البعث هو إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم يوم القيامة، ويسمى يوم الميعاد لإعادة الأرواح إلى الأبدان فتعود بهذا الحياة للأبدان، ويسمى يوم النشور، لانتشار المخلوقات إلى الموقف، ويسمى يوم الدين؛ لأن الناس يدانون فيه بأعمالهم، أي يجزون عليها.
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب الإيمان ببعث الأبدان بعد نفخ الأرواح فيها، كما جاءت شرائع الأنبياء السابقين بالأخبار عنه ووجوب الإيمان به، قال تعالى: مخاطبا آدم وزوجته وإبليس: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾، وقال: ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾، وقال تعالى في بيان دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾، وقال تعالى عن إبراهيم ﵊: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ويوم الدين هو يوم الحساب والجزاء، وقال تعالى لنبيه موسى ﵊: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى﴾، وأخبر تعالى عن أهل النار إذا قال لهم خزنتها: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾.
[ ٢٣١ ]
اعترفوا بأن الرسل تلت عليهم آيات ربهم وأنذرتهم اليوم الآخر، كما قال تعالى عنهم: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾، وأمر سبحانه نبيه محمدا ﵊ أن يقسم به على البعث والجزاء فقال: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾، وذم تعالى من يشك في يوم القيامة أو يكذب به أو يماري فيه قال تعالى: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾، وقال: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾، وقال: ﴿ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد﴾، وقال: في بيان جزاء الكافرين به: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا﴾.
ورد عليهم هذه الشبهة بدليل كوني عقلي بين فيه أن من قدر على خلق ما هو أعظم منهم كالسماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وقال: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقال: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾. واستدل على
[ ٢٣٢ ]
قدرته على الإعادة بقدرته على الخلق، فقال: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ وقال في بيان غفلة المكذبين عن النشأة الأولى أو تغافلهم عنها، وأنهم تذكروها، وتبصروا فيها ما وسعهم إلا أن يؤمنوا بيوم القيامة: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾، قال تعالى في بيان أن قيام الساعة ومجازاة العباد مقتضى حكمته، وكمال عدله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ وقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ أي لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وقال: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾.
بالجملة فكمال علمه يوجب ألا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وكمال حكمته يقتضي ألا يترك الناس سدى بلا أمر ولا نهي ولا شرع ولا ثواب ولا عقاب، ومعلوم أن ما حصل في الدنيا لا يكفي للجزاء فلا بد من يوم يتحقق فيه كمال عدل الله وحكمته في الفصل بين العباد، وهو اليوم الذي أعده الله لفصل القضاء بين العباد، وكمال قدرة الله يقتضي ألا يعجز الله شيء، فهو قادر على أن يعيد العظام والرفات والذرات بشرا سويا: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ إلى غير ما تقدم من نصوص القرآن الصريحة في
[ ٢٣٣ ]
البعث للأرواح والأبدان.
أما السنة فمنها حديث: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق، ومنه يركب»، وستأتي نصوص أخرى في تفاصيل ما يجري على العباد يوم القيامة، وهي متضمنة لقيام الساعة.
وأما جزاء الأعمال: فقد دل على ثبوته قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾.
أي يوم الجزاء على الخير والشر، وقال: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾، ودل على ثبوته الحديث القدسي الذي رواه أحمد، ومسلم من طريق أبي ذر الغفاري وفيه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
وأما العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب: فالمراد بذلك عرض العباد على الله وعرض كتب أعمالهم عليهم حين تتطاير صحف أعمالهم فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله، يقرأ كل ما في كتابه، ويحاسب على عمله، ويثاب المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، قال تعالى: ﴿وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾.
[ ٢٣٤ ]
وقال تعالى: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه﴾.
وقال تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾.
وروى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب».
ففهمت عائشة ﵂ من قوله ﷺ أولا عموم الهلاك لكل من حوسب، فكان الحديث معارضا ليسير الحساب في الآية وانقلاب من أخذ كتابه بيمينه إلى الذي ذكر في الآية مجرد عرض أعمال المؤمن عليه، وأن الحساب الذي ذكر في الحديث أريد به المناقشة في الحساب، فلا تعارض بين الآية والحديث.
وأما الصراط فمعناه في اللغة الطريق، ومعناه المقصود منه هنا الجسر الممتد
[ ٢٣٥ ]
على متن جهنم الذي يمر عليه العباد إذا انتهوا من الموقف إلى منازلهم في الجنة أو النار.
وهناك ظلمة دون الصراط يكون فيها الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، كما روى مسلم من طريق عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فقال: هم في الظلمة دون الجسر»، وفي هذه الظلمة يكون للمؤمنين نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيقول المنافقون لمن صدقوا في إيمانهم: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فإذا ما رجعوا حيل بينهم وبين المخلصين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، قال الله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾.
[ ٢٣٦ ]
والدليل من القرآن على الصراط قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ فإن المراد بالورود في الآية المرور على جهنم فوق الصراط، المضروب على متنها، ثم من الناس من يسقط، ومنهم من ينجو، قال تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾، ولا يلزم من المرور على الصراط فوقها دخول كل من مر في النار وتعذيبه بها، ولا يلزم أيضا من التعبير بالإنجاء دخول من أنجاهم الله فيها، فإنه يكفي في صحة التعبير بالإنجاء انعقاد أسباب الهلاك مع تخليص أهل الخير، كما في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾. وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا﴾ وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا﴾ فأخبر سبحانه بإنجائهم ولم يكن أصابهم ولا أصاب من آمن بهم شيء من العذاب الذي أهلك الله به من كذبهم وكفرهم، فكان توفر أسباب العذاب إجمالا كافيا لتصحيح التعبير بالإنجاء من الهلاك، وقال ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة -إلى أن قال-: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف ودحض مزلة، فيقال لهم:»
[ ٢٣٧ ]
«امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطوف، ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره إبهام قدمه، يجر يدا ويعلق يدا، يجر رجلا ويعلق رجلا، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، فقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا» رواه الحاكم من طريق عبد الله بن مسعود.
وأما الميزان فقد أخبر الله تعالى عنه وعن وزن الأعمال به لحكم كثيرة، منها: ظهور عدل الله تعالى لجميع عباده، قال الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾.
وقال: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه﴾ ﴿فهو في عيشة راضية﴾ ﴿وأما من خفت موازينه فأمه هاوية﴾.
وأخبر النبي ﷺ بوزن الأعمال، روى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان». وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على»
[ ٢٣٨ ]
«اللسان، حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، وجاء في حديث البطاقة المشهور أن البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله توضع في إحدى كفتي الميزان، وأن سجلات السيئات توضع في الكفة الأخرى فترجح كفة البطاقة وتطيش كفة سجلات السيئات لهذه الأدلة ذكر أهل السنة أن الميزان له كفتان، وأنه توزن فيه الأعمال وصحف الأعمال وأرباب الأعمال، والله أعلم.
وعلى كل حال يجب الإيمان بالوزن والميزان، وأن العبرة بالأعمال لا بالشخص نفسه، ولا بالصحف نفسها، إنما المعتبر في الوزن هو الأعمال في الرجحان والخفة، وشئون الآخرة من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها إثباتا ونفيا، فعلينا أن نؤمن بما صح من النقل في ذلك كتابا وسنة، ولا نعارضه بعقولنا، لقصورها عن إدراكه، ورحم الله امرأ عرف قدره، ولم يتجاوز حده، ومن أنكر ذلك أو تأول ما ورد فيه من النصوص فقد رام ما ليس إليه، ولا في دائرة تفكيره، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٢٣٩ ]