وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . [الدهر: ٧] . وقوله: ﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه﴾ [البقرة: ٢٧٠] .
وفي "الصحيح" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفُه إلى غيره شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
[ ٢٢٩ ]
شرح الباب ١١
باب في بيان ما يدل من الكتاب والسنة على أن من الشرك النذر لغير الله
أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ . [الإنسان: ٧] . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ . [البقرة: ٢٧٠] .
فإن قلت: ليس في الآيتين ما يدل على أن النذر شرك، قلت: دلتا على المقصود بالالتزام، لأن الله أثنى على الناذر الموفي وأقرهم على ذلك قضاء منه عبادة له فإذا إنه عبادة ففعله لغيره شرك وكفر.
قال الشيخ قاسم من الحنفية في شرح درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصالحين قائلًا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك كذا أو كذا باطل، إجماعًا لوجوه:
منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر: واعتقد هذا كفر إلى أن قال: إذا هذا فما يؤخذ من الدراهم أو الشمع والزيت ونحوها وينقل إلى ضريح الأولياء فحرام بإجماع المسلمين وقد ابتلي الناس بذلك فتأمل قوله: وقد ابتلي الناس بذلك.
قال أبو العباس ابن تيمية في أجوبة له: وأما النذر للقبور أو سكان القبور أو الكافين على القبور سواء كانت قبور الأنبياء أو الصالحين فهذا نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان سواء نذر زيت أو شمع أو غير ذلك، قال النبي ﷺ: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين
[ ٢٣٠ ]
عليها المساجد والسرج" ١. وقال ﷺ: "لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما فعلوا" ٢. وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" ٣. وقال: "اللهم لا نجعل قبري وثنًا يعبد من بعدي" ٤. وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا أن يعلق عليها الستور ولا أن ينذر لها النذور ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائن من كان، فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ . [نوح: ٣٢] .
قال السلف: هذه أسماء رجال صالحين فماتوا فعكفوا على قبورهم ثم عبدوهم، ومن نذر نذرًا لها لم يجز الوفاء به لما ثبت عن النبي ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ٥. وعليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ: "كفارة نذر كفارة يمين" ٦. إلى أن قال: ومن اعتقد أن النذر لها ينفع أو له أجر فهو
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) وابن ماجه (١٥٧٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا. ٢ أخرجه البخاري (١/٤٢٢) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس -﵄- مرفوعًا. ٣ أخرجه مسلم (٥٣٢) من حدث جندب مرفوعًا. ٤ أخرجه أحمد (٢/٢٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا. وإسناده صحيح. ٥ أخرجه البخاري (٦٦٩٦) وأبو داود (٣٢٨٩) والترمذي (١٥٢٦) والنسائي (٧/١٧) وابن ماجه (٢١٢٦) من حديث عائشة -﵂- مرفوعًا. ٦ أخرجه البخاري (٦٦٠٨) ومسلم (٣/١٣٦١ عبد الباقي) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
[ ٢٣١ ]
ضال جاهل، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ينهى عن النذر فقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج من البخيل" ١. ومن اعتقد أن النذر للقبور يكشف السوء أو يفتح الرزق أو يحفظه فإنه مشرك كافر قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ . [الإسراء: ٥٦] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٦٦٠٩) ومسلم (١٦٤٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
[ ٢٣٢ ]
إليه" ١. وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما الغضة هي النميمة القالة بين الناس"، رواه مسلم٢. ولهما عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحرًا" ٣. اختلفوا في تأويله فمنهم من حمله على الذم وذلك أنه ﷺ ذم التصنيع في الكلام والتكلف لتحسينه لتستمال قلوب السامعين به وإليه أصل السحر في كلامهم الصرف ويسمى السحر سحرًا لأنه مصروف عن جهته فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله وإن كان غير حق والمراد من صرف الكلام فضله وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة فيدخله الرياء ويخالطه الكذب، وأيضًا فإنه قد يحيد الشيء عن ظاهره ببيانه ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة التلبيس عليهم فيصير بمنزلة السحر الذي يلبس على الناس بتورية الشيء الذي لا حقيقة له كأن له حقيقة، وقيل: أراد به أن من البيان ما يكتسب به صاحبه من الإثم ما يكتسب الساحر بسحره. وقيل: الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم بلسانه فيذهب بالحق، وشاهده قوله ﷺ: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما هو قطعة من
_________________
(١) ١أخرجه النسائي (٤٠٩٠) من طريق عبادة بن ميسرة المنقري عن الحسن البصري عن أبي هريرة مرفوعًا به. عباد: لين، والحسن مدلس وقد عنعنه. وقد صح منه قوله: "ومن تعلق شيئًا وكل إليه". ٢ أخرجه مسلم (٢٦٠٦) من حديث ابن مسعود. ٣ أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا، وأخرجه مسلم (٨٦٩) من حديث عمار بن ياسر.
[ ٢٣٢ ]
النار" ١.
وذهب آخرون إلى أن المراد منه مدح البيان والحث على تحسين الكلام وتخيير الألفاظ وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلًا طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال، والحق أن الكلام يختلف بحسب المقاصد لأن مورد المثل على ما رواه الشيخ التوربشتي وكأن هذا القول منه ﷺ عند قدوم وفد بني تميم وكان فيهم الزبرقان وعمرو ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك، فقال عمرو: إنه لشديد المعارضة مانع لجانبه مطاع في أذنيه فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غيرها، قال: وما منعه أن يتكلم إلا الحسد؟ فقال عمرو: وأنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال حديث المال ضيق العطن أحمق المولد مضيع في العشيرة والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولًا وما كذبت فيما قلت آخرًا ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما عملت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعًا، فقال النبي ﷺ: "إن من البيان لسحرًا". قال الميداني: يضرب هذا المثل في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة، فالكلام يختلف باختلاف المقاصد فبعض من البيان كالسحر في الباطل إذا جعل الباطل حقًّا والحق باطلًا وبعضه ممدوح إذا خلى من ذلك وكذلك الشعر منه مذموم إذا كان في هجو مسلم وتزيين الباطل ومنه ممدوح إن اشتمل على الحكم كما قال رسول الله ﷺ: "إن من الشعر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥/٣٤٠) ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة.
[ ٢٣٣ ]
متن الباب ١٢