٩ - أما بعد فقد تكَرر السُّؤَال من كثير عَن حكم الاحتفال بمولد النَّبِي ﷺ وَالْقِيَام لَهُ فِي أثْنَاء ذَلِك وإلقاء السَّلَام عَلَيْهِ وَغير ذَلِك مِمَّا يفعل فِي الموالد وَالْجَوَاب أَن يُقَال لَا يجوز الاحتفال بمولد الرَّسُول ﷺ وَلَا غَيره لِأَن ذَلِك من الْبدع المحدثة فِي الدّين لِأَن الرَّسُول ﷺ لم يَفْعَله وَلَا خلفاؤه الراشدون وَلَا غَيرهم منالصحابة رضوَان الله عَلَيْهِم وَلَا التابعون لَهُم بِالْإِحْسَانِ فِي الْقُرُون المفضلة وهم أعلم النَّاس بِالسنةِ وأكمل حبا لرَسُول الله ﷺ ومتابعة لشرعه مِمَّن بعدهمْ وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ
[ ٣٥ ]
فَهُوَ رد أَي مَرْدُود عَلَيْهِ وَقَالَ فِي حَدِيث آخر عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة فَفِي هذَيْن الْحَدِيثين تحذير شَدِيد من إِحْدَاث الْبدع وَالْعَمَل بهَا وَقد قَالَ ﷾ فِي كِتَابه الْمُبين وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا (١) وَقَالَ ﷿ فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم (٢) وَقَالَ سُبْحَانَهُ لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يرجوا الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا (٣) وَقَالَ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا
[ ٣٦ ]
ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (١) وَقَالَ تَعَالَى الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا (٢) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وإحداث مثل هَذِه الموالد يفهم مِنْهُ أَن الله سُبْحَانَهُ لم يكمل الدّين لهَذِهِ الْأمة وَأَن الرَّسُول ﵊ لم يبلغ مَا يَنْبَغِي للْأمة أَن تعْمل بِهِ حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ فأحدثوا فِي شرع الله مَا لم يَأْذَن بِهِ زاعمين أَن ذَلِك مِمَّا يقربهُمْ إِلَى الله وَهَذَا بِلَا شكّ فِيهِ خطر عَظِيم وَاعْتِرَاض على الله سُبْحَانَهُ وعَلى رَسُوله ﷺ وَالله سُبْحَانَهُ قد أكمل لِعِبَادِهِ الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة وَالرَّسُول ﷺ قد بلغ الْبَلَاغ الْمُبين وَلم يتْرك طَرِيقا يُوصل إِلَى الْجنَّة ويباعد من النَّار إِلَّا بَينه للْأمة كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بعث الله من نَبِي إِلَّا كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن يدل أمته على خير مَا يُعلمهُ لَهُم وَيُنْذرهُمْ شَرّ مَا
[ ٣٧ ]
يُعلمهُ لَهُم رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَمَعْلُوم أَن نَبينَا ﷺ هُوَ أفضل الْأَنْبِيَاء وخاتمهم وأكملهم بلاغا وَنصحا فَلَو كَانَ الاحتفال بالموالد من الدّين الَّذِي يرضاه الله سُبْحَانَ لبينه الرَّسُول ﷺ للْأمة أَو فعله فِي حَيَاته أَو فعله أَصْحَابه ﵃ فَلَمَّا لم يَقع شَيْء من ذَلِك علم أَنه لَيْسَ من الْإِسْلَام فِي شَيْء بل هُوَ من المحدثات الَّتِي حذر الرَّسُول ﷺ مِنْهَا أمته كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي الْحَدِيثين السَّابِقين وَقد جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا أاديث أُخْرَى مثل قَوْله ﷺ فِي خطْبَة الْجُمُعَة أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ الإِمَام مُسلم فِي صَحِيحه والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثْرَة وَقد صرح جمَاعَة من الْعلمَاء بإنكار الموالد والتحذير مِنْهَا عملا بالأدلة الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا وَخَالف بعض الْمُتَأَخِّرين فأجازها إِذا لم تشْتَمل على شَيْء من الْمُنْكَرَات كالغلو فِي رَسُول الله ﷺ وكاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال آلَات الملاهي وَغير ذَلِك مِمَّا يُنكره الشَّرْع المطهر وظنوا أَنَّهَا من الْبدع الْحَسَنَة وَالْقَاعِدَة
[ ٣٨ ]
الشَّرْعِيَّة رد مَا تنَازع فِيهِ النَّاس إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَ الله ﷿ يأيها الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا (١) وَقَالَ تَعَالَى وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله (٢) وَقد رددنا هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي الاحتفال بالموالد إِلَى كتاب الله سُبْحَانَهُ فوجدناه يَأْمُرنَا بِاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ ويحذرنا عَمَّا نهى عَنهُ ويخبرنا بِأَن الله سُبْحَانَهُ قد أكمل لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَلَيْسَ هَذَا الاحتفال مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فَيكون لَيْسَ من الدّين الَّذِي أكمله الله لنا وأمرنا بِاتِّبَاع الرَّسُول فِيهِ وَقد رددنا ذَلِك أَيْضا إِلَى سنة الرَّسُول ﷺ فَلم نجد فِيهَا أَنه فعله وَلَا أَمر بِهِ وَلَا فعله أَصْحَابه ﵃ فَعلمنَا بذلك أَنه لَيْسَ من الدّين بل هُوَ من الْبدع المحدثة وَمن التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي أعيادهم
[ ٣٩ ]
وَبِذَلِك يَتَّضِح لكل من لَهُ أدنى بَصِيرَة ورغبة فِي الْحق وإنصاف فِي طلبه أَن الاحتفال بالموالد لَيْسَ من دين الْإِسْلَام بل هُوَ من الْبدع المحدثات الَّتِي أَمر الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله ﷺ بِتَرْكِهَا والحذر مِنْهَا وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يغتر بِكَثْرَة من يَفْعَله من النَّاس فِي سَائِر الأقطار فَإِن الْحق لَا يعرف بِكَثْرَة الفاعلين وَإِنَّمَا يعرف بالأدلة الشَّرْعِيَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين (١) وَقَالَ تَعَالَى وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله (٢) الْآيَة ثمَّ إِن غَالب هَذِه الاحتفالات بالموالد مَعَ كَونهَا بِدعَة لَا تخلوا من اشتمالها على مُنكرَات أُخْرَى كاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال الأغاني وَالْمَعَازِف وَشرب المسكرات والمخدرات وَغير ذَلِك من الشرور وَقد يَقع فِيهَا مَا أعظم من ذَلِك وَهُوَ الشّرك الْأَكْبَر وَذَلِكَ بالغلو فِي رَسُول الله
[ ٤٠ ]
ﷺ أَو غَيره من الْأَوْلِيَاء ودعائه والاستغاثة بِهِ وَطَلَبه المدد واعتقاد أَنه يعلم الْغَيْب وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الكفرية الَّتِي يتعاطها الْكثير من النَّاس حِين احتفالهم بمولد النَّبِي ﷺ وَغَيره مِمَّن يسمونه بالأولياء وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والغلو فِي الدّين فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الغلو فِي الدّين وَقَالَ ﵊ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم إِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله خرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عمر ﵁ وَمن الْعَجَائِب أَن الْكثير من النَّاس ينشط ويجتهد فِي حَضَرُوهُ هَذِه الاحتفالات المبتدعة ويدافع عَنْهَا ويتخلف عَمَّا أوجب الله عَلَيْهِ من حُضُور الْجمع وَالْجَمَاعَات وَلَا يرفع بذلك رَأْسا وَلَا يرى أَنه أَتَى مُنْكرا عَظِيما وَلَا شكّ أَن ذَلِك من ضعف الْإِيمَان وَقلة البصيرة وَكَثْرَة مَا ران على الْقُلُوب من صنوف الذُّنُوب والمعاصي نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا ولسائر الْمُسلمين وَمن ذَلِك أَن بَعضهم يظنّ أَن رَسُول الله ﷺ يحضر المولد وَلِهَذَا يقومُونَ لَهُ محيين ومرحبين وَهَذَا من أعظم الْبَاطِل وأقبح
[ ٤١ ]
الْجَهْل فَإِن الرَّسُول ﷺ لَا يخرج من قَبره قبل يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يتَّصل بِأحد من النَّاس وَلَا يحضر اجْتِمَاعهم بل هُوَ مُقيم فِي قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وروحه فِي أَعلَى عليين عِنْد ربه فِي دَار الْكَرَامَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون (١) وَقَالَ النَّبِي ﷺ أَنا أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر يَوْم الْقِيَامَة وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع عَلَيْهِ من ربه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة والْحَدِيث الشريف وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا من الْآيَات وَالْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن النَّبِي ﷺ وَغَيره من الْأَمْوَات إِنَّمَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمُسلمين لَيْسَ فِيهِ نزاع بَينهم فَيَنْبَغِي لكل مُسلم التنبه لهَذِهِ الْأُمُور والحذر مِمَّا أحدثه الْجُهَّال وأشباههم من الْبدع والخرافات الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ
[ ٤٢ ]
أما الصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله ﷺ فَهِيَ من أفضل القربات وَمن الْأَعْمَال الصَّالِحَات كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا (١) وَقَالَ النَّبِي ﷺ من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا وَهِي مَشْرُوعَة فِي جَمِيع الْأَوْقَات ومتأكدة فِي آخر كل صَلَاة بل وَاجِبَة عِنْد جمع من أهل الْعلم فِي التَّشَهُّد الْأَخير من كل صَلَاة وَسنة مُؤَكدَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهَا مَا بعد الْأَذَان وَعند ذكره ﵊ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة وليلتها كَمَا دلّت على ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة وَالله الْمَسْئُول أَن يوفقنا وَسَائِر الْمُسلمين للفقه فِي دينه والثبات عَلَيْهِ وَأَن يمن على الْجَمِيع بِلُزُوم السّنة والحذر من الْبِدْعَة إِنَّه جواد كريم وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ١١٨٣
[ ٤٣ ]