قال أحمد بن فارس: الدال والياء والنون أصل واحد إليه ترجع فروعه كلها. وهو جنس من الانقياد والذل"١ أ. هـ.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٩.
[ ٩٠ ]
وكلمة الدين تطلق في اللغة على معانٍ عديدة منها:
١- القهر والاستعلاء والغلبة من ذي سلطة عليا: يقال: دِنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا، والديان القهار من دان القوم: إذا ساسهم وقهرهم فدانوا له، ومنه قول ذي الأصبع العدواني:
لاه ابنُ عمك لا أفضلتَ في حسب فينا ولا أنت ديّاني فتخزوني
أي لست بقاهر علي فتسوس أمري، وفسرت كلمة دان بقول الرسول ﷺ: "الكيس من دان نفسه" ١ بالقهر أي قهر نفسه وذللها، ومن ذلك أن يقال: ديان للقاهر الغالب على قطر أو أمة أو قبيلة والحاكم عليها، كما قال الأعشى الحرمازي مخاطبًا النبي ﷺ: يا سيد الناس وديان العرب.
ومنه سمى الله الديان؛ لأنه يقهر الناس على الطاعة ويحكمهم، قال ابن منظور "الديان من أسماء الله ﷿ معناه: الحكم القاضي، والديان القهار"٢.
٢- وتطلق كلمة الدين لغة كذلك على الطاعة والانقياد والخضوع والذل، يقال: دان له يدين دِينًا: إذا أصحب وانقاد له وأطاعه وخضع وذل له، قال الزبيدي: "والدين الطاعة وهو أصل المعنى وقد دنته ودنت له أي أطعته"٣ أ. هـ.
_________________
(١) ١ الحديث رواه الترمذي في صفة القيامة جـ٩ ص٢٨٢ طبعة دار الكتاب العربي ببيروت. ٢ لسان العرب ١٣/١٦٧ وتاج العروس ٩/٢٠٨ وأساس البلاغة ص٢٠٠. ٣ تاج العروس ٩/٢٠٨.
[ ٩١ ]
والدين لله: إنما هو طاعته والتعبد له، ودانه دِينًا: أي أذله واستعبده يقال: دنته فدان وقوم دِين: أي دائنون مطيعون منقادون قال الشاعر:
ويوم الحزن إذ حشَدتْ مَعدٌّ وكان الناس إلا نحن دِينا
يعني بذلك مطيعين على وجه الذل١.
والمدينة: مفعلة: سميت بذلك لأنها تقام فيها طاعة ذوي الأمر، والمدينة الأمة، والعبد: مدين، سميا بذلك لأنهما أذلهما العمل.
وقد فسر الخطابي كلمة الدين بحديث الرسول ﷺ "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" ٢. بالطاعة والخضوع: أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها ولا يخضعون له٣.
ومن النظر في المعنيين السابقين نرى أن كلمة الدين استعملت في الضدين العزة والقهر والاستعلاء، وضدها الذل والطاعة والخضوع. قال القرطبي: "قال ثعلب: دان الرجل: إذا أطاع، ودان: إذا عصى، ودان، إذا عز، ودان: إذا قهر، فهو من الأضداد"٤ أ. هـ.
٣- وتطلق كلمة الدين لغة كذلك على الجزاء والمكأفأة والحساب، ومنه دنته بفعله دَِينا "بفتح الدال وكسرها": أي جزيتة، يوم الدين يوم الجزاء، وفي المثل: كما تدين تدان: أي كما تجازي تجازى، ودانه دِينا: أي جازاه وحاسبه، ومن ذلك قول الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر لسان العرب ١٣/١٧٠ ومعجم مقاييس اللغة ٢/٣١٩ والطبري ٣/٢١١. ٢ رواه البخاري في فضائل القرآن ٢٦ والأنبياء ٦ والمناقب ٢٥ والمغازي ٦١ عن علي بن أبي طالب ورواه مسلم في الزكاة. ٣ انظر لسان العرب ١٣/١٧٠ وتاج العروس ٩/٢٠٨. ٤ تفسير القرطبي ١/١٤٤.
[ ٩٢ ]
واعلم وأيقِن أن ملكك زائل واعلم بأنك ما تدين تدان١
قال القرطبي: "الدين، والجزاء على الأعمال والحساب بها.. يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَق﴾ ٢: أي حسابهم ومنه: الديان في صفة الرب تعالى: أي المجازي. وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه": أي حاسبها٣.
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُون﴾ ٤: أي هل نحن مجزيون محاسبون، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع﴾ ٥.
٤- وتطلق كلمة الدين في اللغة كذلك على العادة والشأن والسيرة والطريقة، يقال: دِينَ: أي عُوِّد، ويقال: ما زال ذلك ديني وديدني، أي دأبي وعادتي، وعدّه الزبيدي بأنه هو أصل المعنى، وكان ﷺ على دين قومه: ليس معناه على الشرك وعبادة الأصنام، إنما معناه: على عادتهم من الكرم والشجاعة وغير ذلك من أخلاقهم الحميدة.
فكأن الدين أطلق على العادة؛ لأن النفس إذا اعتادت شيئًا مرنت معه وانقادت له٦.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١/٦٨. ٢ سورة النور آية ٢٥. ٣ تفسير القرطبي ١/١٤٣ وانظر لسان العرب ١٣/١٦٩ ومعجم مقاييس اللغة ٢/٢٢٠ وتاج العروس ٩/٢٠٨ والمصباح المنير ١/٢٢١. ٤ سورة الصافات آية ٥٣. ٥ الذاريات ٦. ٦ انظر معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٩ ولسان العرب ١٣/١٦٧وتاج العروس ٩/٢٠٨.
[ ٩٣ ]
٥- وتطلق كلمة الدين في اللغة أيضًا على ما يتدين به الرجل، ومنه: دان بالإسلام ديِنًا وتدين به: أي تعبد به واتخذه دينا، ودَيِّن: مثل سيد أي صاحب دين وديّنته: بالتثقيل: وكلته إلى دينه وتركته وما يدين به، قال الزبيدي: "والدين: اسم لما يتعبد الله ﷿ به عباده، والدين الملة، يقال اعتبارًا بالطاعة والانقياد للشريعة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ١ ٢ أ. هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والدين يتضمن الخضوع والذل، يقال: دِنته فدان: أي ذللته فذل، ويقال: يدين الله ويدين لله: أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له"٣ أ. هـ.
وقد ذكر الزبيدي، عدة معان لكلمة الدين في اللغة منها: الجزاء، والمكافأة والإسلام، والعادة والشأن، والعبادة، والطاعة والذل، والانقياد، والحساب والقهر، والغلبة، والاستعلاء، والسلطان، والملك والحكم والسيرة والتوحيد والدين اسم لما يتعبد به، والدين الملة، والدين الورع، والمعصية، والإكراه، والحال، والقضاء٤.
هذه المعاني الكثيرة التي تدخل تحت مفهوم الدين، متقاربة حسب ارتباط بعضها ببعض، ونستطيع حصرها حسب اشتقاقات الكلمة، وبالنظر إلى تعديتها بالباء أو باللام أو بنفس الكلمة بثلاثة وجوه٥.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ١٩. ٢ تاج العروس ٩/٢٠٨ وانظر لسان العرب ١٣/١٧٠ والمصباح المنير ١/٢٢١. ٣ الفتاوى ١/٤٣. ٤ تاج العروس ٩/٢٠٨. ٥ الدين لدراز ٢٥-٢٧.
[ ٩٤ ]
١- إذا عديت الكلمة بنفسها فقلنا: "دانه دينا": شملت معاني: الملك والحكم والقضاء والقهر والمحاسبة والجزاء والأمر والإكراه والغلبة والاستعلاء والسلطان وما في معناها.
٢- وإذا عديت الكلمة باللام فقلنا: "دان له" شملت معاني: الطاعة والخضوع والعبادة والذل والانقياد وما في معناها.
ونلاحظ هنا أن بين المعنيين تلازمًا، وكلاهما مرتبط بالآخر: فقولنا: "دانه فدان له": أي قهره فخضع له وأطاع وذل.
٣- وإذا عديت بالباء فقلنا: "دان به"، شملت معاني: العادة والشأن والملة والطريقة والسيرة ومافي معناها، لأن كل من دان بشيء فقد اتخذه مذهبًا ودينًا واعتاده وتخلق به، وعلى هذا فكل طريقة يسير عليها المرء في حياته نظرية كانت أو عملية تسمى دينًا، وهذا المعنى الأخير مرتبط بما قبله كذلك، لأن من دان بالشيء يكون قد خضع له وانقاد والتزم طاعته واتباعه، وقد بين كيفية التلازم بينها الدكتور محمد عبد الله دراز فقال: "وجملة القول في هذه المعاني اللغوية: أن كلمة الدين عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول، كانت خضوعًا وانقيادًا. وإذا وصف بها الطرف الثاني، كانت أمرًا وسلطانًا وحكمًا وإلزامًا، وإذا نظر بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين، كانت هي الدستور المنظم لتلك العلاقة والمظهر الذي يعبر عنها، ونستطيع الآن أن نقول: إن المادة كلها تدور على معنى لزوم الانقياد، فإن الاستعمال الأول: الدين هو إلزام الانقياد، وفي الاستعمال الثاني: هو التزام الانقياد، وفي الاستعمال الثالث: هو المبدأ الذي تلتزم الانقياد له "١. انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ الدين لدراز ٢٥- ٢٧.
[ ٩٥ ]
وقد عرف العلماء المسلمون الدين بتعاريف مختلفة منها تعريف ابن الكمال بأنه: وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عن الرسول، وقال غيره بأنه: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وعرفه الدكتور محمد عبد الله دراز: بأنه ما شرعه الله على لسانه نبيه من الأحكام، وسمى دينًا لأننا ندين به وننقاد له١.
إن مفهوم الدين في الإسلام واسع لا يقتصر على النواحي الاعتقادية والتعبدية فهو يشمل نظام الحياة الكامل الشامل لنواحيها الاعتقادية والتعبدية والفكرية والخلقية والعلمية والعملية والاقتصادية وغيرها، فإن كان هذا النظام مستندًا إلى شرع الله وسلطته، فهو دين الله الحق، وإن كان هذا النظام مستندًا إلى شرع البشر والحكام وسلطانهم فهو دين الحكام، وهو دين باطل، ويجب البراءة منه كما أمر بذلك رسول الله ﷺ بتوجيه الله تعالى له أن يقول للكفار الذين عبدوا الأصنام وشرعوا من عند أنفسهم ما لم يأذن به الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ ٢، وقد بين ابن القيم رحمه الله٣: بأن هذه الآية ليست إقرارًا من الرسول ﷺ لدين الكفار ورضًا به، بل هو أمرَ بالبراءة من دينهم وكلِّ دين باطل، والمعنى أن الدين الذي أدين به غير دينكم الباطل الزائف.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ ٤، فواضح في هذه الآية أن الدين يشمل النظام العام في البلاد وفي جميع مناحي الحياة؛ لأن نظام الملك وشرعه، ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه جزاء سرقته، إنما كان هذا نظام يعقوب وشريعة دينه، فالدين هنا هو النظام والشرع،
_________________
(١) ١ انظر الدين ٢٨. ٢ سورة الكافرون آية ٦. ٣ انظر كتاب بدائع الفوائد ١/١٣٨-١٤١. ٤ سورة يوسف آية ٧٦.
[ ٩٦ ]
وإن كثيرًا من الناس يقصرون مفهوم الدين على الاعتقاد والشعائر، ويعتبرون أن كل من يعتقد وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويؤدي الشعائر المكتوبة، داخلًا في دين الله وإن كان خاضعًا بالطاعة لغير الله من الأرباب والآلهة المتفرقين في الأرض، وإنما سمى الله الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، لإعطائهم لأنفسهم حق التشريع في الحلال والحرام، فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١.
إن هذا الانكماش في مفهوم الدين حتى أصبح لا يعني في تصور كثير من الناس إلا الاعتقاد والشعائر، لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد ﵈، لقد كان هذا الدين يعني دائمًا الالتزام بشرع الله في العقائد والشعائر والشرائع، ورفض ما يشرعه غيره وإفراده تعالى بالألوهية، وهذه هي الصورة الوحيدة التي تدخل الناس في دين الله، وأما إذا حكموا في حياتهم نظامًا وشرعًا من عند غير الله من الحكام والرؤساء، فهم في دين الحاكم الذي قبلوا نظامه وشرعه، ولا يجوز لمسلم أن يجهل هذه الحقيقة، وجهله لا يعفيه من أنه قد أشرك بالله غيره، وخرج من دينه لدين غيره من الأرباب والآلهة، لأن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها، وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها فضلًا عن أصولها وكلياتها داخلة في دين الله، وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا غيره، وأن الشرك بالله لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غيره معه، ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره، وأن عبادة الأصنام لا تقتصر على الأحجار والأشجار، بل تتمثل في إقامة شعارات ومبادئ ونظم لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ، يقول ابن تيمية ﵀: وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، وكما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢، ففي الأولى:
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣١. ٢ سورة الكهف آية ١١٠.
[ ٩٧ ]
أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به١ أ. هـ.
وقال في موضع آخر: "ودين الإسلام بني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان، فلما كانت شريعة التوراة محكمة، كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل، وكذلك في أول الإسلام، لما كان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس، كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة، كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام٢أ. هـ.
_________________
(١) ١ العبودية ص١٧٠. ٢ الفتاوى ١/١٨٩.
[ ٩٨ ]