في أن المشركين كانوا يعلمون أن النبي - ﷺ - بعث بوجوب التوحيد، وبحرمة ضده من الشرك والتنديد إلا أنهم أبوا أن يقروا بأنه دين الله لتكبر السادة، وجهل الأتباع الذين هم تبع لتقريرات السادة والكبراء فكيف بصحابة النبي - ﷺ - هل يليق بهم الجهل بأصل دينهم، الذي عرفه أبو جهل، وأبو لهب، وأمية بن خلف ونحوهم.
قال الإمام الطبري مبينًا علم المشركين بالتوحيد: «وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، يقول: وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا: محمد ساحر كذاب أجعل محمد المعبودات كلها واحد يسمع دعاءنا جميعنا ويعلم عبادة كل عابد عبده منا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾: أي إن هذا لشيء عجيب.
كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعًا إله واحد ما سمعنا بها في الملة الآخرة» (١).
ولقد كان مشركو قريش إذا سمعوا التوحيد كفروا به، وإذا سمعوا الشرك آمنوا به، فهل يعقل أن يكفروا ويؤمنوا بشيء لا يعلمونه!!!
قال الإمام الطبري، إمام المفسرين -﵀-: (ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير).
وفي هذا الكلام متروك استغنى بدلالة الظاهر من ذكره عليه، وهو:
_________________
(١) تفسير الطبري (١٠/ ٥٥١).
[ ١٨١ ]
فأجيبوا: أن لا سبيل إلى ذلك، هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢]، فأنكرتم أن تكون الألوهية له خالصة، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
(وإن يشرك به تؤمنوا) يقول: وإن يجعل لله شريك تصدقوا من جعل ذلك له: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرًا له اليوم» (١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مؤكدًا على هذا المعنى في تفسير لقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤].
«يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله - ﷺ - بشيرًا ونذيرًا كما قال ﷿: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، وقال جل وعلا ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، أي بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟
أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله،
_________________
(١) تفسير الإمام الطبري (١١/ ٤٥).
[ ١٨٢ ]
فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم.
فلما دعاهم الرسول - ﷺ - إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك، وتجبروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٥، ٦]، وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد - ﷺ - من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه» (١).
فإذا عرفت هذا فأصغ سمعك لمجدد الدين في وقته، الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي اشتدت، وسوف تشتد محنته من أعداء الدين، ومن المشركين وأئمة الإرجاء الخبيث، اسمعه وهو يقرر علم المشركين، بدعوة النبي - ﷺ -، فكيف بأصحابه الكرام، ثم انتهى إلى أنه لا خير في رجل جهال المشركين أعلم منه بـ (لا إله إلا الله)، قال رحمه الله تعالى: «إن رسول الله - ﷺ - قاتلهم ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع
أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٥٣).
[ ١٨٣ ]