وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦].
•---------------------------------•
واعلم يا طالب العلم أن «رَحَى العبودية تدور على خمسَ عشرةَ قاعدةً، من كَمَّلَها كَمَّلَ مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح» (١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ «دلت هذه الآية على أنَّ الحكمة في إرسال الرسل: دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين، وإن اختلفت شرائعهم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]» (٢).
ومن الحكم في إرسال الرسل أيضًا:
٢ - إقامة الحجة: قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
٣ - الرحمة: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
٤ - بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى؛ لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلَّا عن طريق الرسل.
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٢٩).
(٢) فتح المجيد ص (١٧).
[ ٣٩ ]
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [الإسراء: ٢٣].
•---------------------------------•
وقد دلت الآية أيضًا على وجوب الكفر بما يعبد من دون الله، وهو الشرط الثاني من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وقد سبق الحديث عن هذه الشروط في شروح سابقة (١).
والطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحَدِّ في كل شيء.
وقد عرفه ابن القيم - ﵀ - بقوله: «الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت» (٢).
والآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به (٣).
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، أي: أَمَر وألزم وأوجب أن يفرد ﷾ وحده بالعبادة.
وهذه الآية أفادت حصر العبادة لله وحده بطريق النفي والإثبات، مقررةً بذلك معنى (لا إله إلا الله)، فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ في معنى (إلا الله).
_________________
(١) ينظر: التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية ص (٢٦).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٠).
(٣) القول المفيد (١/ ٣١ و٣٢).
[ ٤٠ ]