«سيكون فيكم قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا، فلئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود».
أخرجه الداني في «الفتن» (ق٢٣/ ٢)، وأحمد (١/ ٢٣) مختصرًا، وإسناده حسن.
الأمر الثاني -مما شجعني على تأليف هذه الرسالة -:أن الناس كافة -عامة وخاصة؛ إلا من شاء الله - لم يعودوا يتحدثون عن خروج الدجال ونزول عيسى ﵊؛ مصداقًا لما في «زوائد مسند أحمد» (٤/ ٧٢) عن راشد بن سعد قال:
لما فتحت اصطخر نادى منادٍ: ألا إن الدجال قد خرج.
قال: فلقيهم الصعب بن جثامة، قال: فقال: لولا ما تقولون لأخبرتكم أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر» (١).
_________________
(١) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٥): «رواه عبد الله بن أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو، وهي صحيحة كما قال ابن معين، وبقَّةُ رجالهِ ثقات». وعزاه في مكان آخر (٧/ ٣٥١) لأحمد نفسه فوهم!
[ ٣٠ ]
ولقد صدق هذا الخبر على أئمة المساجد، فتركوا ذكر الدجال على المنابر وهم خاصة الناس؛ فماذا يكون حال عامتهم؟! وإذا كان الله ﵎ قد جعل بحكمته لكل شيء سببًا؛ فلست أشك أن سبب هذا الإهمال لذكره - مع اهتمام الرسول - ﷺ - أشد الاهتمام في التحذير من فتنته؛ كما ستراه فيما يأتي في أول قصته -إنما هو تشكيك بعض الخاصة في الأحاديث الواردة فيه؛ تارة في ثبوتها وعدم ورودها بطريق التواتر -زعموا- وتارة في دلالتها كما تقدم بيانه، فكان من الواجب أن يقوم أهل العلم بواجبهم؛ فيبينوا للأمة ما حدثهم به رسول الله - ﷺ - من فتنة الدجال وقتل عيسى ﵊ إياه؛ بنفس الطريق التي تتلقى الأمة به عن النبي - ﷺ - كل ما يتعلق بدينها- من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وغيرها، ألا وهو الحديث النبوي - وبذلك يقضى على السبب المشار إليه، ويعود الناس فيذكرون الدجال وفتنته، فيتخذون الأسباب لاتقائها، فلا يغترون بأضاليله وتحاريفه التي لا يصدق بإمكان وقوعها من مِثله إلا المؤمن - الذي لا يرتاب أدنى ارتياب فيما جاء من أنواع الفتن، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [القصص: ٦٨].
فإذا علم المؤمن بذلك وآمن به؛ اتخذ الأسباب التي تعصمه من فتنته؛ وهي:
[ ٣١ ]