وَقد عجزت طَائِفَة مِنْهُم عَن التَّمَسُّك بطرِيق النّظر لمناقضة ذَلِك مسلكهم فِي إبِْطَال نظر الْعقل وَإِيجَاب الإتباع فعدلوا الى مَنْهَج الإمامية بِحَيْثُ استدلوا على إِمَامَة عَليّ ﵁ بِالنَّصِّ وَزَعَمُوا أَنَّهَا مطردَة فِي عترته فطمع هَؤُلَاءِ فِي التَّمَسُّك بِالنَّصِّ مَعَ مُخَالفَة مَذْهَبهم مَذْهَب الإمامية فزعموا انه ﵇ نَص على عَليّ وَنَصّ عَليّ على وَلَده حَتَّى انْتهى الى الَّذِي هُوَ الان متصد للْإِمَامَة بِكَوْنِهِ مَنْصُوصا عَلَيْهِ مِمَّن كَانَ قبله وَهَذَا غير مُمكن لهَذِهِ الْفرْقَة فَإِنَّهُم بَين التَّعَلُّق فِيهِ بأخبار آحَاد لَا تورث الْعلم وَلَا تفِيد الْيَقِين وثلج الصَّدْر بل يحْتَمل فِيهِ تعمد الْكَذِب تَارَة والغلط فِيهِ اخرى
[ ١٣٢ ]
ولمنهج هَؤُلَاءِ اجتووا طرق النّظر فِي العقليات احْتِرَازًا عَمَّا فِيهَا من الْخَطَأ فَكيف يستتب لَهُم التَّمَسُّك بأخبار الْآحَاد فيضطرون الى دَعْوَى خبر متواتر فِيهِ من صَاحب الشَّرْع صلوَات الله عَلَيْهِ تجْرِي فِي الوضوح مجْرى الْخَبَر الْمُتَوَاتر فِي بعثته ودعوته وتحديه بِالنُّبُوَّةِ وشرعه الصَّلَوَات الْخمس وَالْحج وَالصَّوْم وَسَائِر الوقائع المستفيضة وَمهما رَاجع الْعَاقِل بصيرته اسْتغنى فِي معرفَة اسْتِحَالَة هَذِه الدَّعْوَى عَن مرشد يرشده ويسدد منهجه على وَجه الاستحالة كَيفَ وَقد استحالت هَذِه الدَّعْوَى وتعذرت على الامامية فِي دَعْوَى إِمَامَة عَليّ فَقَط فَكيف تستتب لهَؤُلَاء دَعْوَى إِمَامَة صَاحبهمْ مَعَ تضَاعف الشّغل عَلَيْهِم وَكَثْرَة دعاويهم إِلَى أَن ينساقوا إِلَى إِثْبَات الْإِمَامَة لمن إعتقدوا إِمَامَته الْيَوْم وَلَكنَّا مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَن الايضاح لفساد دَعوَاهُم ننبه على مَا فِيهِ من الْعسر والاستحالة ونقول مدعي الْإِمَامَة الْيَوْم لشخص معِين من عترة رَسُول الله ﷺ يفْتَقر الى نَص متواتر عَن رَسُول الله على عَليّ ﵁ يَنْتَهِي فِي الوضوح الى حد الْخَبَر الْمُتَوَاتر عَن وجود عَليّ وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ فَإنَّا بالتواتر عرفنَا وجودهم وَمهما ادّعى تَوَاتر هَذَا الْخَبَر فِي زمَان رَسُول الله ﷺ افْتقر الى حد التَّوَاتُر بعده فِي كل عصر ينقرض حَتَّى
[ ١٣٣ ]
لَا يزَال النَّقْل متواترا على تناسخ الْأَعْصَار وانقراض الْقُرُون بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِي بُلُوغ المخبرين حد التَّوَاتُر طرف الْخَبَر وواسطته وَهَذَا مُمْتَنع يفْتَقر فِي كل وَاحِد من عَليّ وَأَوْلَاده ﵁ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَرْبَعَة أُمُور الاول أَن يثبت أَنه مَاتَ عَن وَلَده وَلم يمت أَبتر لَا ولد لَهُ حَتَّى يعرف وَلَده كَمَا عرف عَليّ ﵁ وتعرف صِحَة انسابهم كَمَا عرف صِحَة انساب عَليّ الثَّانِي أَن يثبت أَن كل وَاحِد مِنْهُم نَص على وَلَده قبل وَفَاته وَجعله ولي عَهده وعينه من بَين سَائِر أَوْلَاده فانتصب للْإِمَامَة بتوليته وَلم يمت وَاحِد إِلَّا بعد التَّنْصِيص وَالتَّعْيِين على ولي عَهده الثَّالِث ان ينْقل أَيْضا خَبرا متواترا انه ﷺ جعل نَص جَمِيع اولاده بِمَنْزِلَة نَصه فِي وجوب الطَّاعَة ومصادفته لمنظنة الِاسْتِحْقَاق ووقوعه على الْمُسْتَحق للمنصب من جِهَة الله تَعَالَى حَتَّى لَا يتَصَوَّر وُقُوع الْخَطَأ لوَاحِد مِنْهُم فِي التَّعْيِين الرَّابِع أَن ينْقل أَيْضا بَقَاء الْعِصْمَة وَالصَّلَاح للْإِمَامَة من وَقت نَصه على من نَص عَلَيْهِ إِلَى ان توفّي هُوَ بعد نَصه على غَيره فَلَو انخرمت رُتْبَة من هَذِه الرتب لم تستمر دعاويهم وَلَو اثبتوا تَوَاتر نَص كل وَاحِد مِنْهُم وَوُجُود وَلَده فِي الْعَصْر الأول فَلَا يغنيهم حَتَّى يثبتوا تواتره كَذَلِك فِي سَائِر الْأَعْصَار المتوالية بعده عصرا بعد عصر وَهَذِه أُمُور لَو ثَبت التَّوَاتُر فِيهَا لعَلِمت كَمَا يعلم وجود الانبياء وَوُجُود الاقطار الَّتِي لم تشاهد كالصين وقيروان الْمغرب وَوُجُود الوقائع كحرب بدر وصفين وَلَا يشْتَرك النَّاس فِي دركه حَتَّى كَانَ لَا يقدر اُحْدُ على ان يشكك فِيهِ نَفسه وَلَيْسَ يخفى أَن الْأَمر فِي هَذِه الدَّعَاوَى بالضد إِذْ لَو كلف الْإِنْسَان ان يَتَّسِع لتجويز مَا قَالُوهُ وإمكانه لم يتَمَكَّن بل علم قطعا خِلَافه فَكيف يتَصَوَّر الطمع فِي اثباته وَكَيف يتواقحون على دَعْوَاهُ وَقد اخْتلف الْقَائِلُونَ بِوُجُوب الإِمَام الْمَعْصُوم
[ ١٣٤ ]
فِي جمَاعَة من الْأَئِمَّة بزعمهم انه خلف ولدا اَوْ لم يخلف وَاخْتلفُوا فِي تعْيين الْإِمَامَة فِي بَعضهم وَاخْتلفُوا فِي ظُهُوره فَقَالَ قَائِلُونَ الإِمَام مَوْجُود وَلكنه لَيْسَ يظْهر تقية وَقَالَ آخَرُونَ هوظاهر فَكيف خالفهم اصحابهم وان كَانُوا قد عرفُوا ذَلِك بِنَصّ متواتر فَكيف قبلوه من الْآحَاد ان لم يكن متواتر وَقَول الْآحَاد لَا يُورث إِلَّا الظَّن فاستبان ان مَا ذَكرُوهُ طمع فِي غير مطمع وفزع الى غير مفزع ومثالهم فِي الْفِرَار من مَسْلَك النّظر الى مَسْلَك النَّص مِثَال من يمِيل من البلل الى الْغَرق فَإِن المسلك الأول أقرب إِلَى التلبيس من هَذَا المسلك
فَإِن قَالَ قَائِل قد طولتم الْأَمر عَلَيْهِم وأحرجتموهم إِلَى اثبات النَّص على عَليّ ثمَّ إِثْبَات النَّص من كل وَاحِد من أعقابه ولدا ولدا ثمَّ صِحَة نسبه ثمَّ استفاضة هَذِه الْأَخْبَار اولا ووسطا وآخرا وهم يستغنون عَن جَمِيع ذَلِك بِخَبَر وَاحِد وَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْإِمَامَة بعدِي لعَلي وَبعده لأولاده لَا تخرج من نسبي وَلَا يَنْقَطِع نسبي أصلا وَلَا يَمُوت وَاحِد مِنْهُم قبل تَوليته الْعَهْد لوَلَده
وَهَذَا الْقدر يكفيهم قُلْنَا نعم يكفيهم هَذَا الْقدر إِن كَانَ كل مَا يخْطر بالبال ويوافق شَهْوَة الضلال يُمكن اختراعه وَنَقله متواترا وَلَكِن هَذَا على
[ ١٣٥ ]
هَذَا الْوَجْه لم يَقع وَلَا نقل وَلَا إدعى مُدع وُقُوعه مُعْتَقدًا بِالْبَاطِلِ وَلَا على سَبِيل العناد فضلا عَن أَن ينْطق بِهِ عَن الإعتقاد وَنقل هَذَا النَّص وَدَعوى التَّوَاتُر فِيهِ كدعوى من نقل مضاده وَهُوَ ان الْإِمَامَة لَيست لعَلي بعدِي وَإِنَّمَا هِيَ لابي بكر وانما تكون بعده بِالِاخْتِيَارِ والشورى وان من ادّعى النَّص اَوْ اخْتِصَاص الْإِمَامَة بأولاده من سَائِر قُرَيْش فَهُوَ كَاذِب مُبْطل فَكَمَا نعلم ان هَذَا الْخَبَر لم يكن وَلم ينْقل لاآحادا وَلَا تواترا نعلم ذَلِك فَمَا يناقضه وَمهما فتح بَاب الاختراع اشْترك فِي الاقتدار عَلَيْهِ كل من يحاول اللجاج والنزاع وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستحله ذَوُو الدّين أصلا
فَإِن قَالَ قَائِل هَذِه الدعاوي لَا تستتب لهَؤُلَاء فَهَل تستتب للإمامية فِي دَعْوَى النَّص على عَليّ ﵁ قُلْنَا لَا انما الَّذِي يستتب لَهُم دَعْوَى الفاظ مُحْتَملَة نقلهَا الْآحَاد فَأَما اللَّفْظ الَّذِي هُوَ نَص صَرِيح فَلَا وَدَعوى التَّوَاتُر أَيْضا لَا يُمكن وتيك الالفاظ كَمَا رووا أَنه قَالَ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَقَوله أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى الى غير ذَلِك من الْأَلْفَاظ المحتملة لَا تجْرِي مجْرى النُّصُوص الصَّرِيحَة فَأَما دَعْوَى النَّص الصَّرِيح الْمُتَوَاتر فمحال من وُجُوه مَوضِع استقصائها فِي كتاب الْإِمَامَة من علم الْكَلَام وَلَيْسَ من غرضنا الْآن وَلَكنَّا نذْكر استحالته بمسلكين احدهما انه لَو كَانَ ذَلِك متواتر لما شككنا فِيهِ كَمَا لم يشك فِي وجود عَليّ ﵁ وَلَا فِي انتصابه للخلافة بعد رَسُول الله ﷺ وَلَا فِي امْر
[ ١٣٦ ]
رَسُول الله ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحج فان قَوْله ﵇ فِي التَّنْصِيص على الْخلَافَة بعده على مَلأ من النَّاس لَيْسَ قولا يستحقر فَيسْتر وَلَا يتساهل فِي سَمَاعه فيهمل بل تتوفر الدَّوَاعِي على اشاعته وَلَا تسمح النُّفُوس بإخفائه وَالسُّكُوت عَنهُ وَلم تسمح بِالسُّكُوتِ عَن أَخْبَار وأحوال تقع دون ذَلِك فِي الرُّتْبَة فَهَذَا قَاطع فِي بطلَان دَعوَاهُم الْخَبَر الْمُتَوَاتر وعَلى هَذِه الْجُمْلَة فَلَا تتَمَيَّز دَعوَاهُم عَن دَعْوَى البكرية حَيْثُ قَالُوا إِن النَّبِي ﷺ نَص على أبي بكر ﵁ نصا صَرِيحًا متواترا وَلَا عَن دَعْوَى الروندية إِذْ قَالُوا إِنَّه نَص على الْعَبَّاس نصا متواترا وَهَذِه الاقاويل متعارضة لانها لم تعرف وَلم تظهر بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ عِنْد الْخَوْض فِي الْإِمَامَة
فَلَا تبقى بعد ذَلِك رِيبَة فِي بطلَان هَذِه الدَّعْوَى المسلك الثَّانِي أَن الَّذين نازعوا فِي إِمَامَة أبي بكر وتصدوا للنضال عَن عَليّ ﵄ تمسكوا فِي نصرته بِأَلْفَاظ مُحْتَملَة نقلهَا آحَاد كَقَوْلِه ﵇ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَقَوله أَنْت مني
[ ١٣٧ ]
بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وَكَيف سكتوا عَن النَّص الْمُتَوَاتر الَّذِي لايتطرق التَّأْوِيل الى مَتنه والطعن على سَنَده وَمَعْلُوم ان النُّفُوس فِي مثل هَذِه المثارات تضطرب بأقصى الْإِمْكَان ولاتتعلق بالشبه إِلَّا عِنْد الْعَجز عَن الْبُرْهَان فَهَذَا أَيْضا يعرف الْمنصف ضَرُورَة كذب المخترعين لهَذِهِ الْأُمُور وَإِنَّمَا هدَاهُم إِلَى اختراع دَعْوَى النَّص الْمُتَوَاتر طَائِفَة من الْمُلْحِدِينَ أَرَادو الطعْن على الدّين وهم الَّذين لقنوا الْيَهُود أَن ينقلوا عَن مُوسَى نصا بانه خَاتم النبين وانه قَالَ للْيَهُود عَلَيْكُم بالسبت مَا دَامَت السَّمَوَات والارضون وَكَانَ سسبيلنا فِي الرَّد عَلَيْهِم ان الْيَهُود مَعَ مَا جرى عَلَيْهِم من الذل والإرقاق والسبى للذراري وَالْأَوْلَاد وتخريب الْبِلَاد وَسَفك الدِّمَاء فِي طول زمَان رَسُول الله ﷺ كَانُوا يحتالون بِكُل حِيلَة فِي طمس شَرِيعَته وتطفئة نوره وَدفع استيلائه فَلم لم ينقلوا عَن مُوسَى ﵇ ذَلِك وَلم لم يَقُولُوا لَهُ مَا جِئْت إِلَّا بِتَصْدِيق مُوسَى وانه قَالَ أَنا خَاتم النبين وَمَعْلُوم ان الدَّوَاعِي تتوافر على نقل مثل ذَلِك توافرا لَا يُطَاق السُّكُوت مَعَه وَقد كَانَ فيهم الْأَحْبَار والمتقدمون وَكلهمْ كَانُوا مضطرين تَحت الْقَهْر والذل متعطشين إِلَى دفع حجَّته بأقصى الْجد وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي يكْشف عَن
[ ١٣٨ ]
اختراع هَؤُلَاءِ وتهجمهم على الإختلاق والتخرص فَإِن قيل لَعَلَّه تمسك بِهِ المتمسكون إِلَّا أَنه اندرس وَلم ينْقل إِلَيْنَا قُلْنَا كَيفَ نقل إِلَيْنَا التَّمَسُّك بالألفاظ الظَّاهِرَة وَنقل الْمُنَازعَة فِي الْإِمَامَة من الْأَنْصَار وَقَول قَائِلهمْ أَنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب والدواعي على نقل النَّص أوفر وَلَو جَازَ فتح هَذَا الْبَاب لجَاز لكل ملحد إِذا احتججنا عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَعجز الْخلق عَن معارضته وَبينا بِهِ صدق مُحَمَّد ﷺ أَن يَقُول لَعَلَّه عورض وَلكنه لم ينْقل وتعاطي الْمُسلمُونَ إخفاءه فَإِن قيل أَنْتُم مضطرون الى معرفَة هَذَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَلَكِنَّكُمْ تعاندون فِي إخفائه تعصبا قُلْنَا وَلم تنكرون على من يقلب عَلَيْكُم وَيَقُول انتم تعرفُون بطلَان مَا ينقلون ضَرُورَة وَلَكِنَّكُمْ تعاندون فِي الإختراع وَبِمَ تنفصلون عَن البكرية والروندية إِذا ادعوا ذَلِك فِي النَّص على ابي بكر وَالْعَبَّاس ﵄ فَإِن قيل ألستم تدعون فِي معجزات الرَّسُول ﷺ انْشِقَاق الْقَمَر وَكَلَام الذِّئْب وحنين الْجذع وتكثير الطَّعَام الْقَلِيل إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أنكرهُ كَافَّة الْكفَّار وَطَوَائِف من الْمُسلمين وَلم يكن خلافهم
[ ١٣٩ ]
مَانِعا لكم من دَعْوَى التَّوَاتُر قُلْنَا نَحن لَا ندعي التَّوَاتُر الَّذِي يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ إِلَّا فِي الْقُرْآن أما مَا عداهُ من هَذِه المعجزات فَلَو نقلهَا خلق كثير بلغُوا حد التَّوَاتُر لما تصوروا الشَّك فِيهَا وانما نقلهَا جمَاعَة دون تِلْكَ الْكَثْرَة يعرف صدقهم بضروب من الْأَدِلَّة النظرية وَالِاسْتِدْلَال بالقرائن الخالية من رواتيهم ذَلِك وسكوت الآخرين عَن الْإِنْكَار الى غير ذَلِك من الامور الَّتِي يتَوَصَّل إِلَى استفادة الْعلم مِنْهَا عِنْد إمعان النّظر فِيهَا بدقيق الْفِكر وَمن أعرض عَن النّظر فِي تيك الدَّلَائِل والقرائن وَلم يَتَأَمَّلهَا حق التَّأَمُّل لم يحصل لَهُ الْعلم وَأما انتم فَلَا تقنعون فِي خبركم بِالنَّقْلِ من عدد دون عدد التَّوَاتُر وَلَا بِالْحَاجةِ فِيهِ الى النّظر وَالِاسْتِدْلَال والتأمل فانكم تبطلون طرق النّظر فَلَا تستقيم هَذِه الْمُقَابلَة مِنْكُم فان قيل انْشِقَاق الْقَمَر من الْآيَات العلوية والبراهين السماوية فَكيف يتَصَوَّر ان يخْتَص بمشاهدته عدد دون عدد التَّوَاتُر قُلْنَا وَلَو شَاهده عدد التَّوَاتُر كَيفَ كَانَ يتَصَوَّر التَّرَدُّد فِيهِ وَالْإِنْكَار لَهُ وَهل ترى احدا يتَرَدَّد فِي وجود مَكَّة وَوُجُود أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَسَائِر الْمَشْهُورين وَهِي من الْأُمُور الأرضية وَهل ترى أَن أحدا يتَرَدَّد فِي أَن الشَّمْس كَانَت تطلع فِي أَيَّام نوح ﵇ ضربا للمثل فَإِن ذَلِك لما كَانَ من الْأُمُور المتواترة لم تتَصَوَّر الاسترابة فِيهِ يبْقى قَوْلكُم إِنَّه كَيفَ اخْتصَّ بمشاهدة انْشِقَاق الْقَمَر طَائِفَة فقد قَالَ الْعلمَاء الأصوليون المنكرون لالتباس مَا يتواتر من الْأَخْبَار هَذِه آيَة ليلية فِي وَقت كَانَ النَّاس فِيهِ نياما أَو كَانُوا تَحت السقوف والظلال والأستار والمصحرون مِنْهُم المنتبهون لَا تستحيل عَلَيْهِم الْغَفْلَة فِي لَحْظَة فَيكون ذَلِك مثل انقضاض كَوْكَب تخْتَص بمشاهدته شرذمة قَليلَة
[ ١٤٠ ]
وَذَلِكَ مُمكن فَلم يكن الانشقاق أمرا دَائِما زَمَانا طَويلا فَلَيْسَ يمْتَنع أَن يخْتَص بمشاهدته من حدق إِلَيْهِ بَصَره مِمَّن كَانَ حول رَسُول الله ﷺ حَيْثُ احْتج على قُرَيْش بانشقاق الْقَمَر وَقَالَ قَائِلُونَ أَيْضا يحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى خصص بِرُؤْيَة ذَلِك من حَاج النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَة وناظره حَيْثُ قَالَ ﷺ آيتي أَنكُمْ ترفعون روؤسكم فترون الْقَمَر منشقا وحجب الله أبصار سَائِر الْخلق عَن رُؤْيَته بحجاب اَوْ سَحَاب اَوْ تسليط عقله وَصرف دَاعِيَة النّظر لمصْلحَة الْخلق فِيهِ حَتَّى لَا يتحدى لنَفسِهِ بعض الْكَذَّابين فِي الْأَمْصَار فيستدل بِهِ على صدق نَفسه اَوْ يكون معْجزَة للنَّبِي ﷺ من وَجْهَيْن خارقين للْعَادَة احدهما إِظْهَاره لَهُم وَالْآخر اخفاؤه عَن غَيرهم وَهَذِه الِاحْتِمَالَات ذكرهَا الْعلمَاء حَتَّى قَالَ بَعضهم ان انْشِقَاق الْقَمَر ثَبت بِالْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ وَالْكَلَام فِيهِ طَوِيل وعَلى الْأَحْوَال كلهَا فَمَا بلغ حد التَّوَاتُر لَا يتَصَوَّر التشكك فِيهِ هَذِه قَاعِدَة مَعْلُومَة عَلَيْهَا تبنى جَمِيع قَوَاعِد الدّين ولولاه لما حصلت الثِّقَة بأخبار التَّوَاتُر وَلما عرفنَا شَيْئا من أَقْوَال رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْكَلَام فِي هَذَا يحْتَمل الإطناب وَلكنه بعيد عَن مَقْصُود الْكتاب فَرَأَيْت الإيجاز فِيهِ أولى
[ ١٤١ ]