فلمّا كان السفر إلى غير المساجد الثلاثة غير مشروع، وليس عند قبر غيره مسجد يشرع السفر إليه، كان السفر إلى قبر غيره، أو إلى مسجد عند قبر غيره، غير مشروع، بل منهيًّا عنه، ولم يكن في ذلك شبهة. هذا إذا قدر أن ذلك القبر صحيح، أما قبور الأنبياء، فقالت طائفة، منهم مالك بن أنس: لا يعرف قبر نبي، إلا قبر نبيّنا خاصة، وقال هؤلاء: لا يعرف قبر الخليل ولا غيره.
وطائفة أخرى قد يعرفون بعض القبور كقبر الخليل ﵇، لكن من هؤلاء من يثبت أمورًا مكذوبة، مثل قبر نوح الذي بقرية الكرك بجبل لبنان، وغيره من القبور المضافة إلى الأنبياء، فإنها كذب بلا ريب، وإن كان قبر الخليل صحيحًا، وكذلك قبور غير الأنبياء كثير منها كذب، أو مختلف فيه، مثل ما يقال: إن بدمشق قبر أم سلمة، أو أم حبيبة، أو غيرهما من أزواج النبي ﷺ، أو قبر أبي بن كعب، أو أويس القرني.
وقد اتفق أهل العلم (١) على أن أزواج النبي ﷺ كلهن دُفنّ بالبقيع، إلا ميمونة، ولم يسافر منهن امرأة إلى غير الحج، إلا عائشة لما خرجت إلى البصرة، وأم حبيبة لم تقدم إلى الشام إلى أخيها معاوية، ولكن /٤٣أ/ كان بالشام امرأة من الأنصار يقال لها أم سلمة: أسماء بنت يزيد بن
_________________
(١) علق على الهامش بكلمة: قف.
[ ١٠٥ ]
السكن، وكان إذا حدث عنها شهر بن حوشب يقول: حدثتني أم سلمة، فيظنّ الجهال لاشتراك الاسم أنها زوج النبي ﷺ.
وكذلك قبر خالد الذي عند حمص، قالوا إنما هو قبر خالد بن يزيد بن معاوية، وأما خالد بن الوليد فمات بالحجاز في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يكن بحمص، ومثل هذا كثير.
وذلك أن معرفة هذه القبور لم تكن من الدين، فإن أصحابها يترحم عليهم، ويدعى (١) لهم إذا ذُكروا، وإن لم تعرف قبورهم، والذين يقصدون قبورهم، إنما يقصدونها للشرك، واتخاذها مساجد، وأوثانًا، فلا يقصدونها لما أمر الله به ورسوله، بل لما نهي عنه، فلذلك عمَّى الله أخبارها، فلا يكاد يصح منها إلا ما شاء الله.
ومن أشهرها قبر علي بن أبي طالب، ولا ريب عند أهل العلم أنه ليس بقبر علي، وإنما دُفن عليٌّ في قصر الإمارة بالكوفة، ودُفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق، ومعاوية الذي دُفن بمقبرة باب الصغير هو معاوية
_________________
(١) في الأصل: (يدعوا)، والتعديل من المحقق.
[ ١٠٦ ]
ابن يزيد بن معاوية، ودُفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر، لما تحالف الخوارج على قتل هؤلاء الثلاثة، فقتل ابن ملجم علي (١) بن أبي طالب، وجرح صاحب معاوية معاوية (٢)، وبرئ من جرحه، وصاحب عمرو /٤٣ب/ قتل خارجة بن حذافة، وكان قد استخلفه عمرو في الصلاة، وقال: أردت عَمْرًا (٣) وأراد الله خارجة، فدُفن الثلاثة في قصر الإمارة؛ لئلا ينبشهم الخوارج، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصورد هنا أن السفر لما كان غير مشروع إلى غير المساجد الثلاثة، كان السفر إلى مشهد، أو مسجد غير الثلاثة، غير مشروع بلا شبهة، وأما نبيّنا ﷺ فإن السفر مشروع إلى مسجده، والحجرة التي دُفن فيها كانت بجنب مسجده إلى زمن الوليد بن عبد الملك، فلما كان في زمنه أمر بأن تشترى الحجر وكانت شرقي (٤) المسجد وقبليه، فأمر أن تشترى وتزاد في المسجد، وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فتولى عمارة المسجد، وبنى على الحجرة جدارًا وجعله مسنمًا محرفًا؛ لئلا يصلي أحد إلى الحجرة؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ
_________________
(١) في الأصل: (لعلي)، والتصويب من المحقق.
(٢) في الأصل: (لمعاوية)، والتصويب من المحقق.
(٣) في الأصل والمطبوع: (عمروًا) .
(٤) غيرت في المطبوع إلى: (شرق) .
[ ١٠٧ ]