فى بَيَان وُقُوعهَا بِالْفِعْلِ واثبات مَعْرفَتهَا بِالنَّقْلِ
وَمن ثبتَتْ نبوته واشتهرت رسَالَته بالمعجزات والدلالات القطعيات أَكثر من أَن يُحْصى ولنقتصر من ذَلِك على إِثْبَات نبوة سيد الْأَوَّلين والآخرين وَخَاتم الْمُرْسلين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله اجمعين إِذْ الطوائف على إِنْكَار بعثته متفقون وفى مآخذهم مُخْتَلفُونَ
فَرب من أنكر رسَالَته بِمُجَرَّد الْقدح فِي معجزاته والطعن فى آيَاته كالنصارى وَغَيرهم من المعترفين بِجَوَاز نسخ الشَّرَائِع وبعثة الرُّسُل
وَرب من أنكر رسَالَته لاعْتِقَاده إِحَالَة نسخ الشَّرَائِع وتبدل الذرائع كبعض الْيَهُود لَكِن مِنْهُم من أحَال ذَلِك عقلا كالشمعنية وَمِنْهُم من أَحَالهُ سمعا كالعنانية وَلم يُوَافق أهل الْإِسْلَام على كَونه نَبيا غير العيسوية فَإِنَّهُم معترفون برسالته لَكِن إِلَى الْعَرَب خَاصَّة لَا إِلَى الْأُمَم كَافَّة
والذى يدل على صِحَة رسَالَته وَصدقه فى دَعوته مَا ظهر على يَده من المعجزات والآيات الباهرات
[ ٣٤١ ]
فَمن جُمْلَتهَا الْقُرْآن الْمجِيد الذى ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فَإِن من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وَله قدم راسخ فى الاختبار اعْلَم أَن الْقُرْآن من أظهر المعجزات وأبلغ مَا تخرق بِهِ الْعَادَات وَأَن ذَلِك مِمَّا لَا يدْخل تَحت طوق الْبشر وَلَا يُمكن تَحْصِيله بفكر وَلَا نظر لما اشْتَمَل من النّظم الْغَرِيب والأسلوب الْمُخَالف لما استنبطه البلغاء من الاوزان والأساليب مَعَ الجزالة والبلاغة وَجمع الْكثير من الْمعَانى السديدة فِي الْأَلْفَاظ الوجيزة الرشيقة وَإِلَيْهِ الاشارة بقوله ﵇ أُوتيت جَوَامِع الْكَلم واختصرت لى الْحِكْمَة اختصارا وَذَلِكَ كَمَا دلّ على وحدانيته وَعظم صمديته والإرشاد لمن ضل إِلَى مَعْرفَته بقوله ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل﴾ فانه بَيِّنَة على أَن ذَلِك كُله لَيْسَ إِلَّا بمشيئته وإرادته وَأَنه مَقْدُور بقدرته وَإِلَّا فَلَو كَانَ ذَلِك بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب وَالْفَاعِل لَهُ الطبيعة لما وَقع الِاخْتِلَاف
وَمِمَّا كثرت مَعَانِيه وَقل لَفظه على أتم بلاغة وَأحسن فصاحة قَوْله تَعَالَى ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ فَإِنَّهُ مَعَ قلَّة أَلْفَاظه ورطوبتها قد دلّ على الْعَفو عَن المذنبين وصلَة القاطعين وَإِعْطَاء المانعين وتقوى الله وصلَة الْأَرْحَام وَحبس اللِّسَان وغض الطّرف وَغير ذَلِك من الْمعَانى
وَمن أَرَادَ زِيَادَة الاختبار فَعَلَيهِ بِالِاعْتِبَارِ وَالنَّظَر فى مجمله ومفصله ومحكمه ومتشابهه
[ ٣٤٢ ]
فَإِنَّهُ يجد فى طى ذَلِك الْعجب العجاب ويحقق بِمَا أمكنه من إِدْرَاكه إعجازه لذوى الْعُقُول والألباب وان أبلغ وَأحسن مَا نطقت بِهِ بلغاء الْعَرَب من ذوى الأحساب والرتب المختصين من بَين الْأُمَم المميزين عَن سَائِر أَصْنَاف الْعَجم بِمَا منحهم الله تعال بِهِ من اللِّسَان العربى الْمُبين إِذا نسبه إِلَى الْكَلَام الربانى وَاللَّفْظ اللاهوتى وجد النِّسْبَة بَينهمَا على نَحْو مَا بَين اللِّسَان العربى والأعجمى ولعلم من نَفسه مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الإعجاز والبلاغة والايجاز وَإِن ذَلِك مِمَّا تتقاصر عَن الاتيان بِمثلِهِ أَرْبَاب اللِّسَان وتكل عَن معارضته الانس والجان ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾
فَإنَّك أَلا ترى إِلَى فصيح قَول الْعَرَب فى معنى ارتداع سافك الدَّم بِالْقَتْلِ الْقَتْل أنفى للْقَتْل وفى قَوْله تَعَالَى ﴿فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَمَا بَينهمَا من الْفرق فى الجزالة والبلاغة والتفاوت فى الْحُرُوف الدَّالَّة على الْمَعْنى وَمن كَانَ أَشد تدربا وَمَعْرِفَة بأوزان الْعَرَب ومذاهبها فى اللُّغَات وأساليبها فِي الْعبارَات كَانَ أَشد معرفَة بإعجاز الْقُرْآن وأسبق إِلَى التَّصْدِيق وَالْإِيمَان كَمَا أَن من كَانَت مَعْرفَته بِعلم الطبيعة فى زمن إِبْرَاهِيم وَعلم السحر فى زمن مُوسَى والطب فى زمن عِيسَى أَشد كَانَ أَشد معرفَة بالإعجاز وأسبق للتصديق وَالْقَبُول لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول
كَيفَ وَالْعرب مَعَ شدَّة بأسها وَعظم مراسها ومنعتهم عَن أَن يدخلُوا فى حكم حَاكم ونبوتهم عَن أَن يقبلُوا رسم راسم مِنْهُم من أجَاب بِالْقبُولِ وأذعن بِالدُّخُولِ وَمِنْهُم من نكل عَن الْجَواب واعتضد بالقبائل وَالْأَصْحَاب وَلم يرض غير القيل والقال وَالْحَرب والنزال فاستنزل بالعنف عَن رتبته وَأخذ بالقهر مَعَ نبوته فَلَو أَن ذَلِك مِمَّا لَهُم سَبِيل إِلَى
[ ٣٤٣ ]
معارضته أَو إبداء سُورَة فى مُقَابلَته مَعَ أَنهم أهل اللِّسَان وفصحاء الزَّمَان لقد كَانُوا يبالغون فى ذَلِك مَا يَجدونَ إِلَيْهِ سَبِيلا لإفحام من يدعى كَونه نَبيا أَو رَسُولا إِذْ هُوَ أقرب بالطرق إِلَى إفحامه وأبلغها فى دحره وانحسامه وادراء لما ينالهم فى طَاعَته ومخالفته من الأوصاب وكفا لما يلحقهم فى ذَلِك من الأنصاب وخراب الْبِلَاد وَنهب الْأَمْوَال واسترقاق الْأَوْلَاد
لَا سِيمَا وَقد تحدى بذلك تحدى التَّعْجِيز عَن الاتيان بِمثلِهِ فَقَالَ فَأتوا بِكِتَاب مثله بل بِعشر سور من مثله بل سُورَة وَاحِدَة فَلم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا إِلَّا أَن مِنْهُم من وقف على معجزته وَعرف وَجه دلَالَته فواحد لم يَسعهُ إِلَّا الدُّخُول فى الْإِيمَان والمبادرة إِلَى الاذعان وَوَاحِد غلبت عَلَيْهِ الشقاوة واستحكمت مِنْهُ الطغاوة فخذل بِذَنبِهِ ونكص على عقبه وَقَالَ ﴿أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾
وَمِنْهُم من حمله فرط جَهله وقصور عقله على الْمُعَارضَة والإتيات بِمثلِهِ كَمَا نقل من ترهات مُسَيْلمَة فى قَوْله الْفِيل والفيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل لَهُ ذَنْب طَوِيل وخرطوم وثيل وَقَوله والزارعات زراعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا إِلَى غير ذَلِك من كَلَامه وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الركاكة والفهاهة وَمَا فِيهِ من الدّلَالَة على جهل قَائِله وَضعف عقله وسخف رَأْيه حَيْثُ ظن أَن هَذَا الْكَلَام الغث الرث الذى هُوَ مضحكة الْعُقَلَاء ومستهزأ الأدباء معَارض لما أعجزت الفصحاء معارضته واعيه الألباء مناقضته من حِين الْبعْثَة إِلَى زَمَاننَا هَذَا
[ ٣٤٤ ]
بل لَو نقر الْعَاقِل على مَا فِيهِ من الْإِخْبَار بقصص الماضين وأحوال الْأَوَّلين على نَحْو مَا وَردت بِهِ الْكتب السالفة والتواريخ الْمَاضِيَة مَعَ مَا عرف من حَال النبى ﷺ من الأمية وَعدم الِاشْتِغَال بالعلوم والدراسات بل وَمَا فِيهِ من الْإِخْبَار عَمَّا تحقق بعد مَا أخبر بِهِ من الغائبات كَمَا فى قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ وَقَوله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ وَقَوله ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها﴾ وَقَوله ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ لقد كَانَ ذَلِك كَافِيا لَهُ فى معرفَة إعجاز الْقُرْآن وصادا لَهُ عَن المكابرة والبهتان
وَمن جملَة آيَاته ومعجزاته الظَّاهِرَة حنين الْجذع الْيَابِس إِلَيْهِ وَسَلام الغزالة عَلَيْهِ وَكَلَام الذِّرَاع المسموم لَهُ وتسبيح الْحَصَى فى يَده وَلَا محَالة أَن هَذِه كلهَا من الخوارق للعادات وَلَيْسَت مِمَّا يدْخل تَحت وسع شئ من الْمَخْلُوقَات وانه نبى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
[ ٣٤٥ ]
وللخصوم على مَا ذَكرْنَاهُ أسئلة
السُّؤَال الأول
أَنهم قَالُوا مَا ذكرتموه من كَون الْقُرْآن معجزا لَا بُد من أَن تثبتوا بطرِيق قطعى يقينى أَنه مِمَّا ظهر على يَده واقترن بدعوته اقتران التَّصْدِيق والا فَلَا نَأْمَن أَن ذَلِك من خلق الْأَوَّلين أَو تخرصات الْمُتَأَخِّرين
ثمَّ إِن ذَلِك وَلَو كَانَ مُسلما فَلَا بُد أَن تبينوا وَجه الإعجاز فِيهِ وَذَلِكَ يتَعَذَّر من جِهَة أَن الْقُرْآن قد يُطلق بِمَعْنى المقروء وَقد يُطلق بِمَعْنى الْقِرَاءَة فَإِن كَانَ المقروء هُوَ المعجز فَذَلِك عنْدكُمْ صفة قديمَة قَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى وَالصّفة الْقَدِيمَة يَسْتَحِيل أَن تكون معجزا إِذْ لَا اخْتِصَاص لَهَا بحادث دون حَادث وَإِن كَانَ المعجز هُوَ الْقِرَاءَة الَّتِى هى فعله وَكَسبه فَلَيْسَتْ معْجزَة فانها لَا تنزل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله كَمَا سلف
وَأما مَا ذكرتموه من وَجه إعجازه فى النّظم والبلاغة والفصاحة فَأنْتم فى ذَلِك مُخْتَلفُونَ فَقَائِل إِن المعجز هُوَ النّظم دون الفصاحة وَقَائِل الفصاحة دون النّظم وَقَائِل إِن المعجز فِيهِ صرف الدواعى عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَقَائِل إِن المعجز فِيهِ هُوَ الْمَجْمُوع وَهَذَا الِاخْتِلَاف مِمَّا يُوجب خَفَاء الاعجاز فِيهِ والمعجز يجب أَن يكون وَجه إعجازه ظَاهرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جلّ من هُوَ معْجزَة بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَدَلِيل عَلَيْهِ ظهورا لَا يكون فِيهِ شكّ وَلَا رِيبَة
وَمَا ذكرتموه من عجز بلغاء الْعَرَب عَن مُقَابلَته وكلالهم عَن معارضته فَإِنَّمَا يتَحَقَّق
[ ٣٤٦ ]
أَن لَو ثَبت أَنه تحدى عَلَيْهِم بِهِ ومنعهم من الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَذَلِكَ غير مَعْلُوم فَلَا بُد من إثْبَاته ثمَّ وَلَو ثَبت أَنه تحداهم بِهِ فَمَا الذى يؤمننا من أَن الْمُعَارضَة وَقعت واتفقت الْأَهْوَاء على دَفعهَا وإبطالها أَو صرف الله دواعى الْخلق عَن نقلهَا وأنساهم إِيَّاهَا أَو أَن خوف السَّيْف مَنعهم من إظهارها أَو أَنهم لم يتَعَرَّضُوا بالمعارضة لإعراضهم عَن النّظر فى أَن ذَلِك مِمَّا يُوجب إفحامه وَإِبْطَال دَعوته أَو أَن إعراضهم كَانَ قصدا لإهانته وإخماله بترك معارضته أَو لاعتقادهم أَن السَّيْف والسنان أقرب إِلَى إخماد ثائرته وإطفاء جمرته من الاتيان بمعارضته والتطويل فى محاورته وَإِلَّا فَكيف يعجزون عَن الاتيان بِمثلِهِ وَهُوَ غير خَارج عَن حُرُوف المعجم الَّتِى يتَكَلَّم بهَا الْعَرَب والعجم والأمكن والألسن
كَيفَ وَإنَّهُ مَا من أحد إِلَّا وَهُوَ قَادر على أَن يأتى مِنْهُ بِالْكَلِمَةِ والكلمات وَالْآيَة والآيات وَمن كَانَ قَادِرًا على ذَلِك كَانَ قَادِرًا على كُله لَكِن غَايَة مَا يقدر أَنه يتَمَيَّز عَلَيْهِم بِنَوْع فصاحة وجزالة وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل إِذْ التَّفَاوُت فِيمَا بَين النَّاس فِي ذَلِك وَاقع لَا محَالة وَلَيْسَ لَهُ حد يُوقف عِنْده إِذْ مَا من فصيح إِلَّا وَلَعَلَّ ثمَّ من هُوَ أفْصح مِنْهُ فَغير مُمْتَنع أَن تنتهى الفصاحة فى حق شخص إِلَى حد يعجز عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجب جعله نَبيا وَإِلَّا للَزِمَ أَن من كَانَ دونه فى الدرجَة أَن يكون نَبيا وَكَلَامه معجزا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من هُوَ دونه وَأَن يكون هُوَ متبوعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من هُوَ دونه وتابعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من هُوَ أفْصح مِنْهُ
[ ٣٤٧ ]
ثمَّ إِنَّه يمْتَنع أَن يكون معجزا من وَجْهَيْن الْوَجْه الأول أَنه من الْجَائِز أَن يكون ذَلِك قد حصل لَهُ قبل التحدى بِالنُّبُوَّةِ وادعاء الرسَالَة وَلم يظْهر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا مَانع على أصلكم من إِجْرَاء الخوارق على يَد من لَيْسَ بنبى وعَلى تَقْدِير جَوَاز تقدمه على التحدى يخرج عَن أَن يكون دَالا على صدقه من حَيْثُ إِن المعجزة لم تدل إِلَّا من جِهَة أَنَّهَا نازلة منزلَة التَّصْدِيق بالْقَوْل وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا مَعَ وجودهَا عِنْد الدَّعْوَى لَا قبلهَا كَمَا سبق وَلَيْسَ إِظْهَار ذَلِك عِنْد الدَّعْوَى خارقا كَمَا فى الْإِحْيَاء وشق الْبَحْر وَنَحْوه بل هُوَ مَحْض تِلَاوَة وتكرار وَلَا افْتِرَاق فِيهِ بَين إِنْسَان وإنسان وَإِنَّمَا الخارق إِظْهَاره إِلَيْهِ وإطلاعه عَلَيْهِ وَمَعَ جَوَاز سبقه يمْتَنع أَن يكون دَالا على صدقه
وَالْوَجْه الثانى أَن من حفظه وَمضى بِهِ إِلَى أهل بلد لم تبلغهم الدعْوَة وَلم يسمعوا بِمثلِهِ وَلَا بِمن ورد على يَده فتحدى بِهِ عَلَيْهِم فَلَا بُد من أَن يُوجب التَّصْدِيق أَو التَّكْذِيب فَإِن أوجب التَّصْدِيق فَهُوَ مَعْلُوم كذبه وَأَن أوجب التَّكْذِيب مَعَ مَا ظهر لَهُم على يَده من الخارق أفْضى إِلَى إفحام الرُّسُل وَإِبْطَال المجزات وَظُهُور الْآيَات وَلذَلِك لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِمثل مَا ينْقل ويحفظ أَن يكون معجزا دَالا على صدق الرسَالَة بل المعجزات يجب ان تكون كشق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى وقلب الْعَصَا حَيَّة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى ظُهُوره على يَد غير نبى
فَإِذا قد ثَبت انه لَا إعجاز فِي الْقُرْآن ثمَّ وَلَو كَانَ معجزا بِنَاء على كَونه خارقا لوَجَبَ أَن يكون مَا ظهر من الْعُلُوم الرياضية كالهندسية والحسابية معجزا وَأَن يجب التَّصْدِيق لمن أَتَى بِهِ عِنْد تحديه بالرسالة ودعواه للنبوة وَهُوَ محَال
[ ٣٤٨ ]
وَمَا ذكرتموه من تَسْبِيح الْحَصَى وانشقاق الْقَمَر وتكليم الغزالة وحنين الْجذع وَنَحْو ذَلِك فآحاد هَذِه الامور غير مَعْلُومَة وَلَا منقولة بطرِيق التَّوَاتُر وَإِنَّمَا هى مستندة إِلَى الْآحَاد وهى مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى التَّمَسُّك بهَا فى القطعيات وَإِثْبَات النبوات
وزادت العنانية على هَؤُلَاءِ فَقَالُوا قد ثَبت أَن مُوسَى الكليم كَانَ نَبيا صَادِقا بِمَا ظهر على يَده من شقّ الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَبَيَاض يَده إِلَى غير ذَلِك وَقد نقل عَنهُ بالتواتر خلق عَن سلف أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ هَذِه الشَّرِيعَة مُؤَبّدَة عَلَيْكُم لَازِمَة لكم مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض فقد كذب كل من أدعى نسخ شَرِيعَته وتبديل مِلَّته فَلَو قُلْنَا إِن مُحَمَّدًا كَانَ نَبيا وَإِن شَرعه نَاسخ بطرِيق الصدْق للَزِمَ أَن يكون مُوسَى الكليم فِيمَا قَالَه كَاذِبًا وَهُوَ محَال
وزادت الشمعنية على العنانية بِأَن قَالُوا لَو جَازَ أَن يكون مُحَمَّد نَبيا لجَاز القَوْل بنسخ الشَّرَائِع والنسخ فى نَفسه محَال فَإِنَّهُ اذا أَمر بشئ فَذَلِك يدل على حسنه وَكَونه مرَادا وَأَن فِيهِ مصلحَة فَلَو نهى عَنهُ انْقَلب الْحسن قبيحا والمصلحة مفْسدَة وَمَا كَانَ مرَادا غير مُرَاد وَيلْزم من ذَلِك البداء والندم بعد الْأَمر والطلب وَهُوَ مُمْتَنع فى حق الله تَعَالَى ثمَّ إِن مَدْلُول النّسخ فى الْوَضع لَيْسَ إِلَّا الرّفْع وَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَى تحَققه فِيمَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ فَإِنَّهُ أما أَن يكون الرّفْع لما وَقع أَو لما لم يَقع فَإِن كَانَ لما وَقع فَهُوَ محَال وَإِن كَانَ لما لم يَقع فَرفع غير الْوَاقِع محَال أَيْضا كَمَا وَقع فى الْوَاقِع
[ ٣٤٩ ]
وَأما العيسوية مِنْهُم فَإِنَّهُم قَالُوا سلمنَا ظُهُور المعجزات على يَده واقترانها بدعوته لكنه إِنَّمَا ادّعى الرسَالَة للْعَرَب خَاصَّة لَا إِلَى الْأُمَم كَافَّة فَلَا بُد لبَيَان عُمُوم دَعْوَاهُ من دَلِيل قَاطع وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ
وَالْجَوَاب عَن كَلِمَات أهل الزيغ عَن الصَّوَاب
أما إِنْكَار ظُهُور الْقُرْآن على يَده واقترانه بدعوته فمما لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا فى حق من رفع نقاب الْحيَاء عَن وَجهه وارتكب جحد الضَّرُورَة الْحَاصِلَة من أَخْبَار التَّوَاتُر بذلك فَإِن مَا من عصر من الْأَعْصَار وَلَا قطر من الأقطار إِلَّا وَالنَّاس فِيهِ بأسرهم مطبقون الموافقون والمخالفون على أَن ذَلِك مِمَّا لم يظْهر إِلَّا على يَده وَلَا صدر إِلَّا من جِهَته وَاسْتقر ذَلِك فى الْأَنْفس على نَحْو اسْتِقْرَار الْعلم بالملوك الْمَاضِيَة والأمم السالفة والبلاد النائية فَمن تفوه بإنكاره فقد ظَهرت مخازيه وَسَقَطت مكالمته وَكَانَ كمن أنكر وجود مَكَّة وبغداد وَوُجُود من اشْتهر من هَؤُلَاءِ الْعباد وَنَحْو ذَلِك وَبِه ينْدَفع تشكيك من شكك على نفى الْعلم الْحَاصِل بالأخبار الْوَارِدَة على لِسَان الْجمع الْكثير والجم الْغَفِير بِأَن مَا من وَاحِد إِلَّا وَالْكذب فى حَقه مُمكن وَحُصُول الْعلم بِخَبَرِهِ مُمْتَنع وَذَلِكَ لَا ينتفى عَنهُ بِسَبَب انظمامه إِلَى من هُوَ مثله فى الرُّتْبَة وَلَا حَاجَة إِلَى الإطناب
وَأما جَوَاز الإعجاز من جِهَة الْقِرَاءَة والمقروء فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا لَا نقُول
[ ٣٥٠ ]
إِن المعجز هُوَ الصّفة الْقَدِيمَة الْقَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى وَلَا مَا يتَعَلَّق من الْقِرَاءَة بكسب الْقَارئ بل وَجه الإعجاز فِيهِ قد يَتَقَرَّر من وَجْهَيْن
فَتَارَة نقُول إِن المعجز هُوَ إِظْهَار ذَلِك المقروء الْقَائِم بِالنَّفسِ على لِسَان الرَّسُول بِمَا خلق الله من الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهِ فَلَا يكون كَلَامه الدَّال هُوَ المعجز وَلَا الْمَدْلُول بل إِظْهَار ذَلِك الْمَدْلُول بِكَلَامِهِ عِنْد تحديه بنبوته وَلَا محَالة أَن ذَلِك مِمَّا يتقاصر عَن تَحْصِيله أَرْبَاب الْفِكر ويكل دونه حذاق أهل النّظر وَذَلِكَ كَمَا ذَكرْنَاهُ فى قَضِيَّة المتحدى باظهار مَا فى الصندوق وَنَحْوه
وَتارَة نقُول إِن المعجز هُوَ هَذِه الْعبارَات وَهَذِه الْكَلِمَات من جِهَة مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الفصاحة والبلاغة وَالنّظم الْمَخْصُوص وَذَلِكَ مِمَّا لَا يدْخل تَحت قدرَة النبى وَلَا هُوَ مُتَوَقف على إِرَادَته بل هُوَ مَقْدُور ومخلوق لله تَعَالَى وَمَا هُوَ مَقْدُور لَهُ ومتعلق كَسبه فَلَيْسَ إِلَّا حفظه وتلاوته ونسبته إِلَيْهِ كنسبته إِلَيْنَا فَإنَّا نعلم من أَنْفُسنَا عِنْد قِرَاءَته والشروع فى تِلَاوَته أَن مَا هُوَ مُتَعَلق كسبنا مِنْهُ لَيْسَ إِلَّا الْقِرَاءَة والتلاوة دون النّظم والبلاغة وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الفصاحة لَكِن لما اخْتصَّ بِإِظْهَار ذَلِك على لِسَانه بطرِيق الوحى عَن ربه مُقَارنًا لدعوته وَكَانَ مِمَّن تكل عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ قوى الْبشر ويعجز عَن معارضته ذَوُو الْقدر كَانَ ذَلِك دَلِيلا على صدقه كَمَا سلف
وَمن صفت فطرته واشتدت قريحته وَكَانَ نَاظرا أريبا علم أَن مَا من آيَة من الْقُرْآن إِلَّا وهى لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من النّظم البديع وَالتَّرْتِيب البليغ وَالْمعْنَى معْجزَة وَأَنه من عِنْد رب الْعَالمين وعَلى قدر سَلامَة الْفطر وَصِحَّة النّظر يَقع التَّفَاوُت
[ ٣٥١ ]
بَين الناظرين فى إعجاز الْقُرْآن الْعَظِيم فَرب شخص يكون عِنْده بِالنّظرِ إِلَى نظمه وَحده معْجزَة وبالنظر إِلَى بلاغته معْجزَة وَرب شخص يكون الإعجاز عِنْده من الْأَمريْنِ وعَلى هَذَا التَّفَاوُت يكون الِاخْتِلَاف بَين الْآيَة وَالسورَة وَالْكتاب برمتِهِ فى الاعجاز فالخفاء إِن وَقع فى إعجازه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نظمه أَو بلاغته أَو بِالنّظرِ إِلَى آيه وسوره فَلَا خَفَاء بِأَن مَجْمُوع ذَلِك يكون خارقا معجزا وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ عِنْد الْقَائِلين بِهِ
وَأما إِنْكَار تحديه بِالْقُرْآنِ للْعَرَب وإفحامه ذوى الْأَدَب فَهُوَ أَيْضا مِمَّا علم بِالضَّرُورَةِ وَالنَّقْل الْمُتَوَاتر كَمَا علم وجوده وَظُهُور الْقُرْآن على يَده وَلَا حجَّة لإنكاره كَيفَ وَالْقُرْآن مشحون بقوارع من الْآيَات دَالَّة على التحدى ونعى الْعَرَب مثل قَوْله ﴿فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله﴾ ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَقَوله ﴿لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات فَكيف يُقَال بإنكار وُقُوع التحدى
ثمَّ مَا من آيَة من هَذِه الْآيَات الا وهى منقولة على لِسَان التَّوَاتُر وَهُوَ سَوَاء فى سَائِر الْآيَات وَذَلِكَ مِمَّا يمْتَنع مَعَه القَوْل بِكَوْنِهَا مؤلفة بعد النبى ﵇ أَو أَنَّهَا مجمعة لغيره من الْأَنَام فَإِذا ثَبت تحديه بِهِ الْعَرَب وأرباب الْفضل مِنْهُم وَالْأَدب فَلَو وَقعت الْمُعَارضَة مِنْهُم لاشتهر ذَلِك ولتوفرت الدواعى على نَقله كَمَا توفرت على نقل غَيره إِمَّا على لِسَان الْمُوَافق أَو الْمُخَالف إِذْ السُّكُوت عَن مثل هَذَا والتواطؤ على تَركه مِمَّا تقضى الْعَادة الْجَارِيَة
[ ٣٥٢ ]
بإحالته وَالْمُدَّعى لذَلِك لَيْسَ هُوَ فى ضرب الْمِثَال إِلَّا كمن يدعى ظُهُور نبى آخر بعد النبى ﵇ أَو وجود إِمَام قبل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَو أَن الْبَحْر نشف فى بعض الْأَوْقَات أَو الدجلة اَوْ الْفُرَات وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الْإِبْطَال
وَلَا يُمكن أَن يكون خوف السَّيْف مَانع من نقل ذَلِك وإظهاره فى الْعَادة كَمَا لم يمْنَع دَعْوَى الْمُعَارضَة فى كل زمَان وَإِن كَانَ ذَلِك لما فى الْقُرْآن بل الْوَاجِب بِالنّظرِ إِلَى الْعَادَات وَمُقْتَضى الطباع النَّقْل لمثل مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل وَلَو على سَبِيل الْإِسْرَار كَمَا قد جرت بِهِ عَادَة النَّاس فِي التحدث بمساوئ مُلُوكهمْ وَإِظْهَار معايبهم وَإِن كَانَ خوف السَّيْف قَائِما فى حَقهم لَا سِيمَا وبلاد الْكفَّار متسعة وَكلمَة الْكفْر فى غير مَوضِع شائعة فَلَو كَانَ ذَلِك مِمَّا لَهُ وُقُوع قد أشيع كَمَا أشيع غَيره مِمَّا لَيْسَ بموافق للدّين وَلَا يتقبله أحد من الْمُسلمين
وَلَا جَائِز أَن يُقَال إِن ترك الْمُعَارضَة مَحْمُول على الإهمال أَو على الْغَفْلَة عَن كَون الْمُعَارضَة مُوجبَة للإفحام أَو على اعْتِقَاد ان السَّيْف أبلغ فى دحره وردعه وَإِبْطَال جعوته فَإِن النبى ﷺ قد كَانَ يقرعهم بالعى ويردد عَلَيْهِم تعجيزهم فى الْأَحْيَاء وَيَقُول ﴿فَأتوا بِسُورَة مثله وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله﴾ مَعَ أَن الْعَرَب قد كَانَت فى محافلها تتفاخر بمعارضة الركيك من الشّعْر وتتناظر فى مجالسها بِمُقَابلَة السخيف من النثر وَلَا محَالة أَن الْقُرْآن فى نظر من لَهُ أدنى ذوق من الْعَرَبيَّة وَأَقل نِصَاب من الْأُمُور الأدبية لَا يتقاصر عَن فصيح أَقْوَال الْعَرَب وبديع فصولهم فى النّظم
[ ٣٥٣ ]
والنثر بل والخطب فَكيف يخْطر بعقل عَاقل أَو يتَوَهَّم واهم أَن الْعَرَب مَعَ مَا أَتَوْهُ من الْعقل الغزير وَمن حسن التَّصَرُّف وَالتَّدْبِير تتاركوا مُعَارضَة الْقُرْآن إخساسا بِهِ وإهمالا أَو لغفلتهم أَن ذَلِك مِمَّا يدْفع الضَّرَر عَنْهُم اَوْ لِأَن السَّيْف أنجع واوقع لَهُم مَعَ مَا كَانَ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ من شدَّة الْبَأْس وَعظم المراس وَالْقُوَّة الباهرة والعزمة الْحَاضِرَة والنصرة الحاصرة وهم يُمكنهُم دفع ذَلِك كُله بفصل أَو سُورَة يَقُولهَا وَاحِد مِنْهُم إِن هَذَا لَهو الخسران الْمُبين
وَلَا ننكر أَن هَذِه المثلات وَوُقُوع هَذِه الِاحْتِمَالَات بِالنّظرِ إِلَى الْعقل وَإِلَى ذواتها ممكنات لَكِنَّهَا كَمَا اوضحناه بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة من المستحيلات وَلَا يلْزم أَن مَا كَانَ مُمكنا بِاعْتِبَار ذَاته أَن لَا يلْزم الْمحَال من فرض وجوده أَو عَدمه بِاعْتِبَار غَيره كَمَا حققناه فى غير مَوضِع من هَذَا الْكتاب ثمَّ إِن هَذِه الِاحْتِمَالَات إِن كَانَ الْخصم كتابيا فهى أَيْضا لَازِمَة لَهُ فى إِثْبَات نبوة من انْتَمَى إِلَيْهِ وَالْقَوْل بتصحيح رِسَالَة من اعْتمد عَلَيْهِ وَذَلِكَ كالنصارى وَالْيَهُود وَغَيرهم من أهل الْجُحُود فَمَا هُوَ اعتذاره عَنْهَا هُوَ اعتذارنا عَنْهَا هَهُنَا
وَلَا يلْزم من كَون الْقُرْآن مركبا من الْحُرُوف والأصوات أَن لَا يكون خارقا وَلَا معجزا لما بَيناهُ من اشتماله على النّظم البديع وَالْكَلَام البليغ الذى عجزت عَنهُ بلغاء الْعَرَب وفصحاؤهم وقدرة بعض النَّاس على الْإِتْيَان بِمَا شابه مِنْهُ كلمة أَو كَلِمَات لَا توجب الْقُدْرَة على مَا وَقع بِهِ الإعجاز وَإِلَّا كَانَ لكل من أمكنه الْإِتْيَان
[ ٣٥٤ ]
بِكَلِمَة أَو كَلِمَتَيْنِ من نظم أَو نثر أَن يكون شَاعِرًا ناثرا وأو لَا يَقع الْفرق بَين الألكن والألسن وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الْعَبَث والزلل فَإنَّا نحس من أَنْفُسنَا الْعَجز عَن بعض مَا نقل عَن فصحاء الْعَرَب من نظم أَو نثر وَإِن كُنَّا لَا نجد أَنْفُسنَا وقدرنا قَاصِرَة عَن الْإِتْيَان مِنْهُ بِكَلِمَة اَوْ كَلِمَات بل وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا نَظِير مَا لَو قيل بِوُجُوب كَون الْجَبَل مَقْدُورًا حمله بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا لكَون بعضه مَقْدُورًا إِذْ هُوَ زيف وسفسطة ثمَّ وَلَو كَانَ ذَلِك مَقْدُورًا لَهُم لقد بَادرُوا إِلَى الْإِتْيَان بِهِ وسارعوا إِلَى دفع مَا تحدى بِهِ على مَا سلف
لَكِن لَا ننكر أَن من مقدورات الله تَعَالَى أَن يظْهر على يَد غَيره مَا يعجز عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَتَكون نسبته إِلَى هَذَا المعجز كنسبة هَذَا المعجز إِلَى غَيره من الْكَلَام وَأَن ذَلِك لَو ظهر لَكَانَ مُبْطلًا لرسالته أَن لَو كَانَ التحدى بِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى الْإِتْيَان بِمثلِهِ لَا أَن يكون التحدى بِإِظْهَار مَا هُوَ خارق للْعَادَة على يَده فَقَط أى لم يعْهَد لَهُ فى الْعَادة قبل ذَلِك مِثَال كَمَا سبق تَحْقِيقه وَكَذَا الْكَلَام فِيمَا هُوَ دونه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضا
وَأما منع جَوَاز دلَالَته على الصدْق بِنَاء على جَوَاز تقدمه على الدَّعْوَى فقد سبق وَجه إِبْطَاله فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
وَأما مَا فرض من جَوَاز تحدى من حفظه على أهل بلد لم تبلغهم الدعْوَة فمجرد ظُهُوره على يَده غير كَاف مهما لم يعلم بطرِيق قطعى أَن ذَلِك مِمَّا لم يظْهر على يَد غَيره وَغَايَة مَا فى الْبَاب أَنهم لَو علمُوا ظُهُور ذَلِك على يَد غَيره فَذَلِك لَا يُوجب الْعلم بِعَدَمِ ظُهُوره على يَده هُوَ لَكِن لَعَلَّه لَو تلاه عَلَيْهِم لقد علم أَنه مِمَّا لم يظْهر على يَده من جِهَة اشتماله على شرح أَحْوَال وَأُمُور وَأَحْكَام اخْتصّت بِأَسْبَاب ووقائع حدثت فى زمن النبى ﷺ
[ ٣٥٥ ]
لَو ذكرت بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره لقد كَانَ فِي نَفسه يعد لَغوا من القَوْل وسفها من الْكَلَام وَلَا كَذَلِك فى حق النبى ﵇ فَإِنَّهُ قد علم من جِهَة الْقطع أَن ذَلِك مِمَّا لم يظْهر على يَد غَيره بِنَاء على مَا احتف بِهِ من الْقَرَائِن القطعية والأمور اليقينية من نُزُوله على وفْق أَحْوَالهم ومطابقته لأقوالهم وَذَلِكَ كَمَا قى قصَّة بَرَاءَة عَائِشَة وذم أَبى لَهب وَمَا ورد من الْآيَات فِي يَوْم بدر وَأحد إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يمْتَنع تصَوره عِنْد كَونه كَاذِبًا فى دَعْوَاهُ بل البارى تَعَالَى يطبع على قلبه وعقله وَيخْتم على لِسَانه بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من إبيانه والتحدى بِهِ أصلا
وَأما غَيره من الْكتب الغريبة والأمور العجيبة من الرياضيات والهندسيات والحسابيات والأمور الَّتِى لَا يُمكن الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا فقد قيل إِن مُسْتَند إظهارها وَسبب اشتهارها لَيْسَ إِلَّا من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَغَايَة مَا زيد فِيهَا تتميم وترتيب وَلَو قدر أَنَّهَا مِمَّا لم يظْهر على يدى نبى فَلَا إِحَالَة فى ذَلِك لما سلف وَعند التحدى بهَا وَثُبُوت كَونهَا خارقة يجب القَوْل بالتصديق وَالْقَبُول بالتحقيق لكَون مَا ظهر على يَده نازلا منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بِخلق الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك على يَده واقترانه بدعوته كَمَا سبق
ثمَّ إِن ذَلِك لَازم للخصم إِن كَانَ كتابيا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظهر على يَد نبيه من المعجزات والآيات وَلَا مخلص لَهُ مِنْهُ
وَمَا قيل من آحَاد المعجزات الَّتِى أَشَرنَا إِلَيْهَا من انْشِقَاق الْقَمَر وتسبيح
[ ٣٥٦ ]
الْحَصَى وَنَحْوه لم يثبت بطرِيق متواتر فبعيد فَإنَّا نعلم ضَرُورَة أَن مَا من عصر من الْأَعْصَار إِلَّا وَأَصْحَاب الْأَخْبَار وأرباب الْآثَار وَأهل السّير والتواريخ قوم لَا يتَصَوَّر مِنْهُم التواطؤ على الْكَذِب عَادَة وهم بأسرهم متفقون على نقل آحَاد هَذِه الْأَعْلَام وَكَذَا فِي كل عصر إِلَى الصَّدْر الأول
ثمَّ وَلَو سلم ذَلِك فى الْآحَاد فَلَا محَالة أَن عُمُوم وُرُودهَا يُوجب الْعلم بصدور المعجزات عَنهُ وَظُهُور الخوارق عَنهُ جملَة كَمَا نعلم بِالضَّرُورَةِ شجاعة عنتر وكرم حَاتِم لِكَثْرَة مَا رَوَاهُ النقلَة عَنْهُمَا من أَحْوَال مُخْتَلفَة تدل على كرم هَذَا وشجاعة هَذَا وَإِن كَانَ نقل كل حَالَة مِنْهُمَا نقل آحَاد لَا نقل تَوَاتر
وَأما الرَّد على العنانية فِيمَا تقولوه وإبطالهم فِيمَا تخرصوه فَهُوَ أَنهم مَعَ عجزهم عَن صِحَة السَّنَد فى متن الحَدِيث مُخْتَلفُونَ فَإِن مِنْهُم من قَالَ الحَدِيث هُوَ قَوْله إِن أطعتمونى لما أَمرتكُم بِهِ ونهيتكم عَنهُ ثَبت ملككم كَمَا ثبتَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ فى ذَلِك مَا يدل على دوَام الْملك فَلَيْسَ ذَلِك ينافى النّسخ ثمَّ هُوَ مَشْرُوط بِطَاعَتِهِ والائتمار بمأموراته والإنتهاء عَن منهياته وَذَلِكَ مِمَّا لَا يتَحَقَّق فى حَقهم بعده ثمَّ وَإِن قدر أَن الْمَنْقُول هُوَ قَوْله هَذِه الشَّرِيعَة لَازِمَة لكم خَاتِمَة عَلَيْكُم
[ ٣٥٧ ]
فَلَا مَانع من أَن يكون ذَلِك مَشْرُوطًا بِعَدَمِ ظُهُور نبى آخر وَيكون هُوَ المُرَاد بِاللَّفْظِ وَمَعَ تصور هَذَا الِاحْتِمَال فَلَا يَقِين
وَأما استبعاد أَن يكون الشئ الْوَاحِد حسنا قبيحا طَاعَة مَعْصِيّة مصلحَة مفْسدَة مرَادا غير مُرَاد فقد أَشَرنَا إِلَى إبِْطَال مُسْتَند هَذِه الْأُصُول وَنَبَّهنَا على زيف جَمِيع هَذِه الْفُصُول من التحسين والتقبيح ورعاية الصّلاح والأصلح وَدلَالَة الْأَمر على الْإِرَادَة بِمَا فِيهِ مقنع وكفاية
ثمَّ إِنَّه لَا يبعد صُدُور الْأَمر من الله تَعَالَى نَحْو الْمُكَلّفين بِفعل شئ مُطلقًا فى وَقت وَيكون ذَلِك ممدودا فى علم الله إِلَى حِين مَا علم أَنه ينسخه عِنْده لعلمه بِأَن مصلحَة الْمُكَلف فى ذَلِك الْأَمر لاعْتِقَاده لموجبه وكف نَفسه عَمَّا يغويه ثمَّ يقطع عَنهُ التَّكْلِيف فى الْوَقْت الذى علم أَنه سينسخه عِنْده لعلمه بِمَا فِيهِ من الْمصلحَة وكف الْمفْسدَة ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ وَيكون ذَلِك الْفِعْل نَفسه بِالْإِضَافَة إِلَى وَقت مُتَعَلق الْمصلحَة وَالْحسن والإرادة وبالإضافة إِلَى غَيره مُتَعَلق الْقبْح والمفسدة وَالْكَرَاهَة وَذَلِكَ كَمَا أَمر بالصيام نَهَارا وَنهى عَنهُ لَيْلًا وَنَحْو ذَلِك
[ ٣٥٨ ]
وعَلى هَذَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ من البداء والندم فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يكون أَن لَو انْكَشَفَ لَهُ فى ثانى الْحَال مَا أوجب لَهُ الْمَنْع عَن الْفِعْل والنهى عَنهُ وَلم يكن قد حصل ذَلِك لَهُ أَولا وَمن اسْتعْمل من الْأَصْحَاب لفظ الرّفْع فى النّسخ فَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ غير قطع اسْتِمْرَار مَا كَانَ لَهُ من الْقُوَّة والاستحكام وَأَن يبْقى لَوْلَا النَّاسِخ وَذَلِكَ على وزان قطع حكم عقد البيع الْمُطلق المستحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَسْخ وَهَذَا لَيْسَ بِرَفْع لما وجد وَلَا لما لم يُوجد وَلَا معنى للنسخ عِنْد الْإِطْلَاق بِهِ إِلَّا هَذَا فقد بَطل إِذا مَا تخيلوه وَفَسَد مَا توهموه
وَلَا يتوهمن إِضَافَة قطع الِاسْتِمْرَار إِلَى الْكَلَام الذى هُوَ صفة الرب الْكَرِيم فَإِن الْعَدَم عَلَيْهِ مُسْتَحِيل بل المُرَاد إِنَّمَا هُوَ قطع تعلقه بالمكلف وكف الْخطاب عَنهُ وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل
وَأما العيسوية فَيمْتَنع عَلَيْهِم بعد التَّسْلِيم بِصِحَّة رسَالَته وَصدقه فى دَعوته إِلَّا الإذعان لكلمته إِذْ لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بتخصيص بعثته إِلَى الْعَرَب دون غَيرهَا من الْأُمَم مَعَ مَا اشْتهر عَنهُ وَعلم بِالضَّرُورَةِ وَالنَّقْل الْمُتَوَاتر من دَعوته إِلَى كَلمته طوائف الْجَبَابِرَة وَغَيرهم من الاكاسرة وتنفيذه إِلَى أقاصى الْبِلَاد وملوك الْعباد وقتال من عانده ونزال من جاحده ثمَّ ذَلِك مُعْتَمد على سَنَد الصَّدْر الأول من الْمُسلمين
[ ٣٥٩ ]
مَعَ علمنَا بِأَن ذَلِك الجم الْغَفِير وَالْجمع الْكثير مِمَّن لَا يتَصَوَّر عَلَيْهِم التواطؤ على الْبَاطِل عَادَة لَا سِيمَا لما كَانُوا عَلَيْهِ من شدَّة الْيَقِين ومراعاة الدّين فَلَو لم يعلمُوا مِنْهُ ضَرُورَة أَنه مَبْعُوث إِلَى النَّاس كَافَّة وَإِلَى الْأُمَم عَامَّة من الْأسود والأبيض وَإِلَّا لما نقلوا ذَلِك رِعَايَة للدّين مَعَ أَنه ترك الدّين وَكَذَلِكَ أَيْضا من جَاءَ من بعدهمْ على سنتهمْ وهلم جرا إِلَى زمننا هَذَا وَلَو لم يكن نَبيا على الْعُمُوم لزم أَن يكون قد كذب فى دَعْوَاهُ وأبطل فِيمَا أَتَاهُ وَذَلِكَ محَال فى حق الْأَنْبِيَاء وَحقّ من ثَبت عصمتهم بالمعجزات وقواطع الْآيَات
وعَلى هَذَا النَّحْو ثُبُوت كَونه خَاتم النَّبِيين وَآخر الْمُرْسلين حَيْثُ قَالَ لَا نبى بعدى وتنزل الْكتاب الْعَزِيز بمصداق ذَلِك تَشْرِيفًا لَهُ وتكريما فَقَالَ ﴿وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَعلم ذَلِك فِيمَا مضى من أهل عصره وَلم يزل تتناقلة الْأُمَم والأعصار فى سَائِر الأقطار وَمن لَا يتَصَوَّر عَلَيْهِم التواطؤ على الْكَذِب وَاللَّهْو واللعب وَعلم ذَلِك ضَرُورَة من قَوْله وكتابته فَلَا سَبِيل إِلَى جَحده سمعا وَإِن كَانَ ذَلِك جَائِزا عقلا
وَهَذَا آخر مَا أردنَا ذكره من النبوات وَالْأَفْعَال الخارقة للعادات
والتوكل على رب الْخيرَات
[ ٣٦٠ ]
القانون الثَّامِن فى الْإِمَامَة