_________________
(١) قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ " ٢ الآية. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر " ٣. أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة. ورواه البخاري عن أبي اليمان عن أبي الزناد عن الأعرج عنه. وأخرجه الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب بسنده مثله ٤. وزاد بعد قوله: " يحب الوتر-: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن; الرحيم; الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، القهار، الغفار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، ١ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٢ في قرة عيون الموحدين: أراد -﵀- بهذه الترجمة الرد على من يتوسل بالأموات، وأن المشروع هو التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العليا، والأعمال الصالحة. ٣ البخاري: الشروط (٢٧٣٦)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٧)، والترمذي: الدعوات (٣٥٠٦)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٦٠)، وأحمد (٢/٢٥٨،٢/٣١٤) . ٤ البخاري: كتاب التوحيد (٧٣٩٢): باب إن لله مائة اسم إلا واحدا.
[ ٤٤٦ ]
المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور " ١. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ٢، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك. أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان وأبي زيد اللغوي والله أعلم.
هذا ما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره. ثم قال: ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في تسعة وتسعين. بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك; ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك. أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي. إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا. فقيل: يا رسول الله: ألا نتعلمها؟ فقال: بلى. ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " ٣. وقد أخرجه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه.
_________________
(١) ١ الترمذي: الدعوات (٣٥٠٧)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٦١) . ٢ ضعيف: الترمذي: كتاب الدعوات (٣٥٠٧): باب رقم (٨٣) . وقال: حديث غريب. وابن حبان (٢٣٨٤- موارد)، والحاكم (١/ ١٦) . وأشار إلى ضعفه ابن تيمية في الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، وابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦٩)، وابن حزم في المحلى (٨/ ٣١) . وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٤٣)، والأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (٤/ ١٧٤، ١٧٥) . ٣ صحيح: أحمد (١/ ٣٩١)، وابن حبان (٢٣٧٢- موارد) . وصححه ابن القيم في بدائع الفوائد (١/ ١٦٦)، وفي شفاء العليل (٢٧٤)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٩) .
[ ٤٤٧ ]
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ١. قال: " إلحاد الملحدين: أن دعوا اللات في أسماء الله ". وقال ابن جريج عن مجاهد: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ . قال: " اشتقوا اللات من الله، واشتقوا العزى من العزيز ".
وقال قتادة: " يلحدون: يشركون ". وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " الإلحاد التكذيب ".
وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف. ومنه اللحد في القبر؛ لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإشـ ـراك والتعطيل والنكران
وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف تعرف بها تعالى إلى عباده، ودلت على كماله جل وعلا.
وقال -﵀-: " فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد معانيها وتعطيلها وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات، وإما أن يجعلها أسماء لهذه المخلوقات كإلحاد أهل الاتحاد؛ فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها ومذمومها. حتى قال زعيمهم: هو المسمى بمعنى كل اسم ممدوح عقلا وشرعا وعرفا. وبكل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا". انتهى.
قلت: والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، متقدمهم ومتأخرهم: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢. وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذي حذوه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٢ سورة الشورى آية: ١١.
[ ٤٤٨ ]
ومثاله، فكما أنه يجب العلم بأن الله ذاتا حقيقة لا تشبه شيئا من ذوات المخلوقين، فله صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات المخلوقين، فمن جحد شيئا مما وصف الله نفسه أو وصفه به رسوله، أو تأوله على غير ما ظهر من معناه فهو جهمي قد اتبع غير سبيل المؤمنين. كما قال تعالى:؟ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١.
وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- أيضا:
"فائدة جليلة"
ما يجري صفة أو خبرا على الرب ﵎ أقسام:
أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات، كقولك ذات وموجود.
الثاني: ما يرجع إلى صفاته ونعوته، كالعليم والقدير، والسميع والبصير.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله، كالخالق والرازق.
الرابع: التنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتا; إذ لا كمال في العدم المحض، كالقدوس والسلام.
الخامس: - ولم يذكره أكثر الناس- وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة، بل دال على معان، نحو المجيد العظيم الصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة، من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا؛ فإنه موضوع للسعة والزيادة والكثرة، فمنه " استمجد المرخ والعفار" ٢، وأمجد الناقة، علفها. ومنه "رب العرش المجيد" صفة للعرش لسعته وعظمته وشرفه. وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه ﷺ؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء، وكثرته ودوامه. فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه; كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فهو راجع إلى التوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في الترمذي: " ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام " ٣.
ومنه: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام " ٤. فهذا سؤال له توسل إليه بحمده، وأنه لا إله إلا هو
فيه مسائل:
الأولى: إثبات الأسماء.
الثانية: كونها حسنى.
الثالثة: الأمر بدعائه بها.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها.
السادسة: وعيد من ألحد.
المنان، فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته. وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسئول! وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد.
السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر. وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، الغفور القدير، الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن؛ فإن الغني صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك الغفور القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه أشرف المعارف.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١١٥. ٢ المرخ: شجر سريع الوري والاشتعال. والعفار- كسحاب- شجر يتخذ منه الزناد، والمراد: كثرت النار; ويضرب المثل للكثرة. ٣ صحيح: الترمذي: كتاب الدعوات (٣٥٢٤، ٣٥٢٥) باب رقم (٩٢)، أحمد (١/ ١٧٧)، والنسائي في الكبرى (كما في تحفة الأشراف [٣/ ١٦٧]) من حديث أنس ﵁. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٣٦) لطرقه وشواهده. ٤ صحيح: جزء من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم.. أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠، ١٥٨، ٢٤٥، ٢٦٥)، وأبوداود: كتاب الصلاة (١٤٩٥) باب الدعاء، والترمذي: كتاب الدعوات (٣٥٤٤) باب خلق الله مائة رحمة، والنسائي: كتاب السهو (٣/ ٥٣) باب الدعاء بعد الذكر، وابن ماجة: كتاب الدعاء (٣٨٥٨) باب اسم الله الأعظم. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (١/ ٥٠٣، ٥٠٤)، وابن حبان (٢٣٨٢- موارد) . وصححه الأرناؤوط في تخريج شرح السنة (٥/ ٣٦، ٣٧) .
[ ٤٤٩ ]