ثمَّ لَا سَبِيل إِلَى تَفْسِير ذَلِك الْمَعْنى بالإرادة ولنفرض الْكَلَام فِي الْأَمر فَإِنَّهَا اما أأن تكون الْإِرَادَة للامتثال أَو لاحداث الصِّيغَة أَو لجعلها دَالَّة على الْأَمر على مَا هُوَ مَذْهَبهم لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِالْأولِ فَإِنَّهُ قد يُؤمر بِمَا لَيْسَ بِمُرَاد أَن يمتثل وَذَلِكَ كَمَا فِي تَكْلِيف أَبى جهل بِالْإِيمَان مَعَ عدم إِرَادَة وُقُوعه مِنْهُ بل كَمَا فِي حَالَة السَّيِّد المتوعد من جِهَة السُّلْطَان على ضرب عَبده إِذا اعتذر إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُخَالف امْرَهْ وامره بَين يدى السُّلْطَان طَالبا بسط عذره وهربا من عَذَاب السُّلْطَان لَهُ فَإنَّا نعلم أَنه لَا يُرِيد الِامْتِثَال من العَبْد لما يلْزمه من الْمَحْذُور المتوقع
[ ٩٧ ]
من السُّلْطَان وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ فِي نظر أهل الْعرف والوضع آمُر ويعد العَبْد بالمتثال مُطيعًا وبالإعراض عَاصِيا وَبِهَذَا ينْدَفع قَول الْقَائِل إِنَّه متوهم بِالْأَمر وَلَيْسَ بِأَمْر
ثمَّ إِن من الاحكام التكليفية مَا هُوَ مَأْمُور بِهِ بِالْإِجْمَاع من المعترفين بالتكاليف وَذَلِكَ كَالصَّلَاةِ وَالْحج وَنَحْوهمَا من الْعِبَادَات وَقد لَا يكون مرَادا لكَونه غير وَاقع وَلَو كَانَ مرَادا فالإرادة عبارَة عَن معنى يُوجب تَخْصِيص الْحَادِث بِزَمَان حُدُوثه فَلَو كَانَ الْمَعْنى الَّذِي يُوجب تَخْصِيصه بِزَمَان مَا متحققا لما تصور ان لَا يُوجد مُطلقًا وَلَا يُمكن أَن يُقَال بِكَوْنِهِ غير مَأْمُور لعدم تعلق الْإِرَادَة بِهِ إِذْ الْأمة مجمعة على وجوب نِيَّة الْفَرْضِيَّة فِي أول الصَّلَاة مَعَ جَوَاز الاخترام فِي وَسطهَا وَلَو لم يكن مَأْمُورا بهَا وَإِلَّا لَكَانَ الْقَصْد الْجَازِم إِلَى الْفَرْضِيَّة من الْعَالم بنفيها والمتشكك فِي وُقُوعهَا محالا بل وَمن عزم فِي اول الْوَقْت على فعل الصَّلَاة اَوْ غَيرهَا مِمَّا فرض من الْعِبَادَات فالأمة أَيْضا مجمعة على أَنه متقرب إِلَى الله تَعَالَى وَلَو لم يكن مَأْمُورا وَإِلَّا لَكَانَ التَّقَرُّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى محالا
وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ مَا اشْتهر من قصَّة إِبْرَاهِيم من أمره بِذبح وَلَده مَعَ عدم تعلق الْإِرَادَة بِوُقُوعِهِ وَمَا قيل من أَن ذَلِك كَانَ مناما لَا أمرا وَأَن تعلق الْأَمر لم يكن إِلَّا بالعزم على الذّبْح اَوْ الاتكاء وإمرار السكين اَوْ أَن الذّبْح مِمَّا وَقع واندمل الْجرْح فمندفع إِذْ أَكثر الوحى إِلَى الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا كَانَ مناما وَلَو لم يكن ذَلِك بطرِيق الوحى وَإِلَّا كَانَ إقدام النبى على فعل محرم مِمَّا لَا أصل لَهُ وَذَلِكَ محَال وَحمل الامر على غير الذّبْح من الْعَزْم اَوْ الاتكاء وإمرار السكين بَاطِل وَإِلَّا لما صَحَّ تَسْمِيَته بلَاء إِذْ لَا بلَاء فِيهِ وَتَسْمِيَة الذّبْح بلَاء لضَرُورَة وُقُوع الْمَأْمُور بِهِ وَبِه ينْدَفع القَوْل بتحقق وُقُوع الذّبْح أَيْضا
[ ٩٨ ]
كَيفَ وَأَن تَفْسِير الْأَمر بالإرادة مَعَ التَّسْلِيم بِكَوْن البارى آمرا بأفعالنا مِمَّا يَسْتَحِيل على أصل المعتزلى لضَرُورَة كَونهَا مخلوقة لنا عِنْده وَتعلق الْإِرَادَة بِفعل الْغَيْر تمن وشهوة لَا أَنَّهَا إِرَادَة حَقِيقِيَّة وَذَلِكَ على الله مُمْتَنع فقد بَان أَن مَدْلُول صِيغَة الْأَمر لَيْسَ هُوَ نفس إِرَادَة الإمتثال وَكَذَا يُمكن إِيضَاح سَائِر أَقسَام الْكَلَام
وَلَا جَائِز أَن تكون الْإِرَادَة لإحداث الصِّيغَة فَإِنَّهُ لَيْسَ مدلولها ثمَّ إِن مدلولات أَقسَام الْكَلَام مُخْتَلفَة وَلَا اخْتِلَاف فِي إِرَادَة إِحْدَاث الصِّيغَة من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك
وَلَا جَائِز أَن تكون الْإِرَادَة لجعل الصِّيغَة دَالَّة على الْأَمر فَإِنَّهُ تَصْرِيح بِأَن الْإِرَادَة وَرَاء الْأَمر الَّذِي هُوَ مَدْلُول قَوْله أَمرتك وَأَنت مَأْمُور ثمَّ إِن الْأَلْفَاظ إِنَّمَا هِيَ دَلَائِل وتراجم عَن اشياء وكل ذى عقل سليم يقْضى بِأَن قَول الْقَائِل امرتك ونهيتك لَيْسَ تَرْجَمَة عَن إِرَادَة جعلهَا دَالَّة على شئ مُخَصص
وَعند هَذَا فَلَا بُد من الْعود إِلَى نفس مدلولها فَإِن كَانَ نفس الْإِرَادَة فقد أبطلناه وَإِن كَانَ غَيرهَا فَهُوَ الْمَقْصُود كَيفَ وَأَن الأنسان يجد من نَفسه بَقَاء مَا دلّت عَلَيْهِ لَفْظَة أَمرتك من الطّلب والاقتضاء وَإِن عدمت اللَّفْظَة والإرادة جعلهَا دَالَّة على شئ مَا فقد امْتنع بِهَذَا تَفْسِيره بالإرادة
وَلَا سَبِيل إِلَى تَفْسِيره إِذْ بِالْقُدْرَةِ عبارَة عَن معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل مُمكن وَالْأَمر والنهى لَا يتَعَلَّق بِكُل مُمكن فَإِذا الْقُدْرَة أَعم من الْأَمر والنهى من وَجه
[ ٩٩ ]
وَالْأَمر عِنْد الْقَائِلين بِجَوَاز التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق أَعم من الْقُدْرَة من جِهَة أُخْرَى وَهُوَ تعلقه بالممكن وَغير الْمُمكن
وَلَا سَبِيل الى تَفْسِيره بِالْعلمِ إِذْ الْعلم أَعم من الْأَمر من حَيْثُ إِنَّه قد يتَعَلَّق بِمَا لم يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر وَبِمَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر وَكَيف تكون حَقِيقَة الْأَعَمّ هِيَ حَقِيقَة الْأَخَص كَيفَ وَإِن كل انسان منصف يجد من نَفسه لما يتَلَفَّظ بِهِ من العبارت الدَّالَّة مدلولات وَرَاء كل مَا يقدر من الْعُلُوم فَإِذا قدر لَاحَ الْحق واستبان وَظهر أَنه لَا بُد من معنى زَائِد على مَا ذَكرُوهُ هُوَ مَدْلُول الْعبارَات والإشارات الْحَادِثَة وَإِن كَانَ فِي نَفسه قَدِيما وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يجده الْإِنْسَان من نَفسه عِنْد الْإِخْبَار عَن أُمُور رَآهَا أَو سمع بهَا وَعند قَوْله لغيره إفعل أَو لَا تفعل وتوعده لَهُ ووعده إِيَّاه إِلَى غير ذَلِك وَهُوَ الَّذِي يعْنى بالْكلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ ولولاه لقد كَانَ يعد المتلكم بِهَذِهِ الْعبارَات مَجْنُونا ومعتوها
وَلَيْسَ ذَلِك أَيْضا هُوَ مَا سموهُ احاديث النَّفس الَّتِى هى تقديرات الْعبارَات اللسانية وَهُوَ تحدث النَّفس باللغات الْمُخْتَلفَة كالعربية والعجمية وَنَحْوهَا فَإِن هَذِه الامور لَا يتَصَوَّر وجودهَا مَعَ عدم الْعبارَات اللسانية كَمَا فِي حق الأبكم وَتلك الْمعَانى الَّتِى عبرنا عَنْهَا بالْكلَام النفسانى تكون لَدَيْهِ حَاضِرَة عتيدة وَذَلِكَ كَمَا فِي الطّلب والاقتضاء وَنَحْوه وَإِن كَانَ فِي نَفسه أبكم لَا تسوغ لَهُ عبارَة مَا حَتَّى لَو قَررنَا وجود الْعبارَات فِي حَقه لقد كَانَت مُطَابقَة لما فِي نَفسه كَمَا كَانَت مُطَابقَة لما فِي نفس غير الأبكم ثمَّ إِن هَذِه الْعبارَات والتقديرات غير حَقِيقِيَّة أَي لَيست أمورا عقلية
[ ١٠٠ ]
بل اصطلاحية مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَعْصَار والأمم وَلِهَذَا لَو وَقع التَّوَاضُع من أهل الِاصْطِلَاح على أَن يكون التفاهم بنقرات وزمرات لقد كَانَ ذَلِك جَائِزا ومدلولات هَذِه الْعبارَات والتقديرات حقيقى لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار وَلَا باخْتلَاف الاصطلاحات بل الْمَدْلُول وَاحِد وَإِن تَغَيَّرت تِلْكَ الدلالات وَتلك المدلولات هِيَ الَّتِي يعبر عَنْهَا بالنطق النفسانى وَالْكَلَام الحقيقى وَمَا سواهُ فَلَيْسَ بحقيقى
هَذَا كُله ان قُلْنَا إِنَّه من جنس كَلَام الْبشر وَإِن نزلنَا الْكَلَام على أَنه غير مجانس لَهُ فقد سبق فِي تَحْقِيقه مَا يغنى عَن إِعَادَته
وَأما مَا أشاروا إِلَيْهِ من معنى الطَّاعَة وَتَحْقِيق الرسَالَة فتمويه لَا حَاصِل لَهُ والا للَزِمَ أَن يكون كل تسخير بِفعل شئ مَا امرا وَتَركه نهيا وَأَن يكون الانقياد إِلَى ذَلِك التسخير طَاعَة كَانَ ذَلِك فِي نَفسه عبَادَة اَوْ مَعْصِيّة وَلَا يخفى مَا فِي طى ذَلِك من الْمحَال فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا يسخر بِهِ مَأْمُورا وَلَا كل مَا انْقَادَ العَبْد إِلَى فعله يكون طَاعَة على مَا لَا يخفى وَإِذا كَانَ الامر على هَذِه المثابة لم يَصح معنى التَّبْلِيغ والرسالة عَن الله اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لَهُ أَمر نهى على مَا حققناه والمنهاج الَّذِي أوضحناه
وَأما الِانْفِصَال عَن قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام فَهُوَ ان الْوَاحِد منا لَو تكلم بِكَلَام مُفِيد فَهُوَ كَلَامه لَا محَالة وَلذَلِك يُقَال تكلم وَهُوَ مُتَكَلم وَإِذ ذَاك فَمَا جَائِز أَن تكون جِهَة نسبته إِلَيْهِ هُوَ كَونه فَاعِلا وَإِلَّا لما كَانَ متكلما من خلق الْكَلَام فِيهِ اضطرارا وَذَلِكَ كَمَا فِي حق المبرسم وكما فِي تَسْبِيح الْحَصَى وَكَلَام الذِّرَاع المسموم وَنَحْوه
[ ١٠١ ]
بل وَيلْزم على سِيَاقه لمن اعْترف مِنْهُم بِأَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى كالنجارية أَن يكون البارى تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلّم بكلامنا لَا نَحن وَذَلِكَ جحد للضَّرُورَة ومباهتة الْمَعْقُول وَهُوَ غير مَقْبُول
ثمَّ لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يكون البارى تَعَالَى مصونا لكَونه فَاعِلا للصوت إِذْ الْكَلَام على مَا هُوَ مُعْتَمد الْخصم مركب من الْحَرْف والأصوات وَالصَّوْت اعم من الْكَلَام وَلِهَذَا صَحَّ عِنْده أَن يُقَال إِن كل كَلَام صَوت وَلَيْسَ كل صَوت كلَاما وَمن ضَرُورَة فعل الْأَخَص فعل مَا ينْدَرج فِي مَعْنَاهُ من الْأَعَمّ وَيلْزم أَيْضا أَن يكون متحركا بِمَا يَفْعَله من الحركات وَيُسمى بِكُل مَا ينْسب إِلَيْهِ من التكوينات وَالْقَائِل بذلك منسلخ عَن ربقة الْعُقُول وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يعتمده محصول كَيفَ وَأَن الصّفة الحادثه لَهَا نِسْبَة إِلَى الْفَاعِل وَنسبَة إِلَى الْمحل فنسبتها إِلَى الْفَاعِل بِأَنَّهُ محدثها ونسبتها إِلَى الْمحل بِأَنَّهَا فِيهِ وهما لَا محَالة مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ وَمَا نسب إِلَى الشئ بِأَنَّهُ فِيهِ يُقَال بِأَنَّهُ مَوْصُوف بِهِ لَا محَالة حَتَّى أَن من قَامَت بِهِ حَرَكَة يُقَال إِنَّه متحرك وَأَن لم يخْطر بالذهن كَونه فَاعِلا أم لَا بل ونحكم عَلَيْهِ بذلك مَعَ الْقطع بِكَوْنِهِ غير فَاعل لما قَامَ بِهِ وَذَلِكَ مُؤَكد كَمَا فِي حَالَة المرتعش وَنَحْوه وَعند ذَلِك فَكيف يَصح ان يُقَال إِن مَا نِسْبَة الْفِعْل اليه بالإحداث يكون مَوْصُوفا بِهِ وَكَيف يُؤثر الشيئان المختلفان فِي حكم وَاحِد من كل جِهَة ثمَّ إِن مَا ذَكرْنَاهُ من أَن قيام الصّفة بِالْمحل يُوجب اتصاف مَحَله بِهِ يظْهر فَسَاد مَا ذَكرُوهُ فِي رسم الْمُتَكَلّم بِأَنَّهُ من فعل الْكَلَام حَيْثُ أَنه لم يكن شَامِلًا لجَمِيع مجارى الْمَحْدُود وَالْحَد والرسم يجب أَن يكون شَامِلًا مطردا وَإِلَّا كَانَ الْمَحْدُود أَعم من الْحَد وَهُوَ محَال
[ ١٠٢ ]
وَأَيْضًا فانه لَو كَانَ الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لوَجَبَ أَن يكون المريد والقادر والعالم من فعل الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة وَالْعلم وَلَيْسَ كَذَلِك بالاجماع وَلَو طالبهم مطَالب بِجِهَة الْفرق لم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا
ثمَّ انه وَإِن تسومح فِي أَن حَقِيقَة مَدْلُول اسْم الْمُتَكَلّم بِالنّظرِ إِلَى الْوَضع من فعل الْكَلَام فَغير مُفِيد بعد التَّسْلِيم لما أوضحناه والموافقة لما قَرَّرْنَاهُ من أَن الْمَعْنى بِكَوْنِهِ متكلما قيام صفة نفسية بِهِ هِيَ غير الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَهِي مَدْلُول الْعبارَات وَالْمعْنَى بالإشارات كَيفَ وَإِن ذَلِك مِمَّا يجب تَسْلِيمه على مُوجب أصولهم فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْكَلَام مركب من حُرُوف منتظمة وأصوات مقطعَة تتعاقب وتتجدد مِنْهَا تكون الْكَلِمَة وَمن تركب الْكَلِمَات الْكَلَام ومحلها الَّذِي تقوم بِهِ انما هُوَ اللِّسَان والمعانى المفهومة مِنْهَا محلهَا إِنَّمَا هُوَ الْقلب والجنان وَإِن من وجدت مِنْهُ الْأَصْوَات والحروف بِدُونِ أَن يكون لَهَا عِنْده معنى فِي فهمه كَانَ معتوها مَجْنُونا وَإِن سمى مَا يجرى على لِسَانه كلَاما فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق التَّجَوُّز والاستعارة وَعند ذَلِك فَلَو خلق الله تَعَالَى كلَاما مُرَتبا من حُرُوف منظومة وأصوات مقطعَة لم يخل إِمَّا أَن يكون لَهَا مَدْلُول عِنْده أَو لَيْسَ لَهَا مَدْلُول عِنْده لَا جَائِز أَن يُقَال بِأَنَّهُ لَا مَدْلُول لَهَا وَإِلَّا كَانَ ذَلِك جنونا وسفها وَإِن كَانَ لَهَا مدلولا فَيجب أَن يكون غير الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة لما أوضحناه وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى بِكَلَام النَّفس
ثمَّ نقُول إِذا قُلْتُمْ إِن الْكَلَام فعل من أَفعاله وَإِن معنى كَونه متكلما أَنه فَاعل الْكَلَام فَمَا طريقكم فِي إِثْبَات هَذِه الصّفة الفعلية وَمَا دليلكم فِيهَا فَإِن قَالُوا دَلِيل وُقُوعهَا كَونهَا مقدورة لَهُ تَعَالَى فَيلْزم أَن يكون كل مَقْدُور وَاقعا وَأَن لَا يتَأَخَّر مَقْدُور مَا عَن وجود الْقُدْرَة وَلَا يخفى مَا فِي طى ذَلِك من المحالات
وَإِن قَالُوا طريقنا فِي ذَلِك لَيْسَ إِلَّا قَول الْأَنْبِيَاء الَّذين دلّت المعجزات على صدقهم وَقد قَالُوا إِن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِأَمْر وَنهى وَغَيره
قُلْنَا فَلَو لم يبْعَث الله رَسُولا فعندكم أَنه يجب على الْعَاقِل معرفَة الله تَعَالَى معرفَة تتَعَلَّق بِالذَّاتِ وَالصِّفَات فَكيف يعرف كَونه متكلما وَذَلِكَ لَا يعرف إِلَّا بالرسول وَلَا رَسُول
[ ١٠٣ ]
وَهَذَا مِمَّا يلزمكم فِيهِ المناقضة فِي أحد أَمريْن إِمَّا فِي القَوْل بِإِيجَاب الْمعرفَة بِالْعقلِ وَإِمَّا فِي القَوْل بِأَن الْمعرفَة مناطة بالرسول كَيفَ وَأَن الرَّسُول على الْحَقِيقَة لَيْسَ إِلَّا الْمبلغ لكَلَام الْغَيْر كَمَا حققناه سالفا فَلَو لم يكن للبارى تَعَالَى كَلَام غير كَلَام الرَّسُول هُوَ مَدْلُول كَلَام الرَّسُول وَكَلَام الرَّسُول عبارَة عَنهُ لم يكن بذلك رَسُولا كَمَا تقرر
وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من القَوْل بِأَن الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام لَا من قَامَ بِهِ الْكَلَام فقد بَطل مَا تخيلوه وَانْقطع دابر مَا توهموه وَظهر كَون البارى متكلما بِكَلَام قَائِم بِذَاتِهِ مُخْتَصًّا بِهِ كاختصاصه بباقى صِفَاته
وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون قَدِيما أزليا وَإِلَّا كَانَ البارى تَعَالَى محلا للحوادث وَقد أبطلناه
وَمَا قيل من أَنه يلْزم مِنْهُ الْكَذِب فِيمَا يتضمنه من الْأَخْبَار فحاصله يرجع إِلَى مَحْض التشنيع وَمُجَرَّد التهول وَعند التَّحْقِيق تظهر مجانبته للذوق والتحصيل وَلَئِن سلكنا مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب من ان الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَلَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ أمرا ونهيا وخبرا واستخبار إِلَّا عِنْد وجود الْمُخَاطب واستكماله شَرَائِط الْخطاب زَالَ الشغب واندفع الْإِشْكَال وَلَئِن توسعنا إِلَى مَا سلكه الإِمَام ابو الْحسن الأشعرى ﵀ من أَنه متصف فِيمَا لم يزل بِكَوْنِهِ امرا ونهيا وخبرا إِلَى غير ذَلِك فَغير بعيد أَن يكون فِي نَفسه معنى وَاحِدًا
[ ١٠٤ ]
وَالِاخْتِلَاف فِيهِ إِنَّمَا يرجع إِلَى التعبيرات عَنهُ بِسَبَب تعلقه بالمعلومات فَإِن كَانَ الْمَعْلُوم مَحْكُومًا بِفِعْلِهِ عبر عَنهُ بِالْأَمر وَإِن كَانَ بِالتّرْكِ عبر عَنهُ بالنهى وَأما إِن كَانَ لَهُ نِسْبَة إِلَى حَالَة مَا بِأَن كَانَ وجد بعد الْعَدَم أَو عدم بعد الْوُجُود اَوْ غير ذَلِك عبر عَنهُ بالْخبر وعَلى هَذَا النَّحْو يكون انقسام الْكَلَام الْقَائِم بِالنَّفسِ فَهُوَ وَاحِد وان كَانَت التعبيرات عَنهُ مُخْتَلفَة بِسَبَب اخْتِلَاف الاعتبارات
وَمن فهم هَذَا التَّحْقِيق انْدفع عَنهُ الْإِشْكَال وَزَالَ عَنهُ الخيال فَإِنَّهُ غير بعيد أَن يقوم بِذَات الله تَعَالَى خبر عَن إرْسَال نوح مثلا وَيكون التَّعْبِير عَنهُ قبل الْإِرْسَال إِنَّا نرسله وَبعد الْإِرْسَال ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا﴾ فالمعبر عَنهُ يكون وَاحِدًا فِي نَفسه على ممر الدهور وَإِن اخْتلف الْمعبر بِهِ وَسَببه اخْتِلَاف الْأَحْوَال والأزمنة وَذَلِكَ لَا يفضى إِلَى الْكَذِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْمعبر عَنهُ وَهُوَ الْقَائِم بِالنَّفسِ أوليا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمعبر بِهِ أَيْضا فَإِن الْعَرَب قد تعبر بِلَفْظ الماضى عَن الْمُسْتَقْبل إِذا لم يكن بُد من وجوده حَيْثُ يعدونه بِأَنَّهُ وجد وَذَلِكَ مَحْض تجوز واستعارة وَلَا بعد فِيهِ
وَكَذَلِكَ أَيْضا يجوز أَن يقوم بِذَاتِهِ طلب خلع النَّعْل من مُوسَى على جبل الطّور واقتضاؤه مِنْهُ على تَقْدِير وجوده وَيكون الْمعبر عَنهُ قبل الْوُجُود بِصِيغَة إِنَّا سنأمر وَعند الْوُجُود بِصِيغَة اخلع الدَّالَّة على الطّلب هُوَ الِاقْتِضَاء الْقَدِيم الأزلى وَلِهَذَا لَو قدر الْوَاحِد منا فِي نَفسه اقْتِضَاء فعل من شخص مَعْدُوم وَاسْتمرّ ذَلِك الِاقْتِضَاء إِلَى حِين وجود الْمُقْتَضى مِنْهُ فَإِنَّهُ إِذا علم بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَكَانَ الطَّالِب يجب الانقياد لَهُ والإذغان لَدَيْهِ كَانَ ذَلِك الِاقْتِضَاء بِعَيْنِه امرا لَهُ وموجبا لانقياده وطاعته من غير اسْتِئْنَاف طلب آخر واقتضاء آخر فعلى هَذَا النَّحْو هُوَ أَمر الله تَعَالَى للمعدوم وتعلقه بِهِ وَاشْتِرَاط فهم الْمَأْمُور إِنَّمَا يكون عِنْد تعلق الْخطاب بِهِ فِي حَال وجوده لَا غير وَمن فهم كَلَام النَّفس
[ ١٠٥ ]
وَرفع عَن وهمه الْأَزْمَان المتعاقبة والاحوال الْمُخْتَلفَة وحقق مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مسألتى الْعلم والإرادة وجد الْأَمر مَا ذَكرْنَاهُ وَلم يخف عَلَيْهِ مَا مهدناه
وَلَقَد استروح بعض الْأَصْحَاب فِي تَقْرِير هَذَا الْكَلَام إِلَى طَرِيق أوردهُ فِي معرض المناقضة والإلزام فَقَالَ كَيفَ يَصح استبعاد تعلق الْأَمر بمأمور مَعْدُوم وعندكم أَنه لَا يتَنَاوَل الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا قبل حُدُوثه وَمهما وجد خرج عَن أَن يكون مَأْمُورا بِهِ وَهُوَ أحد متعلقى الْأَمر فَإِذا لم يبعد تعلق الْأَمر بِالْفِعْلِ الْمَعْدُوم لم يبعد تعلقه بالفاعل الْمَعْدُوم وَأَيْضًا فَإِن الْأمة مجمعة على أننا فِي وقتنا هَذَا مأمورون وعندكم لَا أَمر إِذْ الامر قد تقضى وَمضى فَإِذا لم يبعد وجود مَأْمُور وَلَا أَمر فَلَا يبعد وجود أَمر بِلَا مَأْمُور وَلَو لزم من وجود الْأَمر وجود الْمَأْمُور للَزِمَ من وجود الْقُدْرَة وجود الْمَقْدُور وَذَلِكَ يفضى إِلَى قدم الْمَقْدُور إِذْ قد سلم قدم الْقُدْرَة وَذَلِكَ محَال على كلا المذهبين
وَهَذَا مِمَّا فِيهِ نظر وَذَلِكَ أَن الْأَمر والنهى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْمُور والمنهى عِنْد الْخصم تَكْلِيف والتكليف يستدعى مُكَلّفا بِهِ والمكلف بِهِ يجب أَن يكون مَعْلُوما مفهوما ليَصِح قَصده من أجل الْإِتْيَان بِهِ والانتهاء عَنهُ إِذْ هُوَ مَقْصُود التَّكْلِيف فَإِذا الْفَهم شَرط فِي التَّكْلِيف ولهنا خرج من لَا فهم لَهُ عَن أَن يكون دَاخِلا فِي دَائِرَة التَّكْلِيف كَمَا فِي الجمادات وأنواع الْحَيَوَانَات وَالصبيان والمجانين وَنَحْو ذَلِك لعدم شَرط التَّكْلِيف فِي حَقهم وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تعلق الْأَمر بالمأمور بِهِ مَعَ عدم الْفَهم تعلقه بالمأمور مَعَ عدم اشْتِرَاط الْفَهم فَإِن تعلقه بالمأمور بِهِ لَيْسَ تعلق تَكْلِيف وَلَا كَذَلِك تعلقه بالمأمور
[ ١٠٦ ]
وَأما القَوْل بِأَنَّهُ إِذا جَازَ وجود مَأْمُور وَلَا أَمر جَازَ وجود أَمر لَا مَأْمُور فَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق أَن لَو صَحَّ وجود مَأْمُور وَلَا أَمر والخصم رُبمَا لَا يسلم ذَلِك بل لَهُ أَن يَقُول كل مَأْمُور فَلَا بُد لَهُ من امْر يتَعَلَّق بِهِ لَكِن ذَلِك الْأَمر قد يكون وجوده تَقْديرا بالنسة إِلَيْهِ كَمَا يقدر وجود العقد فِي البيع وَالنِّكَاح بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْقِيق ثمراته وَأَحْكَامه أما أَن يكون مَأْمُور من غير أَمر فَلَا وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم من تَقْدِير وجود الْأَمر عِنْد وجود الْمَأْمُور وتعلقه بِهِ تَقْدِير وجود الْمَأْمُور لِأَن يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر فَإِنَّهُ غير مُفِيد إِلَّا مَعَ وجود شَرطه وَهُوَ الْعلم والفهم وَذَلِكَ مُتَعَذر فِي حق الْمَعْدُوم وعَلى هَذَا يخرج الْإِلْزَام بِالْقُدْرَةِ إِذْ الْقُدْرَة لَيست عبارَة إِلَّا عَن معنى يَتَأَتَّى بِهِ الإيجاد فِيمَا هُوَ مُمكن أَن يُوجد وَذَلِكَ مُتَحَقق بِدُونِ وجود الْمَقْدُور فلئن رَجَعَ فِي تقديرة جَوَاز تعلق الْأَمر بالمعدوم وَمن لَا فهم لَهُ إِلَى مَا أسلفناه كَانَ ذَلِك كَافِيا وَوَجَب الاعتناء بِهِ
وَأما مَا قيل من أَن الْقُرْآن معْجزَة الرَّسُول فَيمْتَنع أَن يكون قَدِيما فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا مجمعون على أَن الْقُرْآن الحقيقى لَيْسَ بمعجزة الرَّسُول وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي أَمر وَرَاءه وَهُوَ أَن ذَلِك الْقُرْآن الحقيقى مَاذَا هُوَ فَنحْن نقُول إِنَّه الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ والخصم يَقُول إِنَّه حُرُوف وأصوات أوجدها الله تَعَالَى وَعند وجودهَا انعدمت وَانْقَضَت وَأَن مَا أَتَى بِهِ الرَّسُول وَمَا نتلوه نَحن لَيْسَ هُوَ ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مِثَال لَهُ على نَحْو قراءتنا لشعر المتنبى وامرئ الْقَيْس فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا يجرى على ألسنتنا هُوَ كَلَام امْرِئ الْقَيْس وَإِنَّمَا هُوَ مثله فَمن الْوَجْه الَّذِي لزمنا القَوْل بمخالفة الْإِجْمَاع هُوَ أَيْضا لَازم لَهُم
وَلأَجل ذَلِك فر الجبائي إِلَى مَذْهَب خرق بِهِ حجاب الْعقل وارتكب فِيهِ جحد الضرورات وَالْتزم بِهِ القَوْل بالمحالات فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يخلق كَلَامه عِنْد قِرَاءَة
[ ١٠٧ ]
كل قَارِئ وَكِتَابَة كل كَاتب وَزعم أَن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ حُرُوف منظومة تقارن الْأَصْوَات المتقطعة وَلَيْسَت الْحُرُوف نفس الْأَصْوَات المتقطعة وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من مُخَالفَة الْمَعْقُول فَإِن عَاقِلا مَا لَا يمارى فِي أَن مَا نَسْمَعهُ من الأفواه إِنَّمَا هُوَ أصوات متقطعة منسقة منتظمة نوعا من الانتظام تخرج من مخارج مَخْصُوصَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل مَعهَا مُقَارنَة غَيرهَا غَيرهَا أصلا على ان لَا تنَازع فِي أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول من الْحُرُوف المنتظمة والأصوات الْمُقطعَة معْجزَة لَهُ وَأَنه يُسمى قُرْآنًا وكلاما وَأَن ذَلِك لَيْسَ بقديم وَإِنَّمَا النزاع فِي مَدْلُول تِلْكَ الْعبارَات هَل هُوَ صفة قديمَة أزلية أم لَا
وعَلى التَّحْقِيق فالخبط إِنَّمَا نَشأ لأهل الضلال هَهُنَا من جِهَة اشْتِرَاك لفظ الْقُرْآن فَإِنَّهُ قد يُطلق على المقروء وَقد يُطلق على الْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ حُرُوف وأصوات ودلالات وعبارات وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لشئ إِذْنه لنبى حسن الترنم بِالْقُرْآنِ أَي الْقِرَاءَة وَمِنْه قَول الشَّاعِر ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ يقطع اللَّيْل تسبيحا وقراءنا
مَعْنَاهُ قِرَاءَة وَذَلِكَ كَمَا قد تطلق الْعَرَب اسْم الْكَلَام على الْمَعْنى تَارَة وعَلى الْعبارَات أُخْرَى وَلذَلِك يَقُولُونَ كَلَام صَحِيح حسن إِذا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَإِن كَانَت الْعبارَة غير مُسْتَقِيمَة بِأَن كَانَت ركيكة أَو ملحونه أَو مخبطة وَقد يطلقونه على الْعبارَة عِنْد كَونهَا معبرة صَحِيحَة وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي نَفسه فَاسِدا لَا حَاصِل لَهُ فَلَمَّا وَقع الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم ارْتَفع التوارد بالنفى وَالْإِثْبَات على محز وَاحِد فَإِن مَا أثبتوه معْجزَة لَا نثبت لَهُ الْقدَم وَمَا أثبتنا لَهُ الْقدَم لَا يثبتونه معْجزَة
[ ١٠٨ ]
وَمَا أوردوه من الظَّوَاهِر فِي معرض إِثْبَات الْحَدث والأولية فظنية غير يقينية كَيفَ وَإِن قَوْله ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ الْوَعْظ والتذكير الْخَارِج عَن الْقُرْآن وَهُوَ الْأَقْرَب فَإِن الْقُرْآن لم يحدث عِنْدهم لعبا وضحكا بل إفحاما وإشداها ثمَّ القَوْل بِمُوجب الْآيَة مُتَّجه لَا محَالة فَإِنَّهَا دلّت على الضحك واللعب عِنْد وُرُود الذّكر الْحَادِث وَلَيْسَ فِيهَا دلَالَة على حدث كل مَا يرد من الْأَذْكَار فَلَا يلْزم أَن يكون الْقُرْآن حَادِثا ثمَّ إِن المُرَاد إِنَّمَا هُوَ الْعبارَات والدلالات دون المدلولات كَمَا حققناه
وَأما قَوْله ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ فَيصح أَن يُقَال المُرَاد بِهِ فعله من الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَنَحْوه فَإِن الْأَمر قد يُطلق بِإِزَاءِ الْفِعْل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة﴾ أَي فعلنَا وَقَوله ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن﴾ يعْنى فعله
وَالْمرَاد بقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أَي سميناه فَإِن الْجعل قد يُطلق بِمَعْنى التَّسْمِيَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ أَي سموهُ كذبا وَقَوله ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ سموهم بذلك كَيفَ وَأَنه يحْتَمل أَنه اراد بِهِ الْقُرْآن بِمَعْنى الْقِرَاءَة كَمَا بَيناهُ وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي الْمَقْصُود ثمَّ إِن هَذِه الْآيَات مُعَارضَة بِمِثْلِهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ فقد أثبت لَهُ خلقا وأمرا فَلَو كَانَ الْأَمر مخلوقا لَكَانَ معنى الْكَلَام أَلا لَهُ الْخلق والخلق وَأَيْضًا قَوْله ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
[ ١٠٩ ]
فَلَو كَانَ الْأَمر مخلوقا لاستدعى ذَلِك سَابِقَة أَمر آخر وَذَلِكَ يفضى إِلَى التسلسل وَهُوَ محَال وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ينْدَفع قَوْلهم أَيْضا إِن الْأمة من السّلف مجمعة على ان الْقُرْآن مؤلف من الْحُرُوف والأصوات فَإِن الْإِجْمَاع إِنَّمَا انْعَقَد على ذَلِك بِمَعْنى الْقِرَاءَة لَا بِمَعْنى المقروء وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه﴾
وَقَوْلهمْ لَو لم يكن كَذَلِك لما سَمعه مُوسَى قُلْنَا الدَّلِيل إِنَّمَا لزم الْمُعَطل هَهُنَا من حَيْثُ إِنَّه لم يفهم معنى السماع وَإنَّهُ بأى اعْتِبَار يُسمى سَمَاعا وَعند تَحْقِيقه ينْدَفع الْإِشْكَال فَنَقُول السماع قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْإِدْرَاك كَمَا فِي الْإِدْرَاك بحاسة الْأذن وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الانقياد وَالطَّاعَة وَقد يُطلق بِمَعْنى الْفَهم والإحاطة وَمِنْه يُقَال سَمِعت فلَانا وَإِن كَانَ ذَلِك مبلغا على لِسَان غَيره وَلَا يكون المُرَاد بِهِ غير الْفَهم لما هُوَ قَائِم بِنَفسِهِ وَالَّذِي هُوَ مَدْلُول عبارَة ذَلِك الْمبلغ وَإِذا عرف ذَلِك فَمن الْجَائِز أَن يكون قد سمع مُوسَى كَلَام الله تَعَالَى الْقَدِيم بِمَعْنى أَنه خلق لَهُ فهمه والإحاطة بِهِ إِمَّا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَالسَّمَاع بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يستدعى صَوتا وَلَا حرفا
[ ١١٠ ]
وَمَا يُطلق عَلَيْهِ من الْحُرُوف والأصوات أَنه كَلَام الله تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنه دَال على مَا فِي نَفسه وَذَلِكَ كَمَا يُقَال نَادَى الْأَمِير فِي الْبَلَد وَإِن كَانَ المنادى غَيره وَيُقَال لمن أنْشد شعر الحطيئة إِنَّه مُتَكَلم بِكَلَام الحطيئة وشعره وَمن ذَلِك سمى الوحى كلَاما لله تَعَالَى حَتَّى يُقَال تكلم الله بالوحى والوحى كَلَامه وَلَا ننكر أَن الْقُرْآن الْقَدِيم مَكْتُوب ومحفوظ ومسموع ومتلو لَكِن لَيْسَ معنى كَونه مَكْتُوبًا اَوْ مَحْفُوظًا أَنه حَال فِي الْمَصَاحِف أَو الصُّدُور بل مَعْنَاهُ أَنه قد حصل فِيهَا مَا هُوَ دَال عَلَيْهِ وَهُوَ مَفْهُوم مِنْهُ وَمَعْلُوم
وَلَيْسَ معنى كَونه منزلا أَنه منتقل من مَكَان إِلَى مَكَان فَإِن ذَلِك غير مُتَصَوّر على كلا المذهبين بل مَعْنَاهُ أَن مَا فهمه جِبْرِيل من كَلَام الله تَعَالَى فَوق سبع سموات عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى ينزل بتفهيمه للأنبياء إِلَى بسيط الغبراء وَكَذَلِكَ لَيْسَ معنى كَونه مسموعا إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى وَمن حقق مَا مهدناه واحاط بِمَا قَرَّرْنَاهُ هان عَلَيْهِ التفضى عَن كل مَا أوردوه من الظَّاهِر الظنية واعتمدوه من الْآثَار النَّبَوِيَّة وَلَعَلَّ مُعْتَمد المعطلة فِي إِثْبَات الْحُرُوف والأصوات هُوَ مَا قاد الحشوية لعدم فهمهم كَلَام النَّفس إِلَى إِثْبَاتهَا صفة للذات فَإِنَّهُ لما لم يسعهم القَوْل بالتعطيل وَلم يقدروا على التَّأْوِيل لهَذَا التهويل جمعُوا بَين الطريقتين وانتحلوا مذهبا ثَالِثا بَين الذهبين وَلم يعلمُوا مَا فِي طى ذَلِك من السفاهة وَفِي ضمنه من الفهاهة لما فِيهِ من الْهَرَب إِلَى التجسيم خوف الْوُقُوع فِي التعطيل إِذْ الْحُرُوف والأصوات إِنَّمَا تتَصَوَّر بمخارج وأدوات وتزاحم أجرام واصطكاكات وَذَلِكَ فِي حق البارى محَال كَمَا سلف
[ ١١١ ]
فَانْظُر إِلَى هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ كَيفَ الْتزم بَعضهم التعطيل خوف التجسيم وَالْتزم بَعضهم بَعضهم التجسيم خوف التعطيل ولسان الْحَال ينشد على لِسَان الْفَرِيقَيْنِ ويعبر عَن حَال الجمعين ﴿وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء﴾
نعم لَو قيل إِن كَلَامه بحروف وأصوات لَا كحروفنا وأصواتنا كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لَيست كذاتنا وصفاتنا كَمَا قَالَ بعض السّلف فَالْحق أَن ذَلِك غير مستبعد عقلا لكنه مِمَّا لم يدل الدَّلِيل الْقَاطِع على إثْبَاته من جِهَة الْمَعْقُول أَو من جِهَة الْمَنْقُول فَالْقَوْل بِهِ تحكم غير مَقْبُول
وَعند ظُهُور الْحَقَائِق وانكشاف الدقائق فَلَا مبالاة بتلويق المتحذلق المتعمق الَّذِي لَا تَحْصِيل لَدَيْهِ وَلَا معول فِي تَحْقِيق الْحَقَائِق عَلَيْهِ إِذْ هُوَ فِي حيّز الْجُهَّال وداخل فِي زمرة أهل الضلال
وَإِذا ثبتَتْ الصّفة الكلامية فَهِيَ متحدة لَا كَثْرَة فِيهَا وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي إِثْبَات وحدة الْإِرَادَة وَالْعلم من المزيف وَالْمُخْتَار والاعتراض والانفصال فَهُوَ بِعَيْنِه يتَّجه هَهُنَا لَكِن رُبمَا زَاد الْخصم هَهُنَا تشكيكا وخيالا وَهُوَ قَوْله مَا ذكرتموه وَإِن دلّ على عدم لُزُوم صِفَات خَارِجَة فَالْقَوْل بِإِثْبَات أصل الْكَلَام مفض إِلَيْهَا أَيْضا وَذَلِكَ أَن من
[ ١١٢ ]
ضَرُورَة وجود حَقِيقَة الْكَلَام أَن يكون أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا وَنَحْوه من أَقسَام الْكَلَام وَإِلَّا فَمَعَ قطع النّظر عَن هَذِه الْأَقْسَام لَا سَبِيل إِلَى تعلق وجود الْكَلَام وَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذِه المثابة فَلَا محَالة أَن هَذِه الْأَقْسَام مُخْتَلفَة الصِّفَات متباينة فِي الْخَواص والمميزات وَعند هَذَا فإمَّا أَن تكون هَذِه الْخَواص المتمايزة وَالصِّفَات الْمُخْتَلفَة دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْكَلَام أَو خَارِجَة عَنهُ فَإِن كَانَت دَاخِلَة فِيهِ فَهُوَ محَال وَإِلَّا كَانَت الْحَقِيقَة الْوَاحِدَة لَهَا ذاتيات مُخْتَلفَة متنافرة إِذْ خَاصَّة الْأَمر يتَعَذَّر القَوْل بمجامعتها لخاصة النهى وَكَذَا فِي سَائِر خَواص أقسامه وَإِن كَانَت خَارِجَة عَن حَقِيقَة الْكَلَام فقد لزم القَوْل بِثُبُوت صِفَات زَائِدَة على مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل ولزمكم الْمَحْذُور
ثمَّ إِن هَذِه الصِّفَات الزَّائِدَة لَا جَائِز أَن تكون لحقيقة وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا على نَحْو ثُبُوت الضحك والبكاء للْإنْسَان لكَونهَا متنافرة متعاندة على مَا سلف فبقى أَن تكون معتددة لَا محَالة وَسَوَاء كَانَ تعددها تعدد الْأَشْخَاص أَو الْأَجْنَاس فَإِن ذَلِك يُوجب نقض مَا ذكرتموه وَإِبْطَال مَا سلكتموه ولربما استندوا فِي بَيَان التَّعَدُّد إِلَى مَا أوردوه فِي نفى الْكَلَام عَن الذَّات من الإجماعات والظواهر من السّنَن والآيات الدَّالَّة على كَون الْقُرْآن مؤلفا من حُرُوف وأصوات وَأَنه مُرَتّب من سور وآيات ومجموع من كَلِمَات
وَالْجَوَاب أَنا نقُول تعدد أَقسَام الْكَلَام وَاخْتِلَاف أَسْمَائِهِ من الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَيْسَ هُوَ لَهُ بِاعْتِبَار تعدد فِي نَفسه أَو اخْتِلَاف صِفَات فِي ذَاته أَو لذاته
[ ١١٣ ]
بل هُوَ النّظر إِلَى نَفسه من حَيْثُ هُوَ كَلَام وَاحِد وَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا بِاعْتِبَار إضافات مُتعَدِّدَة وتعلقات متكثرة لَا توجب للمتعلق فِي ذَاته صفة زَائِدَة وَلَا تعددا كَمَا أسلفنا فِي الطّرف الأول من التَّحْقِيق
وَهُوَ على نَحْو قَول الفيلسوف فِي المبدأ الأول حَيْثُ قضى بوحدته وَإِن تكثرت أسماؤه بِسَبَب سلوب وإضافات وَأُمُور لَا توجب صِفَات زَائِدَة على الذَّات هَذَا كُله إِن سلكنا فِي التكثر مَذْهَب الإِمَام أَبى الْحسن الأشعرى وَإِلَّا إِن سلكنا مَذْهَب عبد الله ابْن سعيد فِي أَن الْأَمر والنهى وَغير ذَلِك لَا يكون إِلَّا عِنْد تحقق المتعلقات وَأَن الْكَلَام خَارج عَنْهَا أَو مَا نقل عَن بعض الْأَصْحَاب من أَنه إثبت لله تَعَالَى من الْكَلَام خمس كَلِمَات هِيَ خمس صِفَات وهى الْأَمر والنهى وَالْخَبَر والإستخبار والنداء فالإشكال يكون مندفعا
وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّحْقِيق يتَبَيَّن أَن من قَالَ من الْأَصْحَاب الْقَائِلين بنفى التكثر إِن الْأَوَامِر والنواهى وَغَيرهَا صِفَات خَارِجَة عَن الْكَلَام وَلم يرد بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد أَخطَأ
وَأما مَا اعتمدوه من الظَّوَاهِر الظنية والأدلة السمعية فقد سبق وَجه الِانْفِصَال عَنْهَا فَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل وبإعادة
فَإِن قيل عَاقل مَا لَا تمارى نَفسه فِي انقسام الْكَلَام إِلَى أَمر وَنهى وَغَيره وَأَن مَا انقسم إِلَيْهِ حقائق مُخْتَلفَة وَأُمُور متنافرة متمايزة وَأَنَّهَا من أخص أَوْصَاف الْكَلَام لَا أَن الأختلاف رَاجع إِلَى نفس الْعبارَات والاعتبارات الحارجة فَإنَّا لَو قَطعنَا النّظر عَن
[ ١١٤ ]
الاعتبارات الْخَارِجَة والمتعلقات ورفعناها وهما لم يخرج عَن كَونه منقسما وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيق كَيفَ يسوغ القَوْل بالاتحاد ثمَّ ان مَا اخبر عَنهُ من الْقَصَص الْمَاضِيَة والأمور السالفة مُخْتَلفَة متمايزة فَإِن مَا جرى لكل نبى من الانبياء غير مَا جرى لغيره من الانبياء وَكَذَلِكَ المأمورات والمنهيات الْمُكَلف بهَا مُخْتَلفَة مُتَغَايِرَة فَكيف يكون نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لآدَم وَإِبْرَاهِيم هُوَ نفس الْخَبَر عَمَّا جرى لمُوسَى اَوْ عِيسَى أم كَيفَ يكون نفس الامر بِالْحَجِّ هُوَ نفس الْأَمر بِالصَّلَاةِ وَأَن مَا توجه لزيد هُوَ نفس مَا توجه لعَمْرو وَكَيف هَذَا التَّدَاخُل أم كَيفَ يَجْعَل الْخَبَر أَو مَا سمى خَبرا هُوَ عين الْأَمر أَو مَا سمى أمرا هُوَ عين مَا سمى خَبرا مَعَ أَن الْأَمر هُوَ الطّلب والاقتضاء وَالْخَبَر لَا يشْتَمل على شئ من ذَلِك وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْخَبَر فَالْأَمْر أَيْضا غير مُشْتَمل عَلَيْهِ فَهَل هَذَا إِلَّا مَحْض تحكم غير مَعْقُول وَمَا لَيْسَ بمعقول لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته فَلم يبْق إِلَّا أَنه أَنْوَاع متمايزة الْخَواص مُخْتَلفَة الذوات مُشْتَركَة فِي الْجُمْلَة وَالْكَلَام كالجنس لَهَا
والتمثيل بالمبدأ الأول مِمَّا لَا إِلَيْهِ سَبِيل فَإِن اتِّحَاد الذَّات مَعَ اخْتِلَاف اسمائها بِاعْتِبَار أُمُور إضافية أَو سلبية مِمَّا لَا امْتنَاع فِيهِ أما إِثْبَات صِفَات متضادة وخواص متنافرة وأقسام مُتعَدِّدَة لذات وَاحِدَة لَا تعدد فِيهَا وَلَا تغاير فَمن أمحل المحالات وأشنع المقالات وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ
قُلْنَا قد بَينا فِيمَا سلف أَن الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وَمَعْلُوم وَاحِد قَائِم بِالنَّفسِ وَأَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب اخْتِلَاف المتعلقات وَالنّسب والإضافات كَمَا حققناه فَمَا يَقع بِهِ التضاد أَو الِاخْتِلَاف أَو التَّعَدُّد فَلَيْسَ إِلَّا فِي
[ ١١٥ ]
المتعلقات والتعلقات لَا فِي نفس الْمُتَعَلّق وَلَا أَن مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف أَو التضاد بَين الْأَمر والنهى وَغَيره من أخص صِفَات الْكَلَام بل كل ذَلِك خَارج عَنهُ
وعَلى هَذَا نقُول لَو قطع النّظر عَن المتعلقات الْخَارِجَة وَرفعت عَن الْوَهم فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهَذِهِ الْعبارَات والتعبيرات أصلا وَلَا يلْزم من ذَلِك رفع فهم الْكَلَام وَأَن تَزُول حَقِيقَته عَن الْوُجُود ايضا
وَقَوْلهمْ كَيفَ يجوز أَن يكون الْمخبر عَنهُ مُتَعَددًا مُخْتَلفا وَالْخَبَر عَنهُ وَاحِدًا أم كَيفَ يكون الْمَأْمُور بِهِ مُخْتَلفا وَالْأَمر بِهِ وَاحِدًا وَكَيف تكون حَقِيقَة وَاحِدَة هى أَمر وَنهى وَخبر مَعَ أَن هَذِه الامور مُخْتَلفَة
قُلْنَا هَل هَذَا إِلَّا مَحْض استبعاد وَخُرُوج عَن سَبِيل الرشاد فَإِنَّهُ إِذا عرف أَن اخْتِلَاف الْعبارَات والتعبيرات قد يكون بِاعْتِبَار اخْتِلَاف التعلقات وَالنّسب إِلَى الْأُمُور الْخَارِجَة والإطلاقات لم يمْتَنع أَن يكون الْمُتَعَلّق لَهُ حَقِيقَة وَاحِدَة وَوُجُود وَاحِد وَله متعلقات مُخْتَلفَة ويعبر عَنهُ بِسَبَب تعلقة بِكُل وَاحِد مِنْهَا بِعِبَارَة مَخْصُوصَة ولقب مَخْصُوص وَإِن كَانَ هُوَ فِي نَفسه وَاحِدًا وَذَلِكَ على نَحْو مَا ذكره الفيلسوف فِي المبذأ الأول وعَلى نَحْو مَا ينعكس على الأَرْض من الألوان الْمُخْتَلفَة من زجاجات مُخْتَلفَة الألوان بِسَبَب شروق الشَّمْس عَلَيْهَا ومقابلتها لَهَا فَإِن التأثيرات مُخْتَلفَة بِسَبَب المتعلقات لَا غير وَإِن كَانَ الْمُتَعَلّق فِي نَفسه وَاحِدًا وَقد يعبر عَنْهَا بِسَبَب هَذَا التقلق وَاخْتِلَاف المتقلقات والتأثيرت بأسماء مُخْتَلفَة حَتَّى يُقَال إِنَّهَا مسودة ومصفرة وَغير ذَلِك وَإِن كَانَت الشَّمْس فِي نَفسهَا وَاحِدَة فَكَذَلِك ينبغى أَن يفهم مثله فِي الْكَلَام فَإِن اخْتِلَاف هَذِه التعبيرات عَنهُ لَيْسَ لتَعَدد فِي نَفسه بل لتَعَدد المتعلقات وَاخْتِلَاف
[ ١١٦ ]
الإضافات وَذَلِكَ لَيْسَ محالا نعم لَو عبر عَنهُ بالنهى من جِهَة مَا عبر عَنهُ بِالْأَمر وَمن جِهَة مَا عبر عَنهُ بالْخبر أَو بِالْعَكْسِ كَانَ ذَلِك متناقضا
وَمن حقق مَا مهدناه زَالَ عَنهُ الخيال واندفع عَنهُ الْإِشْكَال كَيفَ وَأَن مَا ذَكرُوهُ من أَقسَام الْكَلَام وهى الْخَبَر والاستخبار وَالْأَمر والنهى والوعد والوعيد أمكن أَن ترد إِلَى قسمَيْنِ وهما الطّلب وَالْخَبَر فَإِن الْوَعيد والوعد داخلان فِي الْخَبَر لَكِن تعلق بِأَحَدِهِمَا ثَوَاب فَسمى وَعدا وَتعلق بِالْآخرِ عِقَاب فَسمى وعيدا وَأما الْأَمر والنهى فداخلان تَحت الطّلب والاقتضاء لَكِن إِن تعلق بِالْفِعْلِ سمى امرا وَإِن تعلق بِالتّرْكِ سمى نهيا وَأما الاستخبار على الْحَقِيقَة فَغير مُتَصَوّر فِي حق الله تَعَالَى بل حَاصله يرجع إِلَى التَّقْرِير وَهُوَ نوع من الْإِخْبَار وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وكما أمكن رد هَذِه الْأَقْسَام إِلَى قسمَيْنِ أمكن ردهَا إِلَى قسم وَاحِد فِي حق الله تَعَالَى حَتَّى يكون على مَا ذَكرْنَاهُ بِأَن يكون معنى وَاحِدًا وَقَضِيَّة متحدة إِن تعلق بِمَا حكم بِفِعْلِهِ أَو تَركه سمى طلبا وَإِن تعلق بِغَيْرِهِ سمى خَبرا
فَإِذا المتعلقات مُتعَدِّدَة والمتعلق فِي نَفسه وَاحِدًا لَا تعدد فِيهِ وَهَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ فِي مُتَصَوّر الْبَقَاء والديمومة كَمَا فِي كَلَام الله تعإلى وَإِلَّا فَالْكَلَام فِي الشَّاهِد إعنى كَلَام اللِّسَان والنطق النفسانى لَيْسَ كَذَلِك إِذْ هُوَ من قبيل الْأَعْرَاض المتجددة والأغراض المتغيرة وَذَلِكَ مِمَّا ينافى القَوْل باتحاده وَنفى أعداده
فَإِن قيل إِذا قُلْتُمْ بِأَن الْكَلَام فِي نَفسه قَضِيَّة وَاحِدَة وَأَن اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب المتعلقات الْخَارِجَة فَلم لَا جوزتم أَن تكون الْإِرَادَة وَالْعلم وَالْقُدْرَة
[ ١١٧ ]
وباقى الصِّفَات رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد وَيكون اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ بِسَبَب اخْتِلَاف متعلقاته لَا بِسَبَب اختلافه فِي ذَاته وَذَلِكَ بِأَن يُسمى إِرَادَة عِنْد تعلقه بالتخصيص فِي الزَّمَان وقدرة عِنْد تعلقه بالتخصيص فِي الْوُجُود وَهَكَذَا سَائِر الصِّفَات وَإِن كَانَ ذَلِك فَلم لَا يجوز أَن يعود ذَلِك كُله إِلَى نفس الذَّات من غير احْتِيَاج إِلَى الصِّفَات
قُلْنَا تمويه هَذَا الْإِشْكَال والتهويل بِهَذَا الخيال هُوَ مَا اوقع جمَاعَة من الْأَصْحَاب فِي دَائِرَة الِاضْطِرَاب وكبع حذاقهم عَن تَحْقِيق الْجَواب
وَالَّذِي يقطع دابره ويكشف عَن الْحق سرائره أَن يُقَال إِذا ثَبت القَوْل بِكَوْنِهِ محيطا بالموجودات وعالما بهَا ومخصصا لَهَا فِي وجودهَا وحدوثها وَثَبت لَهُ غير ذَلِك من الكمالات الْمعبر عَنْهَا بِالصِّفَاتِ فَهُوَ مَا طلبناه وَغَايَة مَا رمناه وَأما إِثْبَات كَونهَا مُتَغَايِرَة الذوات متباينة الذاتيات أَو أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى معنى وَاحِد هُوَ نفس الذَّات والتخصيص وَالِاخْتِلَاف فِيهَا إِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى المتعلقات والتغاير بالعرضيات الخارجيات كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْأَصْحَاب فَمَا لم أر فِي مَا ذَكرُوهُ لإفحام الْخصم كلَاما مخلصا عَن مغالطات ومصادرات وأقاويل منحرفات وَمَا يظْهر مَأْخَذ المعتقد من الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّمَا ينْتَفع بِهِ النَّاظر مَعَ نَفسه لَا بِالنّظرِ إِلَى غَيره
وَأظْهر مَا قيل فِي بَيَان الِاخْتِلَاف أَن تَأْثِير الْقُدْرَة فِي الإيجاد وتأثير الْإِرَادَة
[ ١١٨ ]
فِي التَّخْصِيص بالأحوال والأقات وَمَعَ اخْتِلَاف التأثيرات لَا بُد مِمَّن اخْتِلَاف المؤثرات وَإِلَّا كَانَ صُدُور أحد الْمُخْتَلِفين من جِهَة مَا صدر الْمُخَالف الآخر وَهُوَ محَال وَهَذَا خلاف الْكَلَام فَإِن تعلقه بمتعلقاته لَا يُوجب تَأْثِيرا مُخْتَلفا وَكَذَا كل صفة على انفرادها
وَهُوَ غير سديد فَإِنَّهُ لَو وَجب القَوْل بمخالفة الْقُدْرَة للإرادة لاخْتِلَاف التأثيرات فَذَلِك يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس الْإِرَادَة وَنَفس الْقُدْرَة وكل صفة من الصِّفَات وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك من جِهَة أَن تأثيرات الْإِرَادَة مُتعَدِّدَة فَإِن تَخْصِيص الْحَادِث فِي الأمس غير تَخْصِيصه فِي الْيَوْم أَو الْغَد وَكَذَلِكَ مَا يخص بِالْقُدْرَةِ فَإِن إِيجَاد زيد لَيْسَ هُوَ نفس إِيجَاد عَمْرو لَا سِيمَا إِذا قُلْنَا إِن الْوُجُود لَيْسَ بزائد على الْمَوْجُود وَإِذا كَانَت التأثيرات مُتَغَايِرَة فإمَّا أَن تتحد من كل وَجه اَوْ تخْتَلف من كل وَجه أَو تتحد فِي وَجه وتختلف فِي وَجه اخر فَإِن اتّحدت من كل وَجه فَلَا تعدد وَقد فرضت مُتعَدِّدَة فبقى أَن تكون مُخْتَلفَة إِمَّا من كل وَجه أَو من وَجه وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فهى مُخْتَلفَة فَيجب أَن يكون الْمُؤثر لَهَا مُخْتَلفا فَإِن لم يجب أَن يكون مُخْتَلفا فَلَا أقل من أَن يكون معتددا
فَإِن قيل تاثير الْقُدْرَة وَاحِد قي حقيقتة وَمَعْنَاهُ وَاحِد فِي ماهيته فَإِن الإيجاد من حَيْثُ هُوَ إِيجَاد لَا يخْتَلف وَكَذَلِكَ تَخْصِيص الْإِرَادَة بِالْوَقْتِ وَاحِد لَا يخْتَلف من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك وَمَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف فِي تأثيرات الْقُدْرَة اَوْ الْإِرَادَة فَلَيْسَ اخْتِلَافا ذاتيا دَاخِلا فِي التَّأْثِير من حَيْثُ هُوَ تَأْثِير تِلْكَ الصّفة الْمَخْصُوصَة وَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى أُمُور خَارِجَة عرضية وَكَذَا فِي كل صفة على حِدة وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي نفس التَّعَلُّق أصلا
[ ١١٩ ]
وَهَذَا أَيْضا مِمَّا لَا حَاصِل لَهُ فَإِنَّهُ إِن صدر مِمَّن لَا يعْتَرف بِكَوْن الْوُجُود زَائِدا على الْمَوْجُود كَانَ بُطْلَانه ظَاهرا وَإِن كَانَ مِمَّن يعْتَرف بِهِ فالذوات عِنْده إِمَّا أَن تكون مُتَعَلق الْقُدْرَة مَعَ كَون الْوُجُود والحدوث مُتَعَلقا لَهَا أَيْضا أَو أَنَّهَا لَا تعلق للقدرة بهَا فَإِن كَانَ الأول فقد لزمَه اخْتِلَاف التأثيرات وَإِن كَانَ الثانى لزم أَن تكون الذوات ثَابِتَة فِي الْقدَم ومتحققة فِي الْعَدَم وَسَيَأْتِي إِبْطَاله كَيفَ وان ذَلِك لَو صَحَّ فِي الْقُدْرَة والأرادة فَهُوَ مِمَّا لَا يأتى فِي غَيرهمَا من الصِّفَات وَلَا يتَحَقَّق فِي باقى الكمالات بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَالهَا من المتعلقات
وَإِذا لاحت الْحَقَائِق وَظَهَرت الدقائق فَلَا الْتِفَات إِلَى شغب المشنع المتحذلق فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا ينْهض دَلِيلا وَلَا يشفى غليلا وَهُوَ آخر مَا أردناه من مَسْأَلَة الْكَلَام وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان
[ ١٢٠ ]