وقوله: «كتابُ التَّوحيدِ» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هذا كتاب التوحيد)، أو مبتدأ لخبر محذوف تقديره: (كتاب التوحيد هذا موضعه)، ويجوز غير ذلك.
و«كتاب» مصدر كتب يكتب كتابًا وكتابةً وكَتْبًا (١)، ويكون بمعنى مكتوب «أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر» (٢).
و«التَّوحيد» لغة: مصدر وَحَّدَ يُوَحِّد توحيدًا، أي: جعل الشيءَ واحدًا، وأصل التوحيد في اللغة إفراد الشيء عن غيره (٣).
وشرعًا: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (٤).
وقد قسم علماء أهل السنة والجماعة التوحيد إلى ثلاثة أقسام (٥):
الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله تعالى بما يختص به من الخلق، والملك، والتدبير، والرَّزْق والإحياء والإماتة، ونحوها من خصائص ربوبيته.
وهذا القسم من التوحيد أقرَّ به المشركون الأوائل ولم ينكروه، لكنهم لم يدخلوا به في الإسلام؛ لأنهم لم يفردوا الله بالعبادة.
_________________
(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٨٨)، والصحاح للجوهري (١/ ٢٠٨)، ولسان العرب (١/ ٦٩٨).
(٢) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص (١١).
(٣) ينظر: لسان العرب (٣/ ٤٥٠)، والقاموس المحيط ص (٣٢٤).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ١١).
(٥) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٤).
[ ٣٥ ]
الثاني: توحيد الألوهية (١): وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، كالدعاء والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والإنابة وغيرها من أنواع العبادة.
وهذا التوحيد هو أعظم أنواع التوحيد وأهمها على الإطلاق؛ لأنه الغاية التي خُلِقَ من أجلها الإنسان، وهو الذي أُنزلت من أجله الكتب وأُرسلت الرسل.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في الكتاب والسنة، اسمًا ومعنًى وحُكْمًا، من غير تحريف ولا تكييف، ولا تعطيل ولا تمثيل.
وهذا التوحيد ضلت فيه كثير من الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرها.
وقَسَّم ابن القيم - ﵀ - التوحيد إلى قسمين (٢):
الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويسمى أيضًا: (التوحيد العلمي الخبري)، ومعناه: إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، والإخبار عنه سبحانه وعن صفاته وأفعاله وأسمائه، كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر رسول الله - ﷺ - عنه.
الثاني: توحيد الطلب والقصد: ويسمى أيضًا: (التوحيد الإرادي الطلبي): وهو نظير توحيد الألوهية في التقسيم السابق، ويحمل التعريف نفسه.
_________________
(١) ويقال له أيضًا: (توحيد العبادة)، فباعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة. ينظر: القول المفيد (١/ ١٤).
(٢) ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٤١٧).
[ ٣٦ ]
فالقسم الأول في هذا التقسيم اشتمل على توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والقسم الثاني: هو توحيد الألوهية؛ وبهذا نعلم أنه لا تعارض بين هذين التقسمين، فالأول مفصل، والثاني مجمل، وذاك باعتبار، وهذا باعتبار آخر.