عن ابن مسعود ﵁ قال: " جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع،
_________________
(١) قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ١ سورة الزمر آية: ٦٧.
[ ٥٠٧ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ " أي من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية الكريمة.
قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: يقول تعالى: ما قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته. قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السُّدِّي: " ما عظموه حق عظمته ". وقال محمد بن كعب: " لو قدروه حق قدره ما كذبوه ". وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره ".
وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية١، الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف وذكر حديث ابن مسعود كما ذكره المصنف -﵀- في هذا الباب قال: ورواه البخاري في غير موضع من صحيحه. والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من حديث سليمان بن مهران، وهو الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود بنحوه.
_________________
(١) ١ البخاري: كتاب التفسير (٤٨١١): باب وما قدروا الله حق قدره كتاب التوحيد: (٧٤١٤، ٧٤١٥): باب قول الله تعالى: لما خلقت بيدي (٧٤٥١) باب قول الله تعالى: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا (٧٥١٣) باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. ومسلم: كتاب صفات المنافقين (٢٧٨٦) (٦٩): كتاب صفة القيامة والجنة والنار. وأحمد (١/ ٤٥٧) . والترمذي: كتاب التفسير (٣٢٣٨): باب ومن سورة الزمر.
[ ٥٠٨ ]
والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر. ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١. وفي رواية لمسلم: " والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا المالك أنا الله " ٢.
وفي رواية للبخاري: " يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع " ٣. أخرجاه.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية حدثنا الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: " جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم أبَلغك أن الله تعالى يجعل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر. قال: وأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٤ الآية. وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة٥ عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: " مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماوات على ذه - وأشار بالسبابة- والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٦. وكذا رواه الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به. وقال: " حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير حدثنا الليث حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " ٧. تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٨١١)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦)، والترمذي: تفسير القرآن (٣٢٣٨)، وأحمد (١/٤٢٩،١/٤٥٧) . ٢ البخاري: التوحيد (٧٤١٤،٧٤١٥)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦)، وأحمد (١/٣٧٨) . ٣ البخاري: تفسير القرآن (٤٨١١) والتوحيد (٧٥١٣)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦)، وأحمد (١/٤٥٧) . ٤ مسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦)، وأحمد (١/٣٧٨) . ٥ اسمه يحيى بن المهلب البجلي الكوفي. قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق من السابعة روى له الترمذي والنسائي أيضا. ٦ الترمذي: تفسير القرآن (٣٢٤٠)، وأحمد (١/٢٥١) . ٧ البخاري: الرقاق (٦٥١٩)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٧)، وابن ماجه: المقدمة (١٩٢)، وأحمد (٢/٣٧٤)، والدارمي: الرقاق (٢٧٩٩) .
[ ٥٠٩ ]
ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " ١.
وروي عن ابن عباس قال: " ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن، إلا كخردلة في يد أحدكم ".
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد حدثنا عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر -﵄- قال: إن رسول الله ﷺ قال: " إن الله تعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع، وتكون السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك "٢ تفرد به أيضا من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر " أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣ ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها، يقبل بها ويدبر، يمجد الرب تعالى نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم. فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرّنّ به " ٤ اهـ.
قوله: "ولمسلم عن ابن عمر - الحديث" كذا في رواية مسلم. قال الحميدي وهي أتم، وهي عند مسلم من حديث سالم عن أبيه. وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر -﵄- قال: " إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه " ٥. وأخرجه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم.
قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله وعظيم قدرته وعظم
وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ: " ما السماوات السبع في الكرسي، إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرس ".
قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض " ٦.
وعن ابن مسعود قال: " بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله ٧.
مخلوقاته. وقد تعرف -﷾- إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته، وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته٨، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان.
_________________
(١) ١ مسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٨)، وابن ماجه: المقدمة (١٩٨) . ٢ البخاري: التوحيد (٧٤١٥)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦)، والترمذي: تفسير القرآن (٣٢٣٨)، وأحمد (١/٣٧٨) . ٣ سورة الزمر آية: ٦٧. ٤ صحيح: أحمد (٢/ ٧٢) وابن خزيمة في التوحيد ص (٧١) وابن أبي عاصم في السنة (٥٤٦) وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٥٤٦) . ٥ أحمد (١/١٩٥) . ٦ صحيح: رواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (رقم ٥٨- الكويت)، والذهبي في العلو (١٥٠- مختصر الألباني)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٥١٠) من حديث أبي ذر. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٩)، ومختصر العلو (ص ١٣٠) . ٧ حسن: رواه ابن خزيمة في التوحيد ص (١٠٥، ١٠٦، ٣٧٦، ٣٧٧) . ورواه الذهبي في العلو (٦٤)، والبيهقي في الأسماء (ص ٤٠١) وإسناده حسن، وصححه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٠٠) الذهبي في العلو أيضا. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٨٦): " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ". اهـ. ٨ في قرة العيون: وأن العبادة لا تصلح إلا له سبحانه وبحمده، ولا يصلح منها شيء لملك مقرب ولا لنبي مرسل، ولا لمن دونهما.
[ ٥١٠ ]
وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي ﷺ ربه بذكر صفات كماله على ما يليق بعظمته وجلاله، وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات التي تدل على عظمته، وتأمل ما فيها من إثبات علو الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي ﷺ في شيء منها: إن ظاهرها غير مراد، وإنها تدل تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فلو كان هذا حقا بلّغه أمينه أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة فبلّغ
ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. قال الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى-. قال: وله طرق.
البلاغ المبين. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين. وتلقى الصحابة -﵃- عن نبيهم ﷺ ما وصف به ربه من صفات كماله ونعوت جلاله، فآمنوا به وآمنوا بكتاب الله وما تضمنه من صفات ربهم جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١. وكذلك التابعون لهم بإحسان وتابعوهم، والأئمة من المحدثين والفقهاء كلهم وصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ولم يجحدوا شيئا من الصفات، ولا قال أحد منهم: إن ظاهرها غير مراد، ولا أنه يلزم من إثباتها التشبيه، بل أنكروا على من قال ذلك غاية الإنكار، فصنفوا في رد هذه الشبهات المصنفات الكبار المعروفة الموجودة بأيدي أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-: " وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السماوات مستو على عرشه، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٤. وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٧. ٢ سورة فاطر آية: ١٠. ٣ سورة آل عمران آية: ٥٥. ٤ سورة النساء آية: ١٥٨.
[ ٥١١ ]
﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢. وقوله تلى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٦ الآية. فذكر التوحيدين في هذه الآية. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٧. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٨. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٩. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ١٠. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١١. فذكر عموم علمه وعموم قدرته وعموم إحاطته وعموم رؤيته. وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ١٢.
_________________
(١) ١ سورة المعارج آية: ٣-٤. ٢ سورة السجدة آية: ٥. ٣ سورة النحل آية: ٥٠. ٤ سورة البقرة آية: ٢٩. ٥ سورة الأعراف آية: ٥٤. ٦ سورة يونس آية: ٣. ٧ سورة الرعد آية: ٢. ٨ سورة طه آية: ٤-٥. ٩ سورة الفرقان آية: ٥٨-٥٩. ١٠ سورة السجدة آية: ٤-٥. ١١ سورة الحديد آية: ٤. ١٢ سورة الملك آية: ١٦-١٧.
[ ٥١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ٣". انتهى كلامه -﵀-.
قلت: وقد ذكر الأئمة -رحمهم الله تعالى- فيما صنفوه في الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوال الصحابة والتابعين. فمن ذلك ما رواه الحافظ الذهبي في كتاب العلو وغيره بالأسانيد الصحيحة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤. قالت: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر ". رواه ابن المنذر
واللالكائي وغيرهما بأسانيد صحاح. قال: وثبت عن سفيان بن عيينة -رحمه الله تعالى- أنه قال: لما سئل ربيعة ابن أبي عبد الرحمن: كيف الاستواء؟ قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ; وعلينا التصديق ". وقال ابن وهب: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: " يا أبا عبد الله "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك -﵀- وأخذته الرّحضاء وقال: الرحمن على العرش استوى، كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف؟ و"كيف" عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه". رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن وهب. ورواه عن يحيى بن يحيى أيضا، ولفظه: قال: "" الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
قال الذهبي: فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله، وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير، ونفوا عنه الكيفية، قال البخاري في صحيحه: قال مجاهد "استوى" علا على العرش. وقال إسحاق بن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ اي ارتفع. وقال محمد بن جرير الطبري في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي علا وارتفع.
_________________
(١) ١ سورة فصلت آية: ٤٢. ٢ سورة الزمر آية: ١. ٣ سورة غافر آية: ٣٦-٣٧. ٤ سورة طه آية: ٥. ٥ سورة طه آية: ٥.
[ ٥١٣ ]
وشواهده في أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم. فمن ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا
وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد إلى علي بن الحسين بن شقيق، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: " نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية ". قال الدارمي: حدثنا الحسن بن الصباح البزار حدثنا علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك: قيل له: " كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه ".
وقد تقدم قول الأوزاعي: " كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله -تعالى ذكره- بائن من خلقه، ونؤمن بما وردت به السنة ".
وقال أبو عمر الطلمنكي في كتاب الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز. ثم ساق بسنده عن مالك قوله: " الله في السماء وعلمه في كل مكان ". ثم قال في هذا الكتاب: " أجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء". وهذا لفظه في كتابه.
وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه على لسان رسوله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته، ونفوا عنه مشابهة المخلوقين، ولم يمثلوا ولم يكيفوا، كما ذكرنا ذلك عنهم في هذا الباب.
وقال الحافظ الذهبي: وأول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله فوق عرشه: هو
_________________
(١) ١ سورة الحديد آية: ٤.
[ ٥١٤ ]
الجعد بن درهم. وكذلك أنكر جميع الصفات. وقتله خالد بن عبد الله القسري وقصته مشهورة، فأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان إمام الجهمية، فأظهرها واحتج لها بالشبهات، وكان ذلك في آخر عصر التابعين، فأنكر مقالته أئمة ذلك العصر مثل الأوزاعي وأبي حنيفة، ومالك والليث بن سعد والثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة وابن المبارك ومن بعدهم من أئمة الهدى. فقال الأوزاعي إمام أهل الشام على رأس الخمسين ومائة عند ظهور هذه المقالة: ما أخبرنا عبد الواسع الأبهري بسنده إلى أبي بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن علي الجوهري- ببغداد- حدثنا إبراهيم بن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصي سمعت الأوزاعي يقول: " كنا- والتابعون متوافرون- نقول: إن الله فوق عرشه. ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته ". أخرجه البيهقي في الصفات ورواته أئمة ثقات.
وقال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: " لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل،
عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكِثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم " ١. أخرجه أبو داود وغيره.
ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢ ". اهـ من فتح الباري.
قوله: "عن العباس بن عبد المطلب" ساقه المصنف -﵀- مختصرا، والذي في سنن أبي داود: عن العباس بن عبد المطلب قال: " كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله
_________________
(١) ١ ضعيف: أبو داود: كتاب السنة (٤٧٢٣)، (٤٧٢٤)، (٤٧٢٥): باب في الجهمية والترمذي: كتاب التفسير (٣٣٢٠): باب ومن سورة الحاقة. وابن ماجة في المقدمة (١٩٣): باب فيما أنكرت الجهمية. وأحمد (١/ ٢٠٦، ٢٠٧) وغيرهم. وضعفه الذهبي في العلو ص (٤٩، ٥٠) . وضعفه الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٥٧٧) . ٢ سورة الشورى آية: ١١.
[ ٥١٥ ]
ﷺ، فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب. قال: "والمزن" قالوا: والمزن. قال: و"العنان". قالوا. والعنان- قال أبو داود: لم أتقن العنان جيدا- قال: "هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري. قال: "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء التي فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء، ثم الله تعالى فوق ذلك" ١. وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: " حسن غريب ". وقال الحافظ الذهبي: " رواه أبو داود بإسناد حسن" ٢. وروى الترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وفيه: " ما بين
_________________
(١) ١ الترمذي: تفسير القرآن (٣٣٢٠)، وأبو داود: السنة (٤٧٢٣)، وابن ماجه: المقدمة (١٩٣) . ٢ في إسناده الوليد بن أبي ثور لا يحتج بحديثه. وقد ساقه أبو داود من غير طريق الوليد. وقال العلامة ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود: أما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور ففاسد؛ فإن الوليد لم ينفرد به بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان كلاهما عن سماك. ومن طريقه رواه أبو داود. ورواه أيضا عمرو بن أبي قيس عن سماك. ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد أخبرنا عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن أبي قيس. اهـ. ورواه ابن ماجة من حديث الوليد بن أبي ثور عن سماك. وأي ذنب للوليد في هذا; وأي تعلق عليه؟ وإنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية وهي علته المؤثرة عند القوم اهـ.
[ ٥١٦ ]
سماء إلى سماء خمسمائة عام ". ولا منافاة بينهما؛ لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا، ونيف وسبعون سنة على سير البريد؛ لأنه يصح أن يقال: بيننا وبين مصر عشرون يوما باعتبار سير العادة، وثلاثة أيام باعتبار سير البريد. وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك فوقفه. هذا آخر كلامه ١.
_________________
(١) في قرة العيون: قلت: وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما مع ما يدل عليه صريح القرآن، فلا عبرة بقول من ضعفه. وقد ابتدأ المصنف -رحمه الله تعالى- هذا المصنف العظيم ببيان توحيد الإلهية؛ لأن أكثر الأمة ممن تأخر قد جهلوا هذا التوحيد، وأتوا بما ينافيه من الشرك والتنديد، فقام ببيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونهوهم عما كانوا عليه من الشرك المنافي لهذا التوحيد. فالدعوة إلى ذلك هي أهم الأمور وأوجبها لمن وفقه الله لفهمه، وأعطاه القدرة على الدعوة إليه، والجهاد لمن خالفه ممن أشرك بالله في عبادته، فقرر هذا التوحيد كما ترى في هذه الأبواب، ثم ختم كتابه بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن أكثر العامة ليس لهم التفات الى هذا العلم الذي خاض فيه من ينتسب إلى العلم. وأما من ينتسب إلى العلم فهم أخذوا عمن خاض في هذه العلوم، وأحسنوا الظن بأهل الكلام، وظنوا أنهم على شيء، فقبلوا ما وجدوه عنهم، فقرروا مذهب الجهمية، وألحدوا في توحيد الأسماء والصفات، وخالفوا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمة الحديث والتفسير من المتقدمين، وما زال أهل السنة متمسكين بذلك لكنهم قلوا، فهدى الله هذا الإمام إلى معرفة أنواع التوحيد فقررها بأدلتها، فلله الحمد على توفيقه وهدايته إلى الحق حين اشتدت غربة الإسلام، فضل عنه من ضل من أهل القرى والأمصار. وغيرهم. وبالله التوفيق. فقد اجتمع في هذا المصنف أنواع التوحيد الثلاثة التي أشار إليها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- بقوله:. والعلم أقسام ثلاث ما لها من رابع والحق ذو تبيان علم بأوصاف الإله وفعل وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٥١٧ ]
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
الثانية: إن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ، لم ينكروها ولم يتأولوها.
الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ صدقه ونزل القرآن بتقرير ذلك.
الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم.
الخامسة: التصريح بذكر اليدين وأن السماوات في اليد اليمنى. والأرضين في الأخرى.
السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
الثامنة: قوله: " كخردلة في كف أحدكم ".
التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء.
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
قلت: فيه التصريح بأن الله فوق عرشه كما تقدم في الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة، وفي كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما، ولا عبرة بقول مَن ضعّفه لكثرة شواهده التي يستحيل دفعها وصرفها عن ظواهرها.
وهذا الحديث كأمثاله يدل على عظمة الله وكماله وعظم مخلوقاته، وأنه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسول الله ﷺ، وعلى كمال قدرته، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له دون كل ما سواه.
السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.
السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.
الثامنة عشرة: كثف كل سماء مائة سنة.
التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كمل مقابلة وتصحيحا وقراءة على يد شيخنا العلامة المحقق الفهامة، بقية أهل الاستقامة: الشيخ عبد الله بن الشيخ حسن آل الشيخ - متع الله بحياته - سنة ١٣٦٢.
نبذة مختصرة من ترجمة الشيخ عبد الرحمن بن حسن
مؤلف فتح المجيد
قال الشيخ ابن بشر في كتاب "عنوان المجد" في حوادث سنة ١٢٤١: وفيها أقبل من مصر الشيخ العالم النحرير، البحر الزاخر الغزير، مفيد الطالبين، المحفوف بعناية رب العالمين، جامع أنواع العلوم الشرعية، ومحقق العلوم الدينية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، وارث العلم كابرا عن كابر، الذي صارت الأصاغر بإفادته شيوخا أكابر، قاضي قضاة الإسلام والمسلمين مفتي فِرق الأنام الموحدين، وناصر سنة سيد المرسلين، الموفق للصواب في الجواب; الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدم على الإمام تركي بن عبد الله -قدس الله روحه-، ففرح وأكرمه غاية الإكرام، واغتبط بطلعته خاص المسلمين والعام، فعظموه وقاموا بما يستحقه من الإعظام، وبذل نفسه للطالبين وانتفع بعلمه كثير من المستفيدين - ثم ذكر العلماء الأفاضل من آل الشيخ وغيرهم الذي استفادوا من الشيخ وانتفعوا بعلمه وتخرجوا عليه، وهم جملة كثيرة. ثم قال: فضربت إليه آباط الإبل من أقطار نجد والأحساء، وظهرت آثار البركات من تعليمه وفشا. كيف لا وهو من شجرة مباركة أضاء نور طالعها للمسلمين وفشا، ولاح وميض برقه حين غشى، فكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، يهدي الله لنوره من يشاء. اللهم يا سميع الدعاء، يا إله الأرض والسماء، نسألك بأسمائك الحسنى أن تجزيهم عنا وعن المسلمين أحسن ما جزيت من دعا إلى توحيدك، وأن تجعل العلم النافع فيهم وفي عقبهم باقيا إلى يوم لقائك وشهودك.
وقد صنف الشيخ عبد الرحمن بن حسن مصنفات في الأصول والفروع، أكثرها ردا على أهل المقالات، ومن غلط منهم في الصفات، وله مصنف فيما يحل ويحرم من الحرير، فمن طالعه دله على علمه الغزير، ردا على من أباح لبس المحرمة الروغان التي ابتلي الناس بلبسها في هذا الزمان، واختصر شرح التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام الذي سبق ذكره؛ لأنه مات قبل أن يتمه.
وكان كثيرا ما يتعهده أهل بلدان نجد بالمراسلات والنصائح، ويعلمهم ما يجب عليهم من أمر دينهم، ويذكرهم نعمة هذا الدين; واجتماع شمل أهل الإسلام عليهم; وما منّ الله به على أهل نجد في آخر هذا الزمان. والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٦٧.
[ ٥١٨ ]