وَلكُل لقب سَبَب أما الباطنية فانما لقبوا بهَا لدعواهم أَن لظواهر الْقُرْآن وَالْأَخْبَار بواطن تجرى فِي الظَّوَاهِر مجْرى اللب من القشر وَأَنَّهَا بصورها توهم عِنْد الْجُهَّال الأغبياء صورا جلية وَهِي عِنْد الْعُقَلَاء والأذكياء رموز وإشارات إِلَى حقائق مُعينَة وَأَن من تقاعد عقله عَن الغوص على الحفايا والأسرار والبواطن والأغوار وقنع بظواهرها مسارعا إِلَى الاغترار كَانَ تَحت الأواصر والأغلال معنى بالأوزار والأثقال وَأَرَادُوا ب الأغلال التكليفات
[ ١١ ]
الشَّرْعِيَّة فَإِن من ارْتقى إِلَى علم الْبَاطِن انحط عَنهُ التَّكْلِيف واستراح من أعبائه وهم المرادون بقوله تَعَالَى ٨٨ ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ الْآيَة وَرُبمَا موهوا بالاستشهاد عَلَيْهِ بقَوْلهمْ إِن الْجُهَّال المنكرين للباطن هم الَّذين اريدوا بقوله تَعَالَى ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب﴾ وغرضهم الْأَقْصَى إبِْطَال الشَّرَائِع فَإِنَّهُم إِذا انتزعوا عَن العقائد مُوجب الظَّوَاهِر قدرُوا على الحكم بِدَعْوَى الْبَاطِن على حسب مَا يُوجب الإنسلاخ عَن قَوَاعِد الدّين إِذا سَقَطت الثِّقَة بِمُوجب الالفاظ الصَّرِيحَة فَلَا يبْقى للشَّرْع عِصَام يرجع إِلَيْهِ ويعول عَلَيْهِ
وَأما القرامطة فانما لقبوا بهَا نِسْبَة الى رجل يُقَال لَهُ حمدَان قرمط كَانَ اُحْدُ دعاتهم فِي الِابْتِدَاء فَاسْتَجَاب لَهُ فِي دَعوته رجال فسموا قرامطة وقرمطية وَكَانَ الْمُسَمّى حمدَان قرمط رجلا من اهل الْكُوفَة مائلا الى الزّهْد فصادفه اُحْدُ دعاة الباطنية فِي طَرِيق وَهُوَ مُتَوَجّه الى قريته وَبَين يَدَيْهِ بقر يَسُوقهَا فَقَالَ حمدَان لذَلِك الدَّاعِي وَهُوَ لَا يعرفهُ وَلَا يعرف حَاله أَرَاك سَافَرت عَن مَوضِع بعيد فَأَيْنَ مقصدك فَذكر موضعا هُوَ قَرْيَة حمدَان فَقَالَ لَهُ حمدَان اركب بقرة من هَذِه الْبَقر لتستريح عَن تَعب الْمَشْي فَلَمَّا رَآهُ مائلا الى الزّهْد والديانة اتاه من حَيْثُ رَآهُ مائلا اليه فَقَالَ اني لم اومر بذلك فَقَالَ حمدَان وكأنك لَا تعْمل الا بامر
[ ١٢ ]
قَالَ نعم قَالَ حمدَان وبأمر من تعْمل فَقَالَ الدَّاعِي بامر مالكي ومالكك وَمن لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ حمدَان ذَلِك إِذن هُوَ رب الْعَالمين فَقَالَ الدَّاعِي صدقت وَلَكِن الله يهب ملكه لمن يَشَاء قَالَ حمدَان وَمَا غرضك فِي الْبقْعَة الَّتِي انت مُتَوَجّه اليها قَالَ امرت أَن ادعو اهلها من الْجَهْل الى الْعلم وَمن الضلال الى الْهدى وَمن الشقاوة الى السَّعَادَة وان استنقذهم من ورطات الذل والفقر واملكهم مَا يستغنون بِهِ عَن الكد والتعب فَقَالَ لَهُ حمدَان انقذني انقذك الله وافض عَليّ من الْعلم مَا يحببني بِهِ فَمَا اشد احتياجي الى مثل مَا ذكرته فَقَالَ الدَّاعِي وَمَا امرت بَان اخْرُج السِّرّ المخزون لكل اُحْدُ الا بعد الثِّقَة بِهِ والعهد عَلَيْهِ فَقَالَ حمدَان وَمَا عَهْدك فاذكره لي فَانِي مُلْتَزم لَهُ فَقَالَ الدَّاعِي ان تجْعَل لي وَللْإِمَام على نَفسك عهد الله وميثاقه ان لَا يخرج سر الإِمَام الَّذِي أَلقيته اليك وَلَا تفشي سري أَيْضا
فالتزم حمدَان سره ثمَّ انْدفع الدَّاعِي فِي تَعْلِيمه فنون جَهله حَتَّى
[ ١٣ ]
استدرجه واستغواه واستجاب لَهُ فِي جَمِيع مَا دَعَاهُ ثمَّ انتدب حمدَان للدعوة وَصَارَ اصلا من أصُول هَذِه الدعْوَة فَسمى اتِّبَاعه القرمطية
وَأما الخرمية فلقبوا بهَا نِسْبَة لَهُم الى حَاصِل مَذْهَبهم وزبدته فانه رَاجع الى طي بِسَاط التَّكْلِيف وَحط أعباء الشَّرْع عَن المتعبدين وتسليط النَّاس على اتِّبَاع اللَّذَّات وَطلب الشَّهَوَات وَقَضَاء الوطر من الْمُبَاحَات والمحرمات وخرم لفظ اعجمي يُنبئ عَن الشئ المستلذ المستطاب الَّذِي يرتاح الانسان اليه بمشاهدته ويهتز لرُؤْيَته وَقد كَانَ هَذَا لقبا للمزدكية وهم اهل الْإِبَاحَة من الْمَجُوس الَّذين نبغوا فِي ايام قباذ وأباحوا النِّسَاء وان كن من الْمَحَارِم وَأَحلُّوا كل مَحْظُور وَكَانُوا يسمون خرمدينية فَهَؤُلَاءِ ايضا لقبوا بهَا لمشابهتهم اياهم فِي اخر الْمَذْهَب وان خالفوهم فِي الْمُقدمَات وسوابق الْحِيَل فِي الاستدراج وَأما البابكية فاسم لطائفة مِنْهُم بَايعُوا رجلا يُقَال لَهُ بابك الخرمي وَكَانَ خُرُوجه فِي بعض الْجبَال بِنَاحِيَة أذربيجان فِي أَيَّام المعتصم بِاللَّه واستفحل أَمرهم واشتدت شوكتهم وقاتهلم افشين صَاحب حبس المعتصم مداهنا لَهُ فِي قِتَاله ومتخاذلا عَن الْجد فِي قمعه إضمارا لموافقته فِي ضلاله فاشتدت وَطْأَة البابكية على جيوش الْمُسلمين حَتَّى مزقوا جند الْمُسلمين وبددوهم منهزمين الى أَن هبت ريح النَّصْر وَاسْتولى عَلَيْهِم
[ ١٤ ]
المعتصم المترشح للْإِمَامَة فِي ذَلِك الْعَصْر فصلب بابك وصلب أفشين بإزائه وَقد بَقِي من البابكية جمَاعَة يُقَال إِن لَهُم لَيْلَة يجْتَمع فِيهَا رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ ويطفئون سرجهم وشموعهم ثمَّ يتناهبون النِّسَاء فيثب كل رجل إِلَى إمرأة فيظفر بهَا ويزعمون ان من استولى على امْرَأَة اسْتَحلَّهَا بالاصطياد فَإِن الصَّيْد من أطيب الْمُبَاحَات وَيدعونَ مَعَ هَذِه الْبِدْعَة نبوة رجل كَانَ من مُلُوكهمْ قبل الاسلام يُقَال لَهُ شروين
[ ١٥ ]
ويزعمون أَنه كَانَ افضل من نَبينَا ﷺ وَمن سَائِر الْأَنْبِيَاء قبله
وَأما الاسماعيلية فَهِيَ نسبى لَهُم الى ان زعيمهم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ابْن جَعْفَر ويزعمون ان أدوار الإمامية انْتَهَت بِهِ اذ كَانَ هُوَ السَّابِع من مُحَمَّد ﷺ وأدوار الإماميه سَبْعَة سَبْعَة عِنْدهم فأكبرهم يثبتون لَهُ منصب النُّبُوَّة وَإِن ذَلِك يسْتَمر فِي نسبه وأعقابه وَقد اورد أهل المعرفه بِالنّسَبِ فِي كتاب الشجره أَنه مَاتَ وَلَا عقب لَهُ وَأما السبعيه فَإِنَّمَا لقبوا بهَا لأمرين أَحدهمَا اعْتِقَادهم أَن أدوار الْإِمَامَة سَبْعَة وَأَن الإنتهاء الى السَّابِع هُوَ أخر الدّور وَهُوَ المُرَاد بالقيامة وَأَن تعاقب هَذِه الادوار لَا آخر لَهَا قطّ وَالثَّانِي قَوْلهم إِن تدابير الْعَالم السفلي اعني مَا يحويه مقعر فلك الْقَمَر منوطة بالكواكب السَّبْعَة الَّتِي اعلاها زحل ثمَّ المُشْتَرِي ثمَّ المريخ ثمَّ الشَّمْس ثمَّ الزهرة ثمَّ عُطَارِد ثمَّ الْقَمَر وَهَذَا الْمَذْهَب مسترق من ملحدة المنجمين وملتفت الى مَذْهَب الثنوية فِي ان النُّور يدبر اجزاؤه الممتزجة بالظلمة بِهَذِهِ الْكَوَاكِب السَّبْعَة فَهَذَا سَبَب هَذَا التقليب
[ ١٦ ]
وَأما المحمرة فَقيل انهم لقبوابه لانهم صبغواالثياب بالحمرة ايام بابك ولبسوها وَكَانَ ذَلِك شعارهم وَقيل سَببه انهم يقررون ان كل من خالفهم من الْفرق واهل الْحق حمير والاصح هُوَ التَّأْوِيل الاول
وَأما التعليمية فانهم لقبوا بهَا لِأَن مبدأ مذاهبهم ابطال الرَّأْي وَإِبْطَال تصرف الْعُقُول ودعوة الْخلق الى التَّعْلِيم من الامام الْمَعْصُوم وانه لَا مدرك للعلوم الا التَّعْلِيم وَيَقُولُونَ فِي مُبْتَدأ مجادلتهم الْحق اما ان يعرف بِالرَّأْيِ وَإِمَّا ان يعرف بالتعلم وَقد بَطل التعويل على الرَّأْي لتعارض الاراء وتقابل الاهواء وَاخْتِلَاف ثَمَرَات نظر الْعُقَلَاء فَتعين الرُّجُوع الى التَّعْلِيم والتعلم وَهَذَا اللقب هُوَ الاليق بباطنية هَذَا الْعَصْر فان تعويلهم الاكثر على الدعْوَة الى التَّعْلِيم وابطال الرَّأْي وايجاب اتِّبَاع الامام الْمَعْصُوم وتنزيله فِي وجوب التَّصْدِيق والاقتداء بِهِ منزلَة رَسُول الله ﷺ
[ ١٧ ]