فِي إِقَامَة الْبَرَاهِين الشَّرْعِيَّة على أَن الإِمَام الْقَائِم بِالْحَقِّ الْوَاجِب على الْخلق طَاعَته فِي عصرنا هَذَا هُوَ الإِمَام المستظهر بِاللَّه حرس الله ضلاله وَالْمَقْصُود من هَذَا الْبَاب بَيَان إِمَامَته على وفْق الشَّرْع وَأَنه يجب على كَافَّة عُلَمَاء الدَّهْر الْفَتْوَى على الْبَتّ وَالْقطع بِوُجُوب طَاعَته على الْخلق ونفوذ أقضيته بمنهج الْحق وَصِحَّة تَوليته للولاة وتقليده للقضاة وَبَرَاءَة ذمَّة الْمُكَلّفين عِنْد صرف حُقُوق الله تَعَالَى إِلَيْهِ وَأَنه خَليفَة الله على الْخلق وَأَن طَاعَته على كَافَّة الْخلق فرض
فَهَذَا بَاب يتَعَيَّن من حَيْثُ الدّين صرف الْعِنَايَة إِلَى تَحْقِيقه وَإِقَامَة الْبُرْهَان على مَنْهَج الْحق وَطَرِيقه فَإِن الَّذِي يسير إِلَيْهِ الْكَلَام أَكثر المصنفين فِي الْإِمَامَة يَقْتَضِي أَلا نعتقد فِي عصرنا هَذَا وَفِي أعصار منقضية خَليفَة غير مستجمع لشرائط الْإِمَامَة متصف بصفاتهم فَتبقى الْإِمَامَة معطلة لَا قَائِم بهَا وَيبقى المتصدي لهامتعدياعن شُرُوط الْإِمَامَة غير مُسْتَحقّ لَهَا وَلَا متصف بهَا وَهَذَا هجوم عَظِيم على الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وتصريح بتعطيلها وإهمالها ويتداعى إِلَى التَّصْرِيح بِفساد جَمِيع الولايات وَبطلَان قَضَاء الْقُضَاة وضياع حُقُوق الله تَعَالَى وحدوده وإهدار الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال وَالْحكم بِبُطْلَان الْأَنْكِحَة الصادرة من الْقُضَاة فِي اقطار الأَرْض وَبَقَاء حُقُوق الله تَعَالَى فِي ذمم الْخلق فَإِن جَمِيع ذَلِك لَا يتَأَدَّى على وفْق الشَّرْع إِلَّا إِذا صدر استيفاؤها
[ ١٦٩ ]
من الْقُضَاة ومصدر الْقُضَاة تَوْلِيَة الإِمَام فَإِن بطلت الْإِمَامَة بطلت التَّوْلِيَة وانحلت ولَايَة الْقُضَاة والتحقوا بآحاد الْخلق وامتنعت التَّصَرُّفَات فِي النُّفُوس والدماء والفروج وَالْأَمْوَال وانطوى بِسَاط الشَّرْع بِالْكُلِّيَّةِ فِي هَذِه الْمُهِمَّات الْعَظِيمَة فالكشف عَن فَسَاد كل مَذْهَب يتداعى إِلَى هَذِه العظائم من مهمات الدّين وفرائضه الا أَن تَقْرِير ذَلِك متوعر وترتيبه مَعَ الِاحْتِرَاز عَن التهدف للاشكالات والاعتراضات متعسر وَنحن بِتَوْفِيق الله نكشف الغطاء عَنهُ فَنَقُول ندعى أَن الإِمَام المستظهر بِاللَّه حرس الله ايامه هُوَ الإِمَام الْحق الْوَاجِب الطَّاعَة فَإِن طولنا باقامة الْبُرْهَان عَلَيْهِ تدرجنا فِي تَحْقِيقه وتلطفنا فِي تفهيمه إِلَى أَن يعْتَرف المستريب فِيهِ بِالْحَقِّ ويلوح لَهُ وَجه الصَّوَاب والصدق ونقول لابد من امام فِي كل عصر وَلَا مترشح للامامة سواهُ فَهُوَ الإِمَام الْحق إِذا فَهَذِهِ نتيجة بنيناها على مقدمتين احداهما قَوْلنَا لَا بُد من الإِمَام والاخرى قَوْلنَا لَا يترشح للامامة سواهُ فَفِي ايهما النزاع فَإِن قيل بِمَ تنكرون على من لَا يسلم انه لَا بُد من امام بل يَقُول لنا غنية عَنهُ قُلْنَا هَذَا سُؤال اتفقنا نَحن والباطنية وَسَائِر اصناف الْمُسلمين على بُطْلَانه فَإِنَّهُم أَجمعُوا وتطابقوا على أَنه لَا بُد من إِمَام وَإِنَّمَا نزاعهم فِي التَّعْيِين لَا فِي الأَصْل وَلم يذهب أحد إِلَى أَن الْأَمَام لَا يجب نَصبه وَأَنه يسْتَغْنى عَنهُ إِلَّا رجل يعرف بِعَبْد الرَّحْمَن بن كيسَان وَلَا يستريب مُحَصل فِي بطلَان مذْهبه وَفَسَاد معتقده وكأننا ننبه المسترشد بمسكين الاول هُوَ ان ابْن كيسَان مسوق فِيمَا يَدعِيهِ باجماع الامة قاطبة وَلَقَد هجم بِمَا انتحل من الْمَذْهَب على خرق الاجماع
[ ١٧٠ ]
وتضمخ برذيلة الْعُدُول عَن سنَن الِاتِّبَاع فليلاحظ الْعَصْر الاول كَيفَ تسارع الصَّحَابَة بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ الى نصب الامام وَعقد الْبيعَة وَكَيف اعتقدوا ذَلِك فرضا محتوما وَحقا وَاجِبا على الْفَوْر والبدار وَكَيف اجتنبوا فِيهِ التوانى والاستئخار حَتَّى تركُوا بِسَبَب الِاشْتِغَال بِهِ تجهيز رَسُول الله ﷺ وَعَلمُوا انه لَو تصرم عَلَيْهِم لَحْظَة لاامام لَهُم فَرُبمَا هجم عَلَيْهِم حَادِثَة ملمة وارتكبوا فِي حَادِثَة عَظِيمَة تتشتت فِيهَا الآراء وتختلف متبوعا مُطَاعًا يجمع شتات الآراء لَا نخرم النظام وَبَطل العصام وتداعت بالانفصام عرى الاحكام فلاجل ذَلِك اثروا البدار اليه وَلم يعرجوا فِي الْحَال الا عَلَيْهِ وَهَذَا قَاطع فِي ان نصب الامام امْر ضَرُورِيّ فِي حفظ الْإِسْلَام
المسلك الثَّانِي هُوَ ان نقُول لَا يتمارى متدين فِي أَن الذب عَن حوزة الدّين والنضال دون بيضته والانتداب لنصرته وحراسته بالمحافظة على نظام امور جند الْإِسْلَام وعدته امْر ضَرُورِيّ وَاجِب لابد مِنْهُ وان النظام لَا يسْتَمر على الدَّوَام الا بمترصد يكلا الْخلق بِالْعينِ الساهرة فمهما شرابت فِئَة للثوران وكشرت عَن نابها واشرفت على الاستحكام بَادر إِلَى تطفئتها وحسم غائلتها فانها لَو تركت حَتَّى اذا ثارت اشْتغل بتطفئتها الْعَوام والطغام والافراد والاحاد لأفضى ذَلِك الى التعادي والتضاد وَصَارَت الامور شُورَى وَبَقِي النَّاس فوضى مهملين سدى متهافتين على ورطات الردى مقتحمين فِيهِ مسالك الْهوى ومناهج المنى وَعند ذَلِك تتناقض الارادات وتتنازع الشَّهَوَات وتفضي بالاخرة الى اسْتِيلَاء الرذائل على الْفَضَائِل وتوثب الطغام عُلَمَاء الاسلام والاماثل وتمتد الْأَيْدِي
[ ١٧١ ]
إِلَى الْأَمْوَال والفروج وأصبحت الْأَيْدِي السافلة عالية وَلَيْسَ يخفى مَا فِي ذَلِك من حل عِصَام الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية فيتبين بِهَذَا للنَّاظِر الْبَصِير أَن الإِمَام ضَرُورَة الْخلق لَا غنية لَهُم عَنهُ فِي دفع الْبَاطِل وَتَقْرِير الْحق فقد ثبتَتْ هَذِه الْمُقدمَة وَهِي أَن الإِمَام لَا بُد مِنْهُ فَإِن قيل وَبِمَ تنكرون على من يُنَازع فِي الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلكُم لَا يترشح للْإِمَامَة سواهُ فَإِن الباطنية يدعونَ الْخلق الى مترشح لَهَا غير مَا اليه دعوتكم فَكيف تستنب لكم هَذِه الدَّعْوَى
قُلْنَا لَا تنكر دَعْوَى بعض المدعين للامامة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَلَكنَّا نقُول اذا بَطل مَا تدعيه الباطنية تعيّنت الامامة لم يدعيهاوحصل مَا نرومه ونبتغيه فانه اذا لم يكن بُد من امام وفَاقا وَثَبت ان الامامة لَا تعدو شَخْصَيْنِ وَثَبت بطلَان الامامة فِي حق وَاحِد لم تبْق رِيبَة فِي ثُبُوتهَا للثَّانِي والمسالك الدَّالَّة على ابطال الامامة الَّتِي تدعيها الباطنية وترجيح الامامة الَّتِي ندعيها اكثر من ان تدخل تَحت الْحصْر فلسنا نسلك فِيهِ مَسْلَك الِاسْتِقْصَاء وَلَكنَّا نقتصر على دَلِيلين واقعين قاطعين تقربهما كل عين ويشترك فِي دركهما الفطن والغبي والمحنك وَالصَّبِيّ والمعاند وَالْمنصف والمقتصد والمتعسف
الاول هُوَ أَن عِصَام شَرَائِط صِحَة العقيدة وسلامة الدّين وَلَقَد حكينا عَن مَذْهَب الباطنية وصاحبهم مَا اقْتضى ادنى درجاته التبديع والتضليل واعلاه التَّكْفِير والتبرى وَذَلِكَ فِي اثباتهم الهين قديمين على مَا اطبق عَلَيْهِ جَمِيع فرقهم
وَالثَّانِي فِي انكارهم الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار وَجُمْلَة مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ
[ ١٧٢ ]
وعد الْقرَان ووعيده بفنون من التاويلات بَاطِلَة وَذَلِكَ مِمَّا نعلم انه لَو ذكر شَيْء مِنْهُ فِي زمَان رَسُول الله ﷺ وعصر الصَّحَابَة بعده لبادروا إِلَى حز الرَّقَبَة وَلم يتماروا انه صَرِيح التَّكْذِيب لله وَرَسُوله فَمن كذب الله فِي وحدانيته وَلم يصدق بالايات الْوَارِدَة فِي التَّوْحِيد وَلم يصدق بالقيامة والبعث والنشور كَيفَ يصلح ان ينْتَصب منصب الامامة وان يناط بِهِ عرى الاسلام وَهَذَا المسلك يتحققه النَّاظر اذا تصفح ثمَّ رَجَعَ الى مذاهبهم الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي ابطالها فَيصح لَهُ بِمَجْمُوع النظرين مَا ذَكرْنَاهُ من اختلال الدّين وَفَسَاد العقيدة واني يصلح للامامة من فِيهِ مثل هَذِه الرذيلة
المسلك الثَّانِي ان نسلم جدلا على سَبِيل التَّبَرُّع والتقرير لمورد هَذَا السُّؤَال ان صَاحب الباطنية صَالح للامامة بصفاء الِاعْتِقَاد وَصِحَّة الدّين وَحُصُول سَائِر الشُّرُوط فمسلك التَّرْجِيح غير منحسم فان الامامة الَّتِي ندعيها اجْمَعْ عَلَيْهَا ائمة الْعَصْر وعلماء الدَّهْر بل جَمَاهِير الْخلق واقاليم الارض فِي اقصى الْمشرق وَفِي أقْصَى الْمغرب حَتَّى تطوق الطَّاعَة لَهُ والانقيادلامره كل من على بسيط الارض الاشر ذمَّة الباطنية وَلَو جمع قضهم وقضيضهم وصغيرهم وَكَبِيرهمْ لم يبلغ عَددهمْ عدد اهل بَلْدَة وَاحِدَة من متبعي الامامة العباسية فَكيف اذا قيسوا بَاهل نَاحيَة اَوْ بَاهل اقليم اَوْ بكافة من على وَجه الارض من منتحلى الامام افيتمارى الْمنصف فِي ان الغلاة من الباطنية على اهل الْحق لَو جمع مِنْهُم الصَّغِير وَالْكَبِير لم يبلغ عشر العشير من ناصري هَذِه الدولة الْقَاهِرَة ومتبعي هَذِه الْعِصَابَة المحقة واذا كَانَت الامامة تقوم بِالشَّوْكَةِ وانما تقوى الشَّوْكَة بالمظاهرة والمناصرة وَالْكَثْرَة فِي الِاتِّبَاع والاشياع وتناصر اهل الِاتِّفَاق والاجتماع فَهَذَا اقوى
[ ١٧٣ ]
مَسْلَك من مسالك التَّرْجِيح وَهَذَا بعد ان اعطيناهم بطرِيق الْمُسَامحَة والتبرع صِحَة دينهم وَوُجُود شُرُوط الامامة فِي صَاحبهمْ
فَإِن قيل لَيْسَ يُنكر مُنكر كَثْرَة هَذِه الْعِصَابَة بالاضافة اليهم وَلَكِن الْحق لَا يتبع الْكَثْرَة فان الْحق خفى لَا يسْتَقلّ بدركه إِلَّا الاقلون وَالْبَاطِل جلى يُبَادر الى الانقياد لَهُ الاكثرون وانتم فقد بنيم التَّرْجِيح على قيام الشَّوْكَة بِكَثْرَة الانصار والاشباع وَهَذَا انما يَسْتَقِيم لَو كَانَت الامامة فِي اصلها تَنْعَقِد باجتماع الْخلق على الطَّاعَة فان ذَلِك لايرجح عِنْد التجويز وَالِاخْتِلَاف بِالْكَثْرَةِ وَلَيْسَ الامر كَذَلِك بل الامامة انما تَنْعَقِد عِنْد الباطنية بِالنَّصِّ وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ محق بُويِعَ اَوْ لم يُبَايع قل مبايعوه اَوْ كَثُرُوا والمخالف لَهُ مُبْطل ساعدته دولته فَكثر بِسَبَبِهَا اتِّبَاعه اَوْ لم تساعده فَمن أَي وَجه يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَثْرَة الِاتِّبَاع قُلْنَا انما يستبين وَجه دلَالَة الْكَثْرَة من فهم ماخذ الامامة وَقد بَان انها لَيست ماخوذة من النَّص كَمَا قدرناه فِي الْبَاب السَّابِع وَنَبَّهنَا على حَمَاقَة من يدعى تَوَاتر النَّص من كل وَاحِد مِنْهُم على وَلَده بل بَينا جهل من يدعى ذَلِك فِي على ﵁ فان ذَلِك لَو كَانَ لاستدل بِهِ على وَلم يعجز عَن اظهاره وَلَا رضى بِهِ فخو الَّذِي جر العساكر والجنود فِي زمَان مُعَاوِيَة حَتَّى قتل من ابطال الاسلام فِي تِلْكَ المعارك الوف وَلم يكترث بِقَتْلِهِم فَمَا الَّذِي كَانَ نَزعه واشياعه عَن الِاسْتِدْلَال بِنَصّ رَسُول الله ﷺ وَقد بَينا ان ذَلِك يُقَابله دَعْوَى البكرية فِي النَّص على ابي بكر ﵁ وَدَعوى الروندية
[ ١٧٤ ]
فِي النَّص على الْعَبَّاس ﵁ فاذا بَطل تلقى الامامة من النَّص لم يبْق الا الِاخْتِيَار من اهل الاسلام والاتفاق على التَّقْدِيم والانقياد وَعند ذَلِك يبين انه مهما وَقع الِاتِّفَاق على نصب وَاحِد كَمَا اتَّفقُوا فِي بداية امامة العباسية فَمن طمح الى طلبَهَا لنَفسِهِ كَانَ بَاغِيا فانهم لَو اخْتلفُوا فِي مبدأ الامر وَجب التَّرْجِيح بِالْكَثْرَةِ فِي ذَلِك عِنْد تقَابل الْعدَد وتقاربهم فَكيف اذا اطبق كل من شَرقَتْ عَلَيْهِم الشَّمْس شارقة وغاربة لم يخالفهم الا فِئَة مَعْدُودَة وشرذمة يسيرَة لَا يؤبه وَلَا يعبأ بهم لشذوذهم بالاضافة الى الْخلق الْكثير والجم الْغَفِير الَّذين هم فِي مقابلتهم (وَلَا عشر الْعشْر من أعشارهم وَمَا هم الا كالحسوة فِي الْبَحْر الزاخر والموج المتلاطم)
فان قيل وَبِمَ تنكرون على من يَقُول لَا ماخذ للامامة الا لنَصّ اَوْ الِاخْتِيَار فاذا بَطل الِاخْتِيَار ثَبت النَّص وَيدل على بطلَان الِاخْتِيَار انه لايخلو اما ان يعْتَبر فِيهِ اجماع كَافَّة الْخلق اَوْ اجماع كافه اهل الْحل وَالْعقد من جملَة الْخلق فِي جَمِيع أقطار الأَرْض أَو يعْتَبر إِجْمَاع أهل الْبَلَد الَّذِي يسكنهُ الامام وَيقدر باجماع عشرَة اَوْ خَمْسَة اَوْ عدد مَخْصُوص اَوْ يَكْتَفِي بمبايعة شخص وَاحِد وباطل ان يعْتَبر فِيهِ اجماع كَافَّة الْخلق فِي جَمِيع اقطار الارض فان ذَلِك غير مكن وَلَا مَقْدُور لَاحَدَّ من الائمة وَلَا فرض ذَلِك ايضا فِي الاعصار الخالية للائمة الماضين وباطل ان تعْتَبر اجماع جَمِيع اهل الْحل وَالْعقد فِي جَمِيع افطار الارض لَان ذَلِك مِمَّا يمْتَنع اَوْ يتَعَذَّر تعذرا يفْتَقر فِيهِ الى انْتِظَار مُدَّة عساها تزيد على عمر الامام فَتبقى الامور
[ ١٧٥ ]
فِي مُدَّة الِانْتِظَار مُهْملَة ولانه لما عقدت الْبيعَة لابي بكر ﵁ لم ينْتَظر انتشار الاخبار إِلَى سَائِر الامصار وَلَا تَوَاتر كنب الْبيعَة من اقاصي الاقطار بل اشْتغل بالامامة وخاض فِي الْقيام بِمُوجب الزعامة محتكما فِي اوامره ونواهيه على الْخَاصَّة والعامة واذا بَطل اشْتِرَاط اجماع كَافَّة الْخلق وكافة اهل الْحل وَالْعقد فالتخصيص بعد ذَلِك تحكم اذ لَيْسَ من يشْتَرط بِاتِّفَاق أهل بَلْدَة بِأولى مِمَّن يَكْتَفِي بِأَهْل محلّة أَو قَرْيَة أَو لم يشْتَرط اتِّفَاق اهل نَاحيَة اَوْ اقليم وَمن لَا يشْتَرط اجماع اربعين اَوْ خَمْسَة اَوْ اربعة اَوْ اثْنَيْنِ بِأولى من غَيره من الاعداد وَهَذِه المقدرات قد ذهب إِلَى التحكم بهَا ذاهبون بِمُجَرَّد التشهى من غير مُسْتَند فَلَا يبْقى إِلَّا الِاكْتِفَاء ببيعة شخص وَاحِد وَفِي الاشخاص كَثْرَة واحوالهم متعارضة وَلَا يتَرَجَّح شخص على شخص الا بالعصمة فَيجب ان يكون اذا مولى الْعَهْد وَاحِد وَليكن ذَلِك الشَّخْص مَعْصُوما وَهُوَ معتقدنا وَعند هَذَا لَا تَنْفَع الْكَثْرَة فِي الْمُخَالفين لذَلِك الْوَاحِد المتميز بخاصية عَن غَيره فاذا لَا معتصم فِي الْكَثْرَة الَّتِي تعلقتم بهَا
قُلْنَا نعم لَا ماخذ للامامة الا النَّص اَوْ الِاخْتِيَار وَنحن نقُول مهما بَطل النَّص ثَبت الِاخْتِيَار وَقَوْلهمْ ان الِاخْتِيَار بَاطِل لانه لايمكن اعْتِبَار كَافَّة الْخلق وَلَا الِاكْتِفَاء بِوَاحِد وَلَا التحكم بِتَقْدِير عدد معِين بَين الْوَاحِد وَالْكل فَهَذَا جهل بمذهبنا الَّذِي نختاره وَنُقِيم الْبُرْهَان على صِحَّته وَالَّذِي نختاره انه يَكْتَفِي بشخص وَاحِد يعْقد الْبيعَة للامام مهما كَانَ ذَلِك الْوَاحِد مُطَاعًا ذَا شَوْكَة لَا تطال وَمهما كَانَ مَال الى جَانب
[ ١٧٦ ]
مَال بِسَبَبِهِ الجماهير وَلم يُخَالِفهُ الا من لَا يكرث بمخالفته فالشخص الْوَاحِد الْمَتْبُوع المطاع الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة اذا بَايع كفى اذ فِي مُوَافَقَته الجماهير فان لم يحصل هَذَا الْغَرَض الا لشخصين اَوْ ثَلَاثَة فلابد من اتِّفَاقهم وَلَيْسَ الْمَقْصُود اعيان الْمُبَايِعين وانما الْغَرَض قيام شَوْكَة الامام بالاتباع والاشياع وَذَلِكَ يحصل بِكُل مستول مُطَاع وَنحن نقُول لما بَايع عمر ابا بكر ﵄ انْعَقَدت الامامة لَهُ بِمُجَرَّد بيعَته وَلَكِن لتتابع الايدي الى الْبيعَة بِسَبَب مبادرته وَلَو لم يبايعه غير عمر وبقى كَافَّة الْخلق مخالفين اَوْ انقسموا انقساما متكافئا لَا يتَمَيَّز فِيهِ غَالب عَن مغلوب لما انْعَقَدت الامامة فان شَرط ابْتِدَاء الِانْعِقَاد قيام الشَّوْكَة وانصراف الْقُلُوب الى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على الْمُبَايعَة فان الْمَقْصُود الَّذِي طلبنا لَهُ الامام جمع شتات الاراء فِي مصطدم تعَارض الاهواء وَلَا تتفق الارادات المتنافضة والشهوات المتباينة المتنافرة على مُتَابعَة راى وَاحِد الا اذا ظَهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت فِي النُّفُوس رهبته ومهابته ومدار جَمِيع ذَلِك على الشَّوْكَة وَلَا تقوم الشَّوْكَة الا بموافقة الاكثرين من معتبري كل زمَان
فاذا بَان أَن هَذَا مَأْخَذ الْإِمَامَة فَلَيْسَ يتمارى فِي أَن الْجِهَة الشَّرِيفَة الَّتِي ننصرها قد صرف الله وُجُوه كَافَّة الْخلق اليها وجبل قُلُوبهم
[ ١٧٧ ]
على حبها وَلذَلِك قَامَت الشَّوْكَة لَهُ فِي اقطار الارض حَتَّى لَو ظهر بَاغ يظْهر خلافًا فِي هَذَا الجناب الْكَرِيم وَلَو بأقصى الصين اَوْ الْمغرب لبادروا إِلَى اختطافه وتطهير وَجه الارض مِنْهُ متقربين إِلَى الله تَعَالَى
وَقد لَاحَ لَك الْآن كَيفَ ترقينا من هَذِه المغاصة الْمظْلمَة وَكَيف دفعنَا مَا أشكل على جَمِيع جَمَاهِير النظار من تعْيين الْمِقْدَار فِي عدد أهل الأخيار إِذا لم نعين لَهُ عددا بل اكتفينا بشخص وَاحِد يُبَايع وحكمنا بانعقاد الإمامه عِنْد بيعَته لَا لِتَفَرُّدِهِ فِي عينه وَلَكِن لكَون النُّفُوس محموله على مُتَابعَة ومبايعة من أذعن هُوَ لطاعته وَكَانَ فِي مُتَابَعَته قيام قُوَّة الإِمَام وشوكته وانصراف قُلُوب الْخَلَائق إِلَى شخص وَاحِد أَو شَخْصَيْنِ أَو ثَلَاثَة على مَا تَقْتَضِيه الْحَال فِي كل عصر لَيْسَ أمرا اخْتِيَارا يتَوَصَّل إِلَيْهِ بالحيلة البشرية بل هُوَ رزق إلهي يؤتيه الله من يَشَاء فَكَانَا فِي الظَّاهِر رددنا تعْيين الامامة إِلَى اخْتِيَار شخص وَاحِد وَفِي الْحَقِيقَة رددناها إِلَى اخْتِيَار الله تَعَالَى ونصبه إِلَّا أَنه يظْهر اخْتِيَار الله عقيب مُتَابعَة شخص وَاحِد أَو أشخاص وَإِنَّمَا الْمُصَحح لعقد الْإِمَامَة انصراف قُلُوب الْخلق لطاعته والانقياد لَهُ فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَهَذِه نعْمَة وهدية من الله تَعَالَى فاذا أتاحها لعبد من عباده وَصرف إِلَى محبته وُجُوه اكثر خلقه وَكَانَ ذَلِك من الله تَعَالَى لطفا فِي اخْتِيَاره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره فِي تفقد عباده وَذَلِكَ أَمر لَا يقدر كل الْبشر على الاحتيال لتحصيله
فَلْينْظر النَّاظر إِلَى مرتبَة الْفَرِيقَيْنِ إِذا نسيت الباطنية أَنْفسهَا إِلَى أَن نصب الإِمَام عِنْدهم من الله تَعَالَى وَعند خصومهم من الْعباد ثمَّ لم يقدروا على بَيَان وَجه نِسْبَة ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا بِدَعْوَى الاختراع على رَسُوله فِي النَّص على على وَدَعوى بَقَاء ذَلِك فِي ذُريَّته بَقَاء كل خلف لكل وَاحِد وَدَعوى
[ ١٧٨ ]
تنصيصه على أحد أَوْلَاده بعد مَوته إِلَى ضروب من الدَّعَاوَى الْبَاطِلَة وَلما نسبونا إِلَى أَنا ننصب الإِمَام بشهوتنا واختيارنا ونقموا ذَلِك منا كشفنا لَهُم بِالآخِرَة أَنا لسنا نقدم إِلَّا من قدمه الله فان الامامة عندنَا تَنْعَقِد بِالشَّوْكَةِ والشوكة تقوم بالمبايعة والمبايعة لَا تحصل إِلَّا بِصَرْف الله تَعَالَى الْقُلُوب قهرا إِلَى الطَّاعَة والموالاة وَهَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر ويدلك عَلَيْهِ انه لَو اجْمَعْ خلق كثير لَا يُحْصى عَددهمْ على أَن يصرفوا وُجُوه الْخلق وعقائدهم عَن الْمُوَالَاة للامامة العباسية عُمُوما وَعَن المشايعة للدولة المستظهرية أيدها الله بالدوام خُصُوصا لافنوا اعمارهم فِي الْحِيَل والوسائل وتهيئة الاسباب والوصائل وَلم يحصلوا فِي اخر الامور الا على الخيبة والحرمان
فَهَذَا طَرِيق أقامة الْبُرْهَان على أَن الامام الْحق هُوَ أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه حرس الله ظلاله فِي هَذَا الْعَصْر وَلم يبْق الاحسم مطاعن المنكرين فِي دَعوَاهُم اختلال شَرَائِط الامامة وفوات صِفَات الائمة وَهَا نَحن نبين وَجه الْحق فِيهِ فِي معرض سُؤال وَجَوَاب
فَإِن قَالَ قَائِل مَا ذكرتموه من التَّرْجِيح وَتَعْيِين هَذِه الْجِهَة الْكَرِيمَة لمن يسْتَحق الامامة انما يستتب إِذا أظهر تمّ وجود شَرَائِط الْإِمَامَة وصفات الْأَئِمَّة وَلها شُرُوط كَثِيرَة لَا تَنْعَقِد دون شُرُوطهَا بل لَو تطرق الْخلَل إِلَى شَرط من شرائطها امْتنع انْعِقَادهَا ففصلوا الشُّرُوط وبينوا تحققها حَتَّى
[ ١٧٩ ]
نسلم لكم ثُبُوت الْإِمَامَة ونبطل مَذْهَب الْقَائِلين بِأَن هَذَا الْعَصْر والأعصار الخالية القربية كَانَت خَالِيَة عَن الإِمَام لفقد شُرُوط الْإِمَامَة فِي المترشحين لَهَا
الْجَواب إِن الَّذِي عده عُلَمَاء الْإِسْلَام من صِفَات الْأَئِمَّة وشروط الْإِمَامَة تحصرها عشر صِفَات سِتّ مِنْهَا خلقية لَا تكتسب واربع مِنْهَا تكتسب أَو يُفِيد الِاكْتِسَاب فِيهَا مزيدا فَأَما السِّت الخلقية فَلَا شكّ فِي حُضُورهَا وَلَا تتَصَوَّر المجاحدة فِي وجودهَا الأولى الْبلُوغ فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لصبي لم يبلغ الثَّانِيَة الْعقل فَلَا تَنْعَقِد لمَجْنُون فَإِن التَّكْلِيف ملاك الْأَمر وعصامه وَلَا تَكْلِيف على صبي وَمَجْنُون الثَّالِثَة الْحُرِّيَّة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لرقيق فَإِن منصب الْإِمَامَة يَسْتَدْعِي استغراق الْأَوْقَات فِي مهمات الْخلق فَكيف ينتدب لَهَا من هُوَ كالمفقود فِي حق نَفسه الْمَوْجُود لمَالِك يتَصَرَّف تَحت تَدْبيره وتسخيره كَيفَ وَفِي اشْتِرَاط نسب قُرَيْش مَا يتَضَمَّن هَذَا الشَّرْط إِذْ لَيْسَ يتَصَوَّر الرّقّ فِي نسب قُرَيْش بِحَال من الاحوال الرَّابِعَة الذكورية فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة لامْرَأَة وان اتصفت بِجَمِيعِ خلال الْكَمَال وصفات الِاسْتِقْلَال وَكَيف تترشح امْرَأَة لمنصب الامامة وَلَيْسَ لَهَا منصب الْقَضَاء وَلَا منصب الشَّهَادَة فِي اكثر الحكومات الْخَامِسَة نسب قُرَيْش لَا بُد مِنْهُ لقَوْله ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَاعْتِبَار هَذَا مَأْخُوذ من التَّوْقِيف وَمن اجماع أهل الاعصار الخالية على أَن الْإِمَامَة لَيست إِلَّا فِي هَذَا النّسَب وَلذَلِك لم يتصد لطلب الامامة غير قرشي فِي عصر من الاعصار مَعَ شغف النَّاس بِالِاسْتِيلَاءِ والاستعلاء وبذلهم
[ ١٨٠ ]
غَايَة الْجهد والطاقة فِي الترقي إِلَى منصب الْعلَا وَلذَلِك لما هم المخالفون بِمصْر لطلب هَذَا الامر ادعوا أَولا لانفسهم الاعتزاء الى هَذَا النّسَب علما مِنْهُم بَان الْخلق متطابقون على اعْتِقَادهم لانحصار الامامة فيهم السَّادِسَة سَلامَة حاسة السّمع وَالْبَصَر اذ لَا يتَمَكَّن الاعمى والاصم من تَدْبِير نَفسه فَكيف يتقلد عُهْدَة الْعَالم وَلذَلِك لم يستصلحا لمنصب الْقَضَاء واضاف مصنفون إِلَى هَذَا اشْتِرَاط السَّلامَة من البرص والجذام والزمانة وَقطع الاطراف وَسَائِر الْعُيُوب الْفَاحِشَة المنفرة وانكره منكرون وَقَالُوا لَا حَاجَة الى وجود السَّلامَة من هَذِه الامراض فان التكفل بامور الْخلق وَالْقِيَام بمصالحهم لَا تستدعيها وَلم يرد من الشَّارِع تَوْقِيف وَتعبد فِيهَا وَلَيْسَ من غرضنا بَيَان الصَّحِيح من المذهبين وانما الْمَقْصُود ان هَذِه الصِّفَات السِّت غريزية لَا يُمكن اكتسابها وهى بجملتها حَاضِرَة حَاصِلَة فَلَا تثور مِنْهَا شُبْهَة المعاندة أما الصِّفَات الاربع المكتسبة وهى النجدة والكفاية وَالْعلم والورع فقد اتَّفقُوا على اعْتِبَارهَا وَنحن نبين وجود الْقدر الْمَشْرُوط لصِحَّة الامامة فِي الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ ثَبت الله دولته وان امامته على وفْق الشَّرْع وانه يجب على كل مفت من عُلَمَاء الدَّهْر ان يفني على الْقطع بِوُجُوب طَاعَته على الْخلق ونفوذ اقضيته
[ ١٨١ ]
بِالْحَقِّ وبصحة تَوليته للولاة وتقليده للقضاة وَصرف حُقُوق الله اليه ليصرفها إِلَى مصارفها وبوجهها إِلَى مظانها ومواقعها ونتكلم فِي هَذِه الصِّفَات الاربع على التَّرْتِيب
القَوْل فِي الصّفة الأولى وَهِي النجدة فَنَقُول مُرَاد الائمة بالنجدة ظُهُور الشَّوْكَة وموفور الْعدة والاستظهار بالجنود وَعقد الالوية والبنود والاستمكان بتضافر الاشياع والاتباع من قمع الْبُغَاة والطغاة ومجاهدة الْكَفَرَة والعتاة وتطفئة نائرة الْفِتَن وحسم مواد المحن قبل أَن يستظهر شررها وينتشر ضررها هَذَا هُوَ المُرَاد بالنجدة وَهِي حَاصِلَة لهَذِهِ الْجِهَة المقدسة فالشوكة فِي عصرنا هَذَا من اصناف الْخَلَائق للترك وَقد اسعدهم الله تَعَالَى بموالاته ومحبته حَتَّى انهم يَتَقَرَّبُون الى الله بنصرته وقمع اعداء دولته ويتدينون باعتقاد خِلَافَته وامامته وَوُجُوب طَاعَته كَمَا يندينون بِوُجُوب اوامر الله وبتصديق رسله فِي رسَالَته فَهَذِهِ نجدة لم يثبت مثلهَا لغيره فَكيف يتمارى فِي نجدته
فَإِن قيل كَيفَ تحصل نجدته بهم وانا نراهم يتهجمون على مُخَالفَة اوامره ونواهيه ويتعدون الْحُدُود المرسومة لَهُم فِيهِ وانما تحصل الشَّوْكَة بِمن يتَرَدَّد تَحت الطَّاعَة على حسب الِاسْتِطَاعَة وهولاء فِي حركاتهم
[ ١٨٢ ]
لَا يَتَرَدَّدُونَ الا خلف شهواتهم واذا هاج لَهُم غضب أَو حركتهم شَهْوَة أَو أوغر صُدُورهمْ ضغينة لم يبالوا بالاتباع وَلم يعرفوا الا الرُّجُوع الى مَا جبلوا عَلَيْهِ من طباع السبَاع فَكيف تقوم الشَّوْكَة بهم
قُلْنَا هَذَا سُؤال فِي غَايَة الركاكة فَإِن الطَّاعَة الْمَشْرُوطَة فِي حق الْخلق لقِيَام شَوْكَة الامام لَا تزيد على الطَّاعَة الْمَشْرُوطَة على الارقاء وَالْعَبِيد فِي حق ساداتهم وَلَا على الطَّاعَة الْمَفْرُوضَة على الْمُكَلّفين لله وَرَسُوله واحوال العبيد فِي طَاعَة سيدهم وأحوال الْعباد فِي طَاعَة رَبهم لَا تنفك عَن الانقسام إِلَى مُوَافقَة وَمُخَالفَة فَلَمَّا انقسم المكلفون إِلَى المطيعين والعصاة وَلم ينسلخوا بِهِ عَن اهاب الاسلام وَلَا انسلوا بِهِ عَن ربقته مَا داموا معتقدين ان الطَّاعَة لله مَفْرُوضَة وان الْمُخَالفَة مُحرمَة ومكروهة فَهَذَا حَال الْجد فِي الطَّاعَة لصَاحب الامر فانهم وان خالفوا امرا من الاوامر الْوَاجِبَة الطَّاعَة اعتقدوا الْمُخَالفَة اساءة والموافقة حَسَنَة وَلذَلِك تراهم لَا يغيرون العقيدة عَن الْمُوَالَاة وَلَو قطعُوا إربا وَمَا من شخص يقدر مُخَالفَته فِي أَمر من الْأُمُور إِلَّا وَهُوَ بِعَيْنِه إِذا انْتهى إِلَى العتبة الشَّرِيفَة صفع الأَرْض خاضعا وعفر خَدّه فِي التُّرَاب متواضعا ووقف وقُوف أذلّ العبيد على بَابه وانتهض مائلا على رجلَيْهِ عِنْد سَماع خطابه وَلَو نبغت نَابِغَة فِي طرف من أَطْرَاف الأَرْض على معاداة هَذِه الدولة الزاهرة لم يكن فيهم أحد إِلَّا وَيرى النضال دون حوزتها جهادا فِي سَبِيل الله نازلا منزلَة جِهَاد الْكفَّار فأية طَاعَة فِي عَالم الله تزيد على هَذِه الطَّاعَة وأية شَوْكَة فِي الدُّنْيَا تقَابل هَذِه الشَّوْكَة وليت شعري لم لَا يتَذَكَّر الباطنية عِنْد إِيرَاد هَذَا السُّؤَال مَا جرى لعَلي ﵁ من اضْطِرَاب الاحوال وتخلف أشياعه عَنهُ فِي الْقِتَال ومخالفتهم لاستصوابه فِي أَكثر الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال حَتَّى كَانَ لَا تنفك خطْبَة من خطبه عَن شكايتهم فِي الْإِعْرَاض عَنهُ والاستبداد برأيهم حَتَّى كَانَ يَقُول
[ ١٨٣ ]
لَا رأى لمن لَا يطاع فاذا كَانَت تقوم شوكته بِاتِّبَاع الاكثر من اتِّبَاعه من انتصاب من انتصب لمُخَالفَته فَكيف لَا تقوم الشَّوْكَة فِي زَمَاننَا هَذَا وَالْحَال على مَا ذكرنَا فان قيل كَانَ عَليّ ﵁ يتَوَلَّى الامر بِنَفسِهِ ويباشر الحروب ويتبرج لِلْخلقِ وَلَا يحتجب عَنْهُم قُلْنَا وَمن الَّذِي شَرط فِي الْإِمَامَة مُبَاشرَة الْأُمُور وتعاطيها بِنَفسِهِ نعم لَا حرج عَلَيْهِ لَو بَاشر بِنَفسِهِ فَإِذا اسْتغنى بجُنُوده وَأَتْبَاعه عَن المقاساة للحرب بِنَفسِهِ جَازَ لَهُ الِاقْتِصَار على مُجَرّد الرَّأْي وَالتَّدْبِير إِذا رُوجِعَ فِي الْأُمُور الْقَرِيبَة مِنْهُ وَمن قطره والتفويض إِلَى ذَوي الرَّأْي الموثوق ببصيرتهم فِي الْأُمُور الْبَعِيدَة عَنهُ وَهَذَا الْآن فِي عصرنا مُسْتَغْنى عَنهُ فقد سخر الله رجال الْعَالم وأبطالهم لموالاة هَذِه الحضرة وطاعتها حَتَّى تبددوا فِي أقطار الدُّنْيَا كَمَا نشاهد ونرى فَلَيْسَ وَرَاء هَذِه الشَّوْكَة أَمر يشْتَرط وجوده لصِحَّة الْإِمَامَة فَإِن قيل وَمَا بالكم تنْظرُون إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا تنْظرُون إِلَى جنود الْمُخَالفين وهم أَيْضا مستظهرين بشوكة على مُخَالفَة هَذِه الشَّوْكَة قُلْنَا مهما كَانَت الْكَثْرَة من هَذَا الْجَانِب لم تقدح مُخَالفَة المخ الفين أفترى لم لم ينظر الباطني إِلَى شَوْكَة مُعَاوِيَة وعدته ومقاومته لعلى بجُنُوده وأنصاره فَكيف لمَم يشْتَرط فِي صِحَة الْإِمَامَة أَن تصفو لَهُ جَوَانِب الدُّنْيَا عَن قذى الْمُخَالفَة وَلَو شَرط هذافي الإمانة لم تَنْعَقِد الأمامة لأحد قطّ من مبدأالامرإلى زَمَاننَا هَذَا فقد اتَّضَح أَن الْمَشْرُوط من هَذِه الصّفة مَوْجُود وَزِيَادَة
[ ١٨٤ ]
القَوْل فِي الصّفة الثَّانِيَة وَهِي الْكِفَايَة وَمَعْنَاهَا التهدى لحق الْمصَالح فِي معضلات الْأُمُور والاطلاع على المسلك المقتصد عِنْد تعَارض الشرور كالعقل الَّذِي يُمَيّز الْخَيْر عَن الشَّرّ وينصف بِهِ الْجُمْهُور وَإِنَّمَا الْعَزِيز المعون عقل يعرف خير الخيرين وَشر الشريرين وَذَلِكَ أَيْضا فِي الْأُمُور العاجلة وَهِي هينة قريبَة وَإِنَّمَا الملتبس عواقب الْأُمُور المخطرة وَلنْ يسْتَقلّ بهَا إِلَّا مُسَدّد للتوفيق من جِهَة الله تَعَالَى وَنحن نقُول إِن هَذِه الصّفة حَاصِلَة فَإِن أَسبَابهَا متوافرة فَإِنَّهَا مهما حصل من غريزة الْعقل وانفك عَن العته والخبل كَانَ الْوُصُول إِلَى دَرك عواقب الْأُمُور بطرِيق الظَّن والحدس مَبْنِيا على ركنين أَحدهمَا الْفِكر وَالتَّدْبِير وَشَرطه الفطنة والذكاء وَهَذِه خصْلَة تميز فِيهَا الْمَنْصُور إِمَامَته والمفروض طَاعَته عَن النظراء بمزيد النَّفاذ والمضاء حَتَّى صَار أكَابِر الْعُقَلَاء يتعجبون فِي معضلات الوقائع من رَأْيه الصائب وعقله الثاقب وتفطنه للدقائق يشذ عَن دَرك المحنكين من ذَوي التجارب وَهَذِه صفة غريزية وَهِي من الله تحفة وهدية
والركن الثَّانِي الاستضاءة بخاطر ذوى البصائر واستطلاع راى اولى التجارب على طَرِيق الْمُشَاورَة وَهِي الْخصْلَة الَّتِي امْر الله بهَا نبيه إِذْ قَالَ ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ ثمَّ شَرطه أَن يكون المستشير مُمَيّزا بَين
[ ١٨٥ ]
الْمَرَاتِب عَارِفًا للمناصب معولا على راى من يوثق بدهائه وكفايته ومضائه وصرامته وشفقته وديانته وَهَذَا هُوَ الرُّكْن الاعظم فِي تَدْبِير الامور فان الاستبداد بِالرَّأْيِ وان كَانَ من ذوى البصائر مَذْمُوم ومحذور وَقد وفْق الله الإِمَام بتفويض مقاليد أمره إِلَى وزيره الَّذِي لم يقطع ثوب الوزارة الا على قده حَتَّى استظهر بآرائه السديدة فِي نَوَائِب الزَّمَان ومعضلات الْحدثَان ومراعاة مصَالح الْخلق فِي حفظ نظام الدّين وَالْملك وَهُوَ الْجَامِع للصفات الَّتِي شَرطهَا الشَّرْع وَالْعقل فِي الْمُدبر والمشير من متانة الدّين ونقاية الرأى وممارسة الخطوب ومقاساة الشدائد فِي طوارق الايام ورزانة الْعقل والعطف على الْخلق والتلطف بالرعية وبمجموع هذَيْن الامرين يفهم مَطْلُوب الْكِفَايَة فان مقصودها اقامة تناظم الامور الدِّينِيَّة والدنيوية وَهَذِه قَضِيَّة يسْتَدلّ على وجودهَا بمشاهدة الاحوال والافعال فَلْينْظر الْمنصف كَيفَ عالج معضلات الزَّمَان بِحسن رايه لما استاثر الله بِروح الامام المقتدى وامتع كَافَّة الْخلق بالامامة الزاهرة المستظهرية وَقد وَافق وَفَاته احداق العساكر بِمَدِينَة السَّلَام وازدحام اصناف الْجند على حافتها وَالزَّمَان زمَان الفترة وَالدُّنْيَا طافحة بالمحن متموجة بالفتن وَالسُّيُوف مسلولة فِي اقطار الارض وَالِاضْطِرَاب عَام فِي سَائِر الْبِلَاد لَا يسكن فِيهَا اوار الْحَرْب وَلَا تنفك عَن الطعْن وَالضَّرْب وامتدت اطماع الْجند الى الذَّخَائِر ففغروا أَفْوَاههم نَحْو الخزائن وَكَانَ يتداعى إِلَى تَغْيِير الضمائر وثور الاحقاد والضغائن فَلم يزل بدهائه وذكائه
[ ١٨٦ ]
وَحسن نظره ورايه مراعيا لنظام الامر مترددا بَين اللطف والعنف حَتَّى انْعَقَدت الْبيعَة وانتشرت الطَّاعَة واذعنت الرّقاب واتسقت الاسباب وانطفات الْفِتَن الثائرة وظل ظلّ الْخلَافَة بِحسن تَدْبيره وبراى وزيره ممدودا واصبح لِوَاء النَّصْر بِحسن مساعيه معقودا وَطَرِيق الْفساد بهيبته مسدودا واضحت الرعايا فِي رعايته وَادعَة وَصَارَت عين الْحَوَادِث بِحسن كلاءته عَن مديته السَّلَام هاجعة فليت شعري هَل تكسب مثل هَذِه العظائم الا بِكَمَال الْكِفَايَة ونباهة الحزم وَالْهِدَايَة وَهل يسْتَدلّ على كِفَايَة الْمُلُوك بِشَيْء سوى انتظام التَّدْبِير وَحسن الراى فِي اخْتِيَار المشير والوزير فَلَيْسَ يعْتَبر فِي صِحَة الامامة صفة الْكِفَايَة الا مَا يسر الله سُبْحَانَهُ لَهُ اضعاف ذَلِك فليقطع بِوُجُود هَذِه الشريطة ايضا مَضْمُومَة إِلَى سَائِر الشَّرَائِط