تعليق التمائم هل هو من الشرك الأكبر أم الأصغر؟
الجواب فيها تفصيل: «فمنها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين.
ومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك.
وأما التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية طيبة محترمة فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم؛ ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل بها المواضع القذرة» (١).
والرقى على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الرقية المشروعة: وهي ما اجتمع فيها ثلاثة أمور:
الأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو صفاته أو ما أثر عن النبي - ﷺ -.
الثاني: أن تكون باللسان العربي.
الثالث: أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها بل بإذن الله.
وقد أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع هذه الشروط، كما حكاه عدد من المحققين (٢).
القسم الثاني: الرقية الممنوعة: وهي ما اختلَّ فيها شرط من شروط الرقية المشروعة، وهي على نوعين:
_________________
(١) القول السديد ص (٣٦ - ٣٨). وسيأتي بسط الخلاف في هذه المسألة.
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٩٥).
[ ١٠٦ ]
النوع الأول: الرقية الشركية: وهي التي يستعان فيها بغير الله، فيذكر فيها أسماء الجن وغيرهم من الخلق، وقد تكون بغير العربية ولكن يُتيقن أنها تتضمن الاستعانة بالجن وذكر أسمائهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «الرقى؛ والعزائم الأعجمية: هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون؛ ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك» (١).
وقال في موضع آخر: «إن المشركين يقرؤون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة للجن وتعظيم لهم، وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن؛ ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك وإن لم يعرف الراقي أنها شرك» (٢).
وجاء بيان هذا النوع من الرقى في أحاديث كثيرة، منها:
حديث عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ -، قال: «كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٦٢).
(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣).
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٢٧) رقم (٢٢٠٠).
[ ١٠٧ ]
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَشيرٍ اَلأَنْصَارِيِّ - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ،
•---------------------------------•
حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (١).
النوع الثاني: الرقية البدعية: وهي التي تكون على صفة مخالفة للرقية المشروعة، ولكنها لم تشتمل على شرك، كالرقية باللسان غير العربي، أو بما لا يعرف معناه؛ لأنها مظنة أن يدخلها شرك أو كفر.
قال السعدي - ﵀ - في معرض حديثه عن الرقى والتمائم: «منها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين ومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك» (٢).
«فِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري وصحيح مسلم (٣).
«عَنْ أَبِي بَشيرٍ اَلأَنْصَارِيِّ - ﵁ -» صحابي ممن شهد الخندق، وهو مشهور بكنيته، وقد اختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، فقيل: قيس بن عبيد من بني النجار، وقيل: لا يوقف له على اسم صحيح (٤).
«فَأَرْسَلَ رَسُولًا» قال ابن عبد البر - ﵀ -: «رواه روح بن عبادة عن مالك فسمى الرسول فقال فيه: (أرسل زيدًا مولاه) وهو عندي زيد بن حارثة» (٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٩) رقم (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٢/ ١١٦٦) رقم (٣٥٣٠)، وأحمد في المسند (٦/ ١١٠) رقم (٣٦١٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤١) رقم (٧٥٠٥)، وصححه.
(٢) القول السديد ص (٤٧).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ٥٩) رقم (٣٠٠٥)، ومسلم (٣/ ١٦٧٢) رقم (٢١١٥).
(٤) ينظر: الاستيعاب (٤/ ١٦١٠)، وأسد الغابة (٦/ ٣٠)، والإصابة (٧/ ٣٥).
(٥) التمهيد (١٧/ ١٦٠).
[ ١٠٨ ]
فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ».
•---------------------------------•
«أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ» كلمة (لَا يَبْقَيَنَّ): نهي مؤكَّد بنون التوكيد الثقيلة، والأصل في النهي التحريم.
وقوله: «رَقَبَةِ بَعِيرٍ» البعير: يطلق على الذكر والأنثى من الإبل، وجمعه أبعرة، وأَباعِرُ، وبُعْرانٌ (١).
وقوله: «رَقَبَةِ بَعِيرٍ» خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب عند العرب تعليق بعض الأشياء على رقبة البعير يعتقدون أنها تدفع العين عنه؛ ولذلك فالنهي يشمل التعليق على البعير أو غيره، وسواء كان التعليق على الرقبة أو أي موضع.
«قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلادَةٌ» شك من الراوي، والأولى أرجح؛ لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلُّق بما ليس بسبب، والتعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك؛ لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سببا لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي - ﷺ - أن تقطع هذه القلائد. أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام؛ فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد (٢).
وقوله: «وَتَرٍ» المراد به وتر القوس، وقد كان الناس يقلدون الإبل أوتارًا لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئًا (٣).
_________________
(١) ينظر: الصحاح (٢/ ٥٩٣)، ولسان العرب (٤/ ٧١).
(٢) القول المفيد (١/ ١٧٩).
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٢).
[ ١٠٩ ]
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شركٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
•---------------------------------•
«إِلَّا قُطِعَتْ» فيه دلالة على وجوب قطع كل ما عُلِّق لأجل دفع العين ونحوها من الآفات؛ لأنه لا يرد الضرر ولا يدفعه إلَّا الله سبحانه.
ومناسبة الحديث للباب: هي أن القلائد التي تعلق على رقبة البعير من التمائم المنهي عنها؛ ولهذا جاء الأمر بقطعها.
«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديثه عند أحمد وأبي داود (١)، وإسناده ضعيف.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ١١٠) رقم (٣٦١٥)، ومن طريقه ابنه عبد الله في السنة (١/ ٣٦٦) رقم (٧٩٢) وأبو داود في سننه (٤/ ٩) رقم (٣٨٨٣)، وأبو بكر الخلال في السنة من طريق أحمد أيضًا (٥/ ١٨) رقم (١٤٩٤)، والطبراني في الدعاء للطبراني ص (٣٣٧) رقم (١١٠٦)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٧٤٤) رقم (١٠٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٨) رقم (١٩٦٠٣) من طريق أبي داود، والبغوي في شرح السنة (١٢/ ١٥٦) رقم (٣٢٤٠) من طريق أبي معاوية، وابن ماجه في سننه (٢/ ١١٦٦) رقم (٣٥٣٠) من طريق عبد الله بن بشر، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٩/ ١٣٣) رقم (٥٢٠٨)، ثلاثتهم (أبو معاوية، وعبد الله بن بشر، وأبو يعلى) عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى ابن الجزار، عن ابن أخت زينب امرأة عبد الله بن مسعود، عن زينب، عن ابن مسعود، مرفوعًا، بألفاظ مختلفة، بعضها مطولًا وبعضها مختصرًا، وليس عند الطبراني في الدعاء قوله: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ». وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٦٣) رقم (٨٢٩٠) من طريق محمد بن مسلمة الكوفي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب، عن ابن مسعود مرفوعًا. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٦) رقم (٦٠٩٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢١٣) رقم (١٠٥٠٣) من طريق فضيل بن عمرو، عن يحيى بن الجزار قال: «دَخَلَ عَبْدُ الله عَلَى امْرَأَةٍ وَفِي عُنُقِهَا شَيْءٌ مُعَوَّذٌ، فَجَذَبَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أَصْبَحَ آلُ عَبْدِ الله أَغْنِيَاءَ أَنْ =
[ ١١٠ ]