ما سمعوه وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث"٢.
وبهذه الوجوه تبين عدم صحة هذا الحديث الذي جعله الرافضة من أدلتهم.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٥٠١، صحيح مسلم ١/١٩٢ واللفظ له. ٢ـ منهاج السنة النبوية ٤/٨٠-٨٤، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٦٥-٤٦٦.
[ ٢ / ٦١٢ ]
على أن الإمامة بعد النبي ﷺ لعلي ﵁.
الشبهة السادسة: خبر الطائر:
مفاده أنهم يقولون روى الجمهور كافة أن النبي صلى الله عليه وآله - أتي بطائر فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر" فجاء علي ﵇ فدق الباب فقال أنس بن مالك إن النبي صلى الله عليه وآله على حاجة فرجع، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله كما قال أولًا فدق علي ﵇ الباب قال أنس: أولم أقل لك إن النبي - صلى الله عليه وآله - على حاجة؟ فانصرف فقال النبي - صلى الله عليه وآله - كما قال في الأولين فسمعه النبي - صلى الله عليه وآله - وقد قال له أنس إنه على حاجة فأذن له في الدخول فقال: "يا علي ما أبطأك عني؟ " قال: جئت فردني أنس ثم جئت فردني أنس ثم جئت الثالثة فردني فقال: "يا أنس ما حملك على هذا" فقال: رجوت أن يكون الدعاء لأحد من الأنصار فقال: "يا أنس أوفي الأنصار خير من علي ﵇؟ أوفي الأنصار أفضل من علي ﵇؟ ـ" وإذا كان أحب الخلق إلى الله تعالى وجب أن يكون الإمام"١.
ويرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بتصحيح هذا النقل ودعواهم أن كافة الجمهور رووه محض افتراء عليه فإن حديث الطير هذا لم يروه أحد من أصحاب الصحيح ولا صححه أئمة الحديث ولكن هو مما رواه بعضهم٢ كما رووا أمثاله
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٩٩، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس ١/٧١-٧٣. ٢ـ رواه الترمذي في سننه ٥/٣٠٠ وقال عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه عن حديث السدي إلا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/١٣٠-١٣١.
[ ٢ / ٦١٣ ]
في فضل غير علي بل قد روي في فضائل معاوية أحاديث كثيرة وصنف في ذلك مصنفات وأهل العلم بالحديث لا يصححون لا هذا ولا هذا.
الوجه الثاني: أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيئ أحب الخلق إلى الله ليأكل منه فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الآكل ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله.
الوجه الثالث: أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة فإنهم يقولون إن النبي ﷺ كان يعلم أن عليًا أحب الخلق إلى الله وأنه جعله خليفة من بعده وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله.
الوجه الرابع أن يقال لهم إما أن يكون النبي ﷺ كان يعرف أن عليًا أحب الخلق إلى الله أو ما كان يعرف، فإن كان يعرف ذلك كان يمكنه أن يرسل يطلبه كما كان يطلب الواحد من الصحابة أو يقول: اللهم ائتني بعلي فإنه أحب الخلق إليك فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك ولو سمي علي لاستراح أنس من الرجاء الباطل ولم يغلق الباب في وجه علي وإن كان النبي ﷺ لم يعرف ذلك بطل ما يدعونه من كونه كان يعرف ذلك ثم إن في لفظه أحب الخلق إليك وإليّ فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه.
الوجه الخامس: أن الأحاديث الثابتة في الصحاح التي أجمع أهل الحديث على صحتها وتلقيها بالقبول تناقض هذا فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصححوه يبين هذا لكل متأمل ما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من فضائل القوم فقد جاء في الصحيحين١ عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر" وهذا الحديث مستفيض بل متواتر عند أهل العلم بالحديث أنه قد أخرج في الصحاح من وجوه متعددة
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٢٩، صحيح مسلم ٤/١٨٥٥
[ ٢ / ٦١٤ ]
وهو صريح في أنه لم يكن عنده من أهل الأرض أحد أحب إليه من أبي بكر فإن الخلة هي كمال الحب وهذا لا يصلح إلا لله فإذا كانت ممكنة ولم يصلح لها إلا أبو بكر علم أنه أحب الناس إليه وقوله في الحديث الصحيح لما سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل: من الرجال قال: أبوها" ١.
وقول الصحابة أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله ﷺ يقوله عمر بين المهاجرين والأنصار ولا ينكر ذلك منكر وأيضًا فالنبي ﷺ محبته تابعة لمحبة الله وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى فهو أحبهم إلى رسوله وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسنة وإنما كان أتقاهم لأن الله تعالى قال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢. وأئمة التفسير يقولون إنه أبو بكر"٣.
الوجه السادس: أن حديث الطير موضوع وممن صرح بوضعه ابن طاهر فقد قال: حديث الطائر موضوع إنما يجيء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره"٤.
وقد صرح العلامة ابن الجوزي بعدم صحته فقد أورده في كتابه "العلل المتناهية" عن ابن عباس ﵄ من طريق واحد وقال: هذا حديث لا يصح، وأورده أيضًا عن أنس من ستة عشر طريقًا وبين علة كل طريق
_________________
(١) ١ـ تقدم تخريجه. ٢ـ سورة الليل آية/١٧-٢١. ٣ـ منهاج السنة النبوية ٤/٩٩-١٠٠ وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٧٢، وانظر في شأن تفسير قوله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ وما بعدها فإن المفسرين أطبقوا على أن المقصود بها هو أبو بكر ﵁. انظر جامع البيان للطبري ٣٠/٢٢٨، زاد المسير لابن الجوزي ٩/١٥٢، تفسير البغوي على حاشية الخازن ٧/٢١٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٧/٣١٠، الدر المنثور للسيوطي ٨/٥٣٨. ٤ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ١/٢٣٣-٢٣٤.
[ ٢ / ٦١٥ ]
ثم قال في الآخر وقد ذكره ابن مردوية من نحو عشرين طريقًا كلها مظلم وفيها مطعن، فلم أر الإطالة بذلك وقال أنبأنا محمد بن ناصر قال أنبأنا محمد بن طاهر المقدسي قال: كل طرقه باطلة معلولة"١.
فإن اعترض معترض وقال: إن الحاكم قد أخرجه في مستدركه على الصحيحين وقال: إنه على شرطهما ولم يخرجاه"٢.
يرد على هذا الحديث بأن حكم الحاكم على هذا الحديث بهذا الحكم لم يسلم له به فقد تعقبه الحافظ الذهبي بقوله: "ولقد كنت زمانا طويلًا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء"٣.
وذكر أيضًا أن الحاكم سئل عن حديث الطير فقال: لا يصح ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله ﷺ"٤.
وبهذه الوجوه المتقدمة يتضح أن حديث الطير غير صحيح وأنه حديث موضوع ولا حجة للرافضة فيه على ما يدعون.
الشبهة السابعة: حديث التسليم على علي بإمرة المؤمنين زعمت الشيعة أن الرسول ﷺ أمر الصحابة أن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين وجعلوا هذا دليلًا على إمامته. وهذا الحديث ذكره الحلي فقال: "ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة بأن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين وقال بأنه سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقال هذا ولي كل مؤمن بعدي وقال في حقه إن عليًا مني وأنا منه أولى بكل مؤمن ومؤمنة فيكون علي وحده هو الإمام لذلك وهذه نصوص في الباب"٥.
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ١/٢٢٥-٢٣٣. ٢ـ المستدرك ٣/١٣١. ٣ـ المستدرك ٣/١٣١. ٤ـ تذكرة الحفاظ ٣/١٠٤٢، وانظر المنتقى ص/٤٧٢، وانظر طبقات الشافعية للسبكي ٤/١٦٨-١٦٩. ٥ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/١٠٢-١٠٣.
[ ٢ / ٦١٦ ]
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول:
أنهم يطالبون بإسناد هذا الحديث وبيان صحته وأما قوله: رواه الجمهور فهذا من الكذب المحض عليهم حيث إنه غير موجود في كتب الأحاديث المعروفة لا الصحاح ولا المسانيد ولا السنن وغيرها وإن كان وجد في بعض الكتب التي يروى فيها الصحيح والضعيف والموضوع فليس ذلك بحجة يجب اتباعها باتفاق المسلمين والرب - جل وعلا - قد حرم علينا الكذب وأن نقول عليه ما لا نعلم وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وكل من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتاب يعتمد عليه.
الوجه الثالث: أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ فإن قال هذا كاذب والنبي ﷺ منزه عن الكذب وذلك أن سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين هو رسول الله ﷺ باتفاق المسلمين. فإن قيل علي هو سيدهم بعده، قيل: ليس في الحديث ما يدل على هذا بل هو مناقض لهذا لأن أفضل المسلمين المتقين المحجلين هم القرن الأول ولم يكن لهم على عهد النبي ﷺ سيد ولا إمام ولا قائد غيره فكيف يخبر عن شيء لم يحضر ويترك الخبر عما هو أحوج إليه وهو حكمهم في الحال ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله ﷺ فمن يقود علي؟.
وأيضًا فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجلين كفار أو فساق فلمن يقود، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: "وددت أني قد رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله قال: "أرأيتم
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٣١ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٦١٧ ]
لو أن رجلًا له خيل غير محجلة بين ظهري خيل دهم١ بهم٢ ألا يعرف خيله قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء وأنا فرطهم على الحوض" ٣الحديث، فهذا يبين أن كل من توضأ وغسل وجه ويديه ورجليه فإنه من الغر المحجلين وهؤلاء جماهيرهم إنما يقدمون أبا بكر وعمر، والرافضة لا تغسل بطون أقدامها ولا أعقابها ولا يكونون من المحجلين في الأرجل وحينئذ فلا يبقى أحد من الغر المحجلين يقودهم ولا يقادون مع الغر المحجلين فإن الحجلة لا تكون في ظهر القدم وإنما الحجلة تكون في الرجل كالحجلة في اليد، وقد قال ﷺ: "ويل للأعقاب من النار" ٤.
ومعلوم أن الفرس لو لم يكن البياض إلا لمعة في يده أو رجله لم يكن محجلًا، وإنما الحجلة بياض اليد أو الرجل فمن لم يغسل الرجلين إلى الكعبين لم يكن من المحجلين فيكون قائد الغر المحجلين بريئا منه كائنا من كان.
الوجه الرابع: زعمهم أن عليًا ﵁ سيدهم وإمامهم وقائدهم بعد رسول الله ﷺ مما يعلم بالاضطرار أنه كذب وأن رسول الله ﷺ لم يقل شيئًا من ذلك بل كان يفضل عليه أبا بكر وعمر تفضيلًا بينًا ظاهرًا عرفه الخاصة والعامة حتى إن المشركين كانوا يعرفون منه ذلك ولما كان يوم أحد قال أبو سفيان وكان حينئذ أمير المشركين: أفي القوم محمد فقال النبي ﷺ لا تجيبوه" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة قال لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن الخطاب فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك"٥.الحديث. فهذا مقدم
_________________
(١) ١ـ دهم: أي عددها كثير. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/١٤٥. ٢ـ بهم: البهيم من الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه. النهاية ١/١٦٨. ٣ـ صحيح مسلم ١/٢١٨. ٤ـ صحيح البخاري ١/٢١، صحيح مسلم ١/٢١٤. ٥ـ صحيح البخاري ٣/٢٠.
[ ٢ / ٦١٨ ]
الكفار إذ ذاك لم يسأل إلا عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر لعلمه وعلم الخاص والعام أن هؤلاء الثلاثة هم رؤوس هذا الأمر وأن قيامه بهم ودل ذلك على أنه كان ظاهرًا عند الكفار أن هذين وزيراه وبهما تمام أمره وأنهما أخص الناس به وأن لهما من السعي في إظهار الإسلام ما ليس لغيرهما وهذا أمر كان معلومًا للكفار فضلًا عن المسلمين والأحاديث الكثيرة متواترة بمثل هذا"١.
الوجه الخامس: أما قوله: "هو ولي كل مؤمن بعدي" هذا كذب على رسول الله ﷺ بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن وكل مؤمن وليه في المحيا والممات فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان فأما الولاية التي هي الإمارة فإنما يقال فيها والي كل مؤمن"٢ وبهذه الوجوه ظهر بطلان هذه الشبهة التي هي أوهى من بيت العنكبوت وحسبنا من حججهم التي يدعون أنها أدلة مسندة إلى السنة ما تقدم وقد اتضح أنها أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ لم تثبت عنه وما صح عنه منها فإنما يدل على فضل علي ﵁ لا على أنه أفضل الصحابة ولا على أنه الإمام بعد النبي ﷺ وقد صح عن علي وغيره نصوص عدة كلها تبين بطلان اعتقاد الشيعة في الإمامة جملة وتفصيلًا من أن النبي ﷺ لم يوص له بالإمامة وأنه لم ينص على الخلافة عينًا لأحد من الناس وتلك النصوص هي:
١- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عباس أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا إني لأعرف وجوه
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/١٠٣-١٠٤، المنتقى للذهبي ص/٤٧٣-٤٧٥. ٢ـ المنتقى من منهاج الاعتدال ص/٤٧٥.
[ ٢ / ٦١٩ ]
بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ"١.
فهذا نص صريح من علي ﵁ في أنه لا نص عليه من رسول الله ﷺ بالخلافة ولو كان هناك نص كما تزعمه الرافضة لقال للعباس: لماذا نذهب إليه ونسأله وقد نص عليّ وأوصى لي بالخلافة، ولما اعتدى عليه الخبيث الخارجي عبد الرحمن بن ملجم ظلمًا وعدوانًا وضربه ضربة أودت به إلى الموت قيل له: ألا تستخلف فكان رده على هذا العرض أن المصطفى ﷺ لم يستخلف أحدًا عند وفاته حتى يتأسى به.
٢- فقد روى أبو بكر البيهقي بإسناده إلى شقيق بن سلمة قال قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم"٢. فهذا دليل واضح من أن دعوى النص عليه إنما هو من اختلاق الرافضة الذين ملئت قلوبهم بالبغض والحقد لأصحاب رسول الله ﷺ بما فيهم علي وأهل بيته إنما يدعون حبهم تسترًا ليتسنى لهم الكيد للإسلام وأهله.
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/١٤١. ٢ـ الاعتقاد ص/١٨٤، وأورده الحافظ ابن كثير في البداية وعزاه إلى البيهقي بهذا اللفظ عن أبي وائل وقال عقبه: إسناد جيد ولم يخرجوه: البداية والنهاية ٥/٢٨٢.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ثم قال: إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله أو قال حتى ضرب الدين بجرانه ثم إن أقوامًا طلبوا الدنيا فكانت أمورًا يقضي الله فيها"١.
٤- وروى الشيخان في صحيحيهما عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذا الصحيفة قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه٢ فقد كذب، فيها أسنان الإبل٣ وأشياء من الجراحات وفيها قال النبي ﷺ: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور٤ فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا وذمة المسلمين واحدة٥ يسعى بها أدناهم٦ ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا" ٧.
فهذا الحديث الثابت في الصحيحين وفي غيرهما عن علي ﵁ يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله ﷺ أوصى إليه بالخلافة ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه حاشا - وكلا - ولما؟ ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم غير ذلك فقد نسبهم بأجمعهم
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٨٤، ورواه الإمام أحمد بلفظ مقارب انظر المسند مع الفتح الرباني ٢٣/٤-٥ وأورده بهذا اللفظ المباركفوري في تحفة الأحوذي ٦/٤٧٨ وقال: أخرجه أحمد ولبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن. ٢ـ القراب: هو الغلاف الذي يجعل فيه السيف بغمده. ٣ـ أي: في تلك الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تعطي دية. ٤ـ هو جبل صغير واء أحد. ٥ـ المراد بالذمة هنا الأمان، ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح فإذا أمنة أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم. ٦ـ أي: يتولاها ويلي أمرها أدنى المسلمين مرتبة. ٧ـ صحيح البخاري ١/٣٢١، صحيح مسلم ٢/٩٩٤-٩٩٨ واللفظ له.
[ ٢ / ٦٢١ ]
إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول ومضادتهم في حكمه ونصه ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الأعلام"١.
قال الإمام النووي بعد ذكر قول علي ﵁: "من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب هذا تصريح من علي ﵁ بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم إن عليًا أوصى إليه النبي بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وإنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليهم غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ هذا"٢.
٥- روى البخاري بإسناده إلى الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا ﵄ كان وصيًا فقالت: متى أوصي إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجري فدعا بالطست فلقد انخنث٣ في حجري فما شعرت أنه قد مات فمتى أوصى إليه٤.
فقوله: "ذكروا عند عائشة أن عليًا ﵄ كان وصيًا":
قال القرطبي كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك وكذا من جاء بعدهم فمن ذلك ما استدلت به عائشة، ومن ذلك أن عليًا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة وهؤلاء - الشيعة - تنقصوا عليًا من حيث قصدوا تعظيمه لأنهم نسبوه - مع شجاعته العظمى
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٥/٢٨٣-٢٨٤. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٩/١٤٣. ٣ـ أي: انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت النهاية لابن الأثير ٢/٨٢. ٤ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٥٦.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وصلابته في الدين - إلى المداهنة والتقية والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك وقال غيره الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها ولم يقع منه شيء من ذلك فساغ لها نفي ذلك لكونه منحصرًا في مجالس معينة لم تغب عن شيء منها"١.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى ﵄ هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا فقلت: كيف كتب على الناس الوصية وأمروا بالوصية؟ قال أوصى بكتاب الله"٢.
والوصية المنفية في قول عبد الله بن أبي أوفى إنما هي الوصية في الخلافة فقد توفي ﵊ عن غير وصية في شأن الخلافة وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث اشتملت على وصيته بأشياء كثيرة أما الذي لم يوص به قطعًا هو الخلافة فإنه لم يوص بها لأحد من بعده٣.
٧- فقد روى الشيخان من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: ألا تستخلف يا أمير المؤمنين فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله ﷺ قال ابن عمر فعرفت حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غير مستخلف"٤.
فهذه النصوص القطعية تبين بطلان زعم الشيعة من دعوى النص على علي ﵁ في الخلافة - وأن عليًا ﵁ براء مما نسبه إليه الشيعة من أنه الخليفة المنصوص عليه بعد - النبي ﷺ فإن دعواهم النص عليه إنما يتضمن الطعن فيه رضي الله
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٥/٣٦١-٣٦٢. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٥٦. ٣ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢٥٣-٢٥٧، فتح الباري ٥/٣٦٢. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٤٨، صحيح مسلم ٣/١٤٥٤-١٤٥٥.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
عنه لأنه لو كان معه نص فلما لا يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز والعاجز لا يصلح للإمارة وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن والخائن معزول عن الإمارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل"١.
وحاشاه ﵁ من هذه الصفات كلها وحاشا الإمام الأكبر والصديق الأعظم أن يتقدم على وصي رسول الله ﷺ وهو الذي شهد الله له بأنه أتقى الأمة وأبرها على الإطلاق.
٨- قال هذيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ﷺ ود أبو بكر أنه وجد عهدًا من رسول الله ﷺ فخرم أنفه بخرامة"٢.
فكل هذه النصوص التي ختمنا بها هذا المبحث المروية عن علي ﵁ وعن غيره من الصحابة دلت دلالة قطعية على أن النبي ﷺ لم ينص ولم يعهد بالخلافة من بعده لأحد لا لأبي بكر ولا لعلي ﵄ وإنما أشار إشارة قوية يفهما كل ذي لب وعقل إلى الصديق ﵁ وأخبر أن المؤمنين لن يختاروا سواه ووقع كما أخبر ﵊.
كما توضح هذه النصوص لكل من له أدنى معرفة أن النصوص التي يستدل بها الشيعة الرافضة على أن عليًا ﵁ هو الخليفة بالنص بعد النبي ﷺ موضوعة وأنها من اختراعاتهم الباطلبة وأن عقيدتهم في الإمامة مبنية على الأحاديث الموضوعة التي اختلقها الزنادقة الملحدون وأن قصدهم منها هو إفساد دين الإسلام فعلى من افتراها من الله ما يستحق وحسبه ما وعده به الرسول ﷺ حيث قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
_________________
(١) ١ـ انظر البداية والنهاية ٥/٢٨٤. ٢ـ أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٨٣. ٣ـ صحيح البخاري ١/٣١ حديث أبي هريرة ﵁ ورواه مسلم أيضًا في صحيحه ١/١٠.
[ ٢ / ٦٢٤ ]