إِلَّا الغواصون وَلم يتفطن لمغاصاته إِلَّا الْمُحَقِّقُونَ وَأما سلوك مَسْلَك التساهل والاقتصار على فن من الْكَلَام يستحسن فِي المخاطبات ففائدته أَن يستلذ وقعه فِي الأسماع وَلَا تكل عَن فهمه والتفطن لمقاصده أَكثر الطباع وَيحصل بِهِ الْإِقْنَاع لكل ذِي حجى وفطنة وان لم يكن متبحرا فِي الْعُلُوم
وَهَذَا الْفَنّ من جوالب الْمَدْح والإطراء وَلَكِن من الظاهريين وآفته أَنه من دواعي الْقدح والإزراء وَلَكِن من الغواصين فَرَأَيْت أَن أسلك المسلك المقتصد بَين الطَّرفَيْنِ وَلَا أخلى الْكتاب عَن أُمُور برهانية يتفطن لَهَا الْمُحَقِّقُونَ وَلَا عَن كَلِمَات إقناعية يَسْتَفِيد مِنْهَا المتوهمون فان الْحَاجة الى هَذَا الْكتاب عَامَّة فِي حق الْخَواص والعوام وشاملة جَمِيع الطَّبَقَات من أهل الاسلام وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب إِلَى الْمنْهَج القويم فلطالما قيل كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم
الْمقَام الثَّانِي فِي التَّعْبِير عَن الْمَقَاصِد إطنابا وإيجازا وَفَائِدَة الإطناب الشَّرْح والايضاح الْمُغنِي عَن عناء التفكر وَطول التَّأَمُّل وآفته الإملال وَفَائِدَة الايجاز جمع الْمَقَاصِد وترصيفها وايصالها إِلَى الأفهام على التقارب وآفته الْحَاجة الى شدَّة التصفح والتأمل لاستخراج الْمعَانِي الدقيقة من الْأَلْفَاظ الوجيزة الرشيقة والرأى فِي هَذَا الْمقَام الاقتصاد بَين طرفِي التَّفْرِيط والإفراط فَإِن الإطناب لَا يَنْفَكّ عَن إملال والإيجاز
[ ٨ ]
لَا يَخْلُو عَن إخلال فَالْأولى الْميل الى الِاخْتِصَار فلرب كَلَام قل وَدلّ وَمَا أمل الْمقَام الثَّالِث فِي التقليل والتكثير
وَلَقَد طالعت الْكتب المصنفة فِي هَذَا الْفَنّ فصادفتها مشحونة بفنين من الْكَلَام فن فِي تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بَدْء امرهم الى ظُهُور ضلالهم وَتَسْمِيَة كل وَاحِد من دعاتهم فِي كل قطر من الاقطار وَبَيَان وقائعهم فِيمَا انقرض من الْأَعْصَار فَهَذَا فن أرى التشاغل بِهِ اشتغالا بالأسمار وَذَلِكَ أليق بأصحاب التواريخ وَالْأَخْبَار فَأَما عُلَمَاء الشَّرْع فَلْيَكُن كَلَامهم محصورا فِي مهمات الدّين وَإِقَامَة الْبُرْهَان على مَا هُوَ الْحق الْمُبين فَلِكُل عمل رجال
والفن الثَّانِي فِي إبِْطَال تَفْصِيل مذاهبهم من عقائد تلقوها من الثنوية والفلاسفة وحروفها عَن اوضاعها وغيروا ألفاظها قصدا للتغطية والتلبيس هَذَا أَيْضا لَا أرى التشاغل بِهِ لَان الْكَلَام عَلَيْهَا وكشف الغطاء عَن بُطْلَانهَا بايضاح حَقِيقَة الْحق وبرهانها لَيْسَ يخْتَص بالطائفة الَّذين هم نابتة الزَّمَان فتجريد الْقَصْد الى نقل خَصَائِص مذاهبهم الَّتِي تفردوا باعتقادها عَن سَائِر الْفرق هُوَ الْوَاجِب الْمُتَعَيّن فَلَا يَنْبَغِي أَن يؤم المُصَنّف فِي كِتَابه الا الْمَقْصد الَّذِي يبغيه والنحو الَّذِي يرومه وينتحيه فَمن حسن إِسْلَام الْمَرْء ترك مَالا يعنيه وَذَلِكَ مِمَّا لَا يعنيه فِي هَذَا الْمقَام وان كَانَ
[ ٩ ]
الْخَوْض فِيهِ على الْجُمْلَة ذبا عَن الاسلام وَلَكِن لكل مقَال مقَام فلنقتصر فِي كتَابنَا على الْقدر الَّذِي يعرب عَن خَصَائِص مَذْهَبهم وينبه على مدارج حيلهم ثمَّ نكشف عَن بطلَان شبههم بِمَا لَا يبْقى للمستبصر ريب فِيهِ فتنجلي عَن وَجه الْحق كدورة التمويه
ثمَّ نختم الْكتاب بِمَا هُوَ السِّرّ واللباب وَهُوَ إِقَامَة الْبَرَاهِين الشَّرْعِيَّة على صِحَة الْإِمَامَة للمواقف القدسية النَّبَوِيَّة المستظهرية بِمُوجب الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والفقهية على مَا أفْصح عَن مضمونه تَرْجَمَة الْأَبْوَاب
[ ١٠ ]