لقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ حكيما في دعوته إلى الله تعالى، وفي تعليم الناس ممتثلا قوله ﷾: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ (^١) فكان يترفق بالجاهل ويتواضع للمتعلم ويلتمس أفضل السبل لتوصيل دعوته، وقد أثابه الله تعالى على حسن صنيعه فكان لدعوته أبلغ الأثر ولتعليمه أكبر النفع، ولا غرابة حينئذ أن يشهد له طلابه بأنهم لم يروا في معلميهم أحسن منه تعليما.
وقد ذكر شيخنا عبد الله بن قعود - حفظه الله - أنه كان أحد ثمانية طلاب هم الدفعة الأولى بالمعهد العالي للقضاء أول افتتاحه حيث كان الشيخ عبد الرزاق مدير المعهد وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي مدرسا فيه، وهؤلاء الطلاب هم الآن من أعمدة هيئة كبار العلماء.
فيذكر الشيخ ابن قعود أنه بالرغم من سعة علم شيخهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، فإن معظم استفادتهم وتكوينهم العلمي كان على يد الشيخ عبد الرزاق بسبب أن الشيخ محمد الأمين كان كثير الاستطراد فيخرج كثيرا عن موضوع الدرس إلى أبحاث لغوية، أو أصولية، أو غيرها مما يقطع تسلسل المعلومات، بخلاف الشيخ عبد الرزاق الذي كان يلخص لهم موضوع الدرس في نقاط مرتبة مسلسلة فلا ينتهي الدرس إلا وقد حفظه الطلاب أو كادوا - رحمة الله على الجميع - ويذكر الشيخ ابن قعود حفظه الله أيضا أنه في بعض الأحيان كان
_________________
(١) سورة النحل، الآية ١٢٥
[ ٨٣ ]
يتغيب بعض المدرسين فيدخل الشيخ عبد الرزاق ويسألهم ما درسكم اليوم: فيقولون: درس كذا في أي علم من العلوم، فيشرحه الشيخ عبد الرزاق بدون إعداد شرحا أفضل من شرح المدرس الأصلي.
وقد سمعت الشيخ عبد الرزاق ﵀ وقد سأله سائل: بماذا تنصح لطلبة العلم والدعاة؟ فأجاب قائلا:
«الدعاة يدعون إلى ما تعلموا، ويبدؤون بالتدريج بالأهم فالأهم، فالعقيدة قبل الفروع كما فعل الرسل وينتهز الفرص، كذلك طلبة العلم كما يبدؤون غيرهم بالدعوة إلى التوحيد، ويبدؤون بتعلم التوحيد قبل الفروع. والرسل لم يتعرضوا للفروع في أول الأمر إلا الفروع الشديدة التي تتفشى فيها المخالفة، فشعيب ﵇ حذر من نقصان الكيل، ولوط ﵇ حذر من الفاحشة، وهذان الأمران يتصلان بالأخلاق والأخلاق قرينة التوحيد.
وفي الفروع يتدرج، فالربا لم ينزل تشريعه إلا في آخر التشريع، وشرب الخمر كان تركه صعبا فتأخرت الدعوة إلى تحريمه.
وفي الدعوة للعقيدة تدرج فالرسول ﷺ لم ينه الصحابة عن الحلف بغير الله إلا مؤخرا إلا من باب الوسائل، وفي هذه الحالة إذا رأى منكرا لم يأت الوقت لبيان حكمه يسكت ولكن لا يدعو إلى المنكر» أ. هـ.
وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يخطب في مسجد أنصار السنة في مصر أيام الملك فاروق عن قصة موسى ﵇، ويحض من خلالها على اتباع داعية الحق، ويلمح تلمحيات يفهمها الحاضرون، وفي نفس الوقت لا يمكن أن تؤخذ عليه، وقد ذكر جماعة من تلاميذ الشيخ مواقف رأوها منه تتجلى فيها حكمته في الدعوة.
فمن ذلك: ما سبق نقله في الفصل الأول عن سيرته بمصر في المرحلة الرابعة
[ ٨٤ ]
بالأسكندرية. ارجع إليها ففيها أمثلة عظيمة على حكمته في الدعوة والتعليم. وإليك بعض ما كتب في ذلك:
يقول الدكتور - محمد لطفي الصباغ:
وقد حدثني ﵀ أنه أراد أن يحذر إخوانه في مصر من دجل الدجالين من القصاص والوعاظ الذين يأتون في دروسهم بالأقاصيص الممتعة التي تشد السامعين، وتمتعهم وتستحوذ على إعجابهم ولا أصل لها، والعامة هذا شأنهم في أغلب البلاد، فألقى عليهم درسا ملأه بمثل تلك الأقاصيص الغريبة فأعجبوا بالدرس واستمتعوا فلما رأى ذلك باديا على وجوههم سألهم: ما رأيكم؟ أهذا الدرس أحسن أم الدروس السابقة؟ قالوا: بل هذا. إنه درس جميل ممتع. فقال لهم: هذا غير صحيح. وما كنا عليه في دروسنا السابقة هو الصواب.
فأفهمهم بهذه الطريقة العملية أنه ليس عاجزا عن أن يأتي في دروسه بما يستحوذ على إعجابهم، ولكن الحق هو الذي ينبغي أن يكون رائد الموجه والعالم.
إن العالم ينبغي أن يكون مربيا مرشدا يقول الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، لا يداري ولا يتكلف التأويل ليسوغ للناس ما يحبون من الخرافات والأباطيل.
وقد ابتلى المسلمون من زمن بعيد بالقصاص الذين يملؤون مواعظهم بالأحاديث الموضوعة والواهية، ويأتون بالقصص الغريبة ولو كانت باطلة ليجعلوا الناس يقبلون عليهم فكان الشيخ ﵀ يحذر الناس من الوقوع في أحابيلهم.
وكان حكيما في تصرفاته يفرض احترامه على الآخرين مهما كان رأيهم فيه، فما كان يقدم على تصرف يعرضه إلى الحرج أو الانتقاد
[ ٨٥ ]
وكان بعيدا عن المراء والجدل الذي لا طائل من ورائه، ولا يخوض في الموضوعات التي لها حساسية ويتركها للآخرين.
وكانت له آراء خاصة في بعض المسائل العلمية لا يذكرها إلا للخاصة من أصحابه، ولا يسؤوه أن يكون هناك من يخالفه فيها، وإذا ذكرت الآراء المخالفة له أمامه لا ينفعل ولا يتشنج لأنها تخالفه بل يقول: لكل رأيه، وهذا خلق عظيم ما أحوج العلماء إليه.
لماذا نمنع أن يكون للعالم المؤهل للاجتهاد والنظر آراء تخالفنا؟ إن الحق ليس مقصورا على مذهب معين، ولا يحتكره ناس معينون، وقد يدرك المتأخر أمرا لم ينتبه إليه المتقدم.
ويقول الشيخ يوسف المطلق:
وكان يحذر من البدع ودعوته دائما ترى فيها الحكمة والموعظة الحسنة، وإذا رأى أحدا متلبسا بمنكر في لباسه أو هيئته قام بنصح عام بالتلميح، وضرب المثل حتى لا يدرك الحاضرون أنه يعني شخصا بعينه، بينما المقصود بالنصيحة يدركها ويخرج شاكرا مستيفدا.
وعرف الشيخ بالحياء والصمت إلا في حقه وكان طلابه يهابونه حياء ويقدرونه في أنفسهم.
ويقول الشيخ صفوت نور الدين - رئيس جماعة أنصار السنة بمصر -:
ولقد كان الشيخ - برحمه الله - مثالا يحتذى في الفتاوى دقة والتزاما، فقد جالسته سائلا مستفتيا كثيرا في مواسم الحج لأعوام متعددة، فكان يختار من الألفاظ المعبرة، ثم يبين التغير في المعنى إذا اختير غير هذا اللفظ، ولقد كان بالغ العناية باحترام أقوال إخوانه العلماء، فإذا صدرت الفتوى في مسألة، وله رأي مخالف، وسأله أحد عن هذه الفتوى أفتى بقول جماعة العلماء، ولو لم يكن
[ ٨٦ ]
هو رأيه، بل وجدته يحبس رأيه عن المستفتين إذا وجد أن هذا الرأى قد يحدث بينهم شقاقا، ولا يبرزه إلا لطلبة العلم الذين يعرفون الأدب عند الاختلاف وتوقير العلماء، وذلك هو شأن السلف الصالح، كقول علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (^١).
ويقول أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
وكان ﵀ منصفا في جدله العلمي يفرق بين صحة الدعوى ذاتها أو فسادها وبين صحة أو فساد البرهان المستدل به على الدعوى، ويرى أن فساد حجة ما لا يعني فساد المدعى، ولهذا تراه يناقشك في أدلتك أو اعتراضاتك، ثم يهلهلها مع أنه يوافقك في المدعى.
وتكوينه العلمي يعلم طلابه الحرية الفكرية. ولهذا فهو يرى النقاش في الدرس والأطروحات وسيلة للاستقلال الفكري بأن يكون الطالب قادرا على الاحتجاج والاعتراض .. أما صحة المذهب في ذاته فأمر مردود لاجتهاد طالب العلم خارج أسوار المعهد وفق ما لديه من حصيلة علمية وفطرية فكرية ونزاهة خلقية.
ويقول الشيخ يوسف الأطرم:
أما منهجيته فتمتاز بوضوح الكلام وقلته وتكييف المادة بحيث تصل إلى الأذهان من أول وهلة، بديع في تفكيك عبارة المؤلفين باختلاف المواد وإذا استغربنا ما سمعناه من المعاني التي لا ندركها بمجرد قراءة الكتاب وسألناه من أين هذا؟ قال: هذا من كتابكم لم آت بغريب.
وكانت دراسته في الفقه لى مذهب مالك ويدرسنا في المقنع على مذهب أحمد بكل سهولة، وكان للخلاف في الفقه عندنا روعة واستعظام حتى سألناه
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٧) موقوفا.
[ ٨٧ ]
من أين تأتي بهذا الكلام؟ فقال: ما قرأت غير كتابكم الذي بين أيديكم وهو المقنع. ثم أخذ يشرح لنا فقال: التدريس فهم الكتاب، وأهدافه، ومنهجيته، وأصول مذهبه. وضرب لنا مثلا في القصاص من السكران عند قول المؤلف: «وفي القصاص من السكران روايتان إذا تعمد السكر، فعند من قال فيه القصاص لاحظ أنه تعمد إزالة عقله، ومن قال: إنه ليس فيه قصاص؛ الحقه بمن زال عقله بعذر ومن هنا نشأ الخلاف»، ثم قال ﵀: هكذا كل خلاف يكون له مأخذان من الأدلة، والتنفيذ يكون حسب ما مشت عليه دارسة الفقيه في البلد من المذاهب الفقهية.
[ ٨٨ ]