تبيَّن مِمَّا تقدَّم أنَّ عقيدةَ أهل السُّنَّة والجماعة في آل بيت النَّبِيِّ ﷺ وَسَطٌ بين الإفراط والتفريط، والغُلُوِّ والجفاء، وأنَّهم يُحبُّونَهم جميعًا، ويتوَلَّونَهم، ولا يَجْفُون أحدًا منهم، ولا يَغلُون في أحدٍ، كما أنَّهم يُحبُّون الصحابةَ جميعًا ويتوَلَّونَهم، فيجمعون بين مَحبَّة الصحابةِ والقرابة، وهذا بخلاف غيرِهم من أهل الأهواءِ، الذين يَغلون في بعض أهل البيت، ويَجفُون في الكثير منهم وفي الصحابة ﵃.
ومِن أمثلة غُلُوِّهم في الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت وهم عليٌّ والحسن والحُسين ﵃، وتسعة من أولاد الحُسين ما اشتمل عليه كتاب الأصول من الكافي للكُليني من أبوابٍ منها:
[ ٧٥ ]
كباب: أنَّ الأئمة ﵈ خلفاء الله ﷿ في أرضه، وأبوابُه التي منها يُؤتى (١/١٩٣) .
باب: أنَّ الأئمة ﵈ هم العلامات التي ذكرها ﷿ في كتابه (١/٢٠٦):
وفي هذا الباب ثلاثة أحاديث من أحاديثهم تشتمل على تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، بأنَّ النَّجمَ: رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن العلامات الأئمَّة.
باب: أنَّ الأئمَّة ﵈ نور الله ﷿ (١/١٩٤) .
ويشتمل على أحاديث من أحاديثهم، منها حديث ينتهي إلى أبي عبد الله (وهو جعفر الصادق) في تفسير قول الله ﷿: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قال كما زعموا: " ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾: فاطمة ﵍، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: الحسن، ﴿المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾: الحسين، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِيٌّ﴾:
[ ٧٦ ]
فاطمة كوكب دُرِيٌّ بين نساء أهل الدنيا، ﴿تُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: إبراهيم ﵇، ﴿زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾: لا يهودية ولا نصرانية، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾: يكاد العلم ينفجر بها، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: إمام منها بعد إمام، ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾: يهدي الله للأئمَّة مَن يشاء ".
باب: أنَّ الآيات التي ذكرها الله ﷿ في كتابه هم الأئمَّة (١/٢٠٧) .
وفي هذا الباب تفسير قول الله ﷿: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بأنَّ الآيات: الأئمَّة
وفيه تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ بأنَّ الآيات: الأوصياء كلُّهم
ومعنى ذلك أنَّ العقابَ الذي حلَّ بآل فرعون سببُه تكذيبهم بالأوصياء الذين هم الأئمَّة
باب: أنَّ أهلَ الذِّكر الذين أمر اللهُ الخلقَ بسؤالِهم هم الأئمَّة ﵈ (١/٢١٠) .
[ ٧٧ ]
باب: أنَّ القرآن يهدي للإمام (١/٢١٦) .
وفي هذا الباب تفسير قول الله ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ بأنَّه يهدي إلى الإمام
وفيه تفسيرُ قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَّدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بأنَّه إنَّما عنى بذلك الأئمَّة ﵈، بهم عقَّد الله ﷿ أيمانكم
باب: أنَّ النِّعمة التي ذكرها الله ﷿ في كتابه الأئمَّة ﵈ (١/٢١٧) .
وفيه تفسير قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا﴾ بالزعم بأنَّ عليًّا ﵁ قال: " نحن النِّعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز مَن فاز يوم القيامة "
وفيه تفسير قول الله ﷿ في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قال: " أبالنَّبِيِّ أم بالوصيِّ تكذِّبان؟ ".
[ ٧٨ ]
باب: عرض الأعمال على النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله، والأئمَّة ﵈ (١/٢١٩) .
باب: أنَّ الأئمَّة ﵈ عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿، وأنَّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتِها (١/٢٢٧) .
باب: أنَّه لَم يجمع القرآنَ كلَّه إلاَّ الأئمَّة ﵈، وأنَّهم يعلَمون علمَه كلَّه (١/٢٢٨) .
باب: أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون جميعَ العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرُّسل ﵈ (١/٢٥٥) .
باب: أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون متى يموتون وأنَّهم لا يموتون إلاَّ باختيارٍ منهم. (١/٢٥٨) .
باب: أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون علمَ ما كان وما يكون، وأنَّه لا يخفى عليهم الشيءُ صلوات الله عليهم (١/٢٦٠) .
[ ٧٩ ]
باب: أنَّ الله ﷿ لَم يُعلِّم نبيَّه علمًا إلاَّ أمره أن يُعلِّمَه أمير المؤمنين ﵇، وأنَّه كان شريكَه في العلم (١/٢٦٣) .
باب: أنَّه ليس شيءٌ من الحقِّ في يد الناسِ إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كلَّ شيء لم يخرج من عندهم فهو باطلٌ (١/٣٩٩) .
وهذه الأبوابُ تشتمل على أحاديث من أحاديثهم، وهي منقولةٌ من طبعة الكتاب، نشر مكتبة الصدوق بطهران، سنة (١٣٨١هـ) .
ويُعتبَرُ الكتابُ مِن أجَلِّ كتبِهم إن لَم يكن أجَلَّها، وفي مقدِّمة الكتاب ثناءٌ عظيمٌ على الكتاب وعلى مؤلِّفِه، وكانت وفاتُه سنة (٣٢٩هـ)، وهذا الذي نقلتُه منه نماذج من غلوِّ المتقدِّمين في الأئمَّة، أمَّا غلُوُّ المتأخرين فيهم، فيتَّضح من قول أحد كُبرائهم المعاصرين الخميني في كتابه " الحكومة الإسلامية " (ص:٥٢) من منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى طهران: " وثبوتُ الولاية والحاكمية للإمام (ع)
[ ٨٠ ]
لا تَعنِي تجردَه عن منزلتِه التي هي له عند الله، ولا تجعله مثلَ مَن عداه مِن الحُكَّام؛ فإنَّ للإمام مقامًا محمودًا ودرجةً سامية وخلافة تكوينيَّة تخضعُ لولايتها وسيطرتِها جميعُ ذرَّات هذا الكون، وإنَّ مِن ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمَّتنا مقامًا لا يبلغه مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نَّبِيٌّ مرسَلٌ، وبموجِب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإنَّ الرَّسول الأعظم (ص) والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالَم أنوارًا، فجعلهم الله بعرشِه مُحدقين، وجعل لهم من المنزلة والزُّلفَى ما لا يعلمه إلاَّ الله، وقد قال جبرائيل كما ورد في روايات المعراج: لو دنوتُ أنْمُلة لاحترقتُ، وقد ورد عنهم (ع): إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يسعها مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مرسَل "
ولا يَملكُ المرءُ وهو يرى أو يسمعُ مثلَ هذا الكلام إلاَّ أن يقول: ﴿ربَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ .
وكلُّ من له أدنى بصيرة يجزم أنَّ ما تقدَّم نقله عنهم وما يشبهه كذبٌ وافتراءٌ على الأئمَّة، وأنَّهم بُرآءُ من الغلاة فيهم وغلوِّهم.
[ ٨١ ]