مع تأويلهم إياها تأويلًا يؤدي في النهاية إلى الكفر بحقائقها؛ كالذين ينكرون النصوص المتواترة في الكتاب والسنة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة؛ بتأويل أن المقصود منها رؤية نعيم ربهم! وكالقاديانية الذين يؤمنون -زعموا- بقوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠]، ثم يقولون ببقاء النبوة ومجئ أنبياء كثيرين بعده - ﷺ -؛ منهم (ميرزا غلام أحمد القادياني)! وإذا سألتهم عن هذه الآيه أجابوك بأنهم يؤمنون بها -طبعًا! - ولن معناها ليس كما فهمها المسلمون عن هذه الآية؛ أجابوك بأنهم يؤمنون بها -طبعًا- ولكن معناها ليس كما فهمها المسلمون من قبل! بل المعنى: ولكن خاتم النبيين؛ أي: زينتهم؛ كالخاتم زينة الأصبع! فهل يجدي إيمانهم بها عند الله شيئًا بعد أن فسروها بغير تفسيرها الحق؟!
كذلك أقول: إن إيمان هؤلاء العلماء بالأحاديث المتواترة بنزول عيسى ﵇ وقتله للدجال؛ لا يجديهم شيئًا مع تفسيرهم إياها بذلك التفسير الرمزي؛ لأنه خلاف ما يقطع به كل عالم متجرد عن الهوى إذا ما اطلع على النصوص الواردة فيهما.
وكأنه لذلك يلجأ بعضهم إلى الخلاص منها بطريقة أخرى - غير طريقة تفسيرها بالرمز - ألا وهي طريقة التشكيك في ثبوتها يقينًا بزعم أنها أحاديث آحاد! ومن هؤلاء الشيخ (محمود شلتوت)؛ فقد كنت قرأت له قديمًا جوابًا حول حياة عيسى ﵇ في السماء ونزوله في آخر الزمان -نشرته مجلة «الرسالة» يومئذٍ -رأيت فيها العجب العجاب من الجهل بحقيقة الأحاديث الواردة في نزوله ﵇، ومن ذلك زعمه أن طرقها كله تدور على وهب
[ ٢٣ ]
ابن منبِّه وكب الأحبار، فاستنكرت ذلك في نفسي؛ لأن ذهني كان خاليًا من مثل هذه الدعوى، ولكني قلت في نفسي: لعل ذلك بالنسبة لبعض الطرق، ولكن الشيخ يبالغ! وللتثبت من ذلك؛ اندفعت إلى تتبع أحاديث نزوله ﵇ من مصادرها الأصلية في كتب السنة - التي تروي الأحاديث بأسانيدها؛ كالأمهات الستة وغيرها - حتى اجتمع عندي في ذلك أحاديث كثيرة جدًا؛ من طرق متواترة عن أكثر من أربعين صحابيًا، فعجبت أشد العجب حين لم أر لوهبٍ وكعب ذكرًا في شيء من تلك الطرق أصلًا، حتى ما كان منها ضعيف الإسناد! فتيقنت حينئذٍ أن الشيخ -عفا الله عنه - كتب من ذاكرته؛ دون أن يراجع في ذلك كتابًا واحدًا من كتب السنة المشار إليها! فكتبت يومئذٍ رسالة مفصلة في الرد على فتواه، وهممت بإرسالها إلى مجلة «الرسالة»،ولكن أحد أصحابنا من الأدباء الأفاضل الذين يترددون إلى مصر نصحني بأن لا أرسلها، لأنهم سوف لا ينشرونها؛ لطولها أولًا؛ ولأن الشيخ شلتوت فوق مستوى النقد هناك؛ لا سيما من شخص غير مصري وغير مشهور عندهم!
قال: فأن كان ولا بد فاختصر الرسالة ما استطعت، ثم أرسلها إليهم لعلهم ينشرونها في المجلة، وما أظنهم فاعلين. وكذلك كان، فإني اختصرتها في صفحة ونصف، ثم أرسلتها، فلم تنشر!!
وللرد على أصحاب هذه الطريقة مفصّلًا مجال آخر غير هذا، ويكفي في ذلك اتفاق أهل العلم بالحديث وحفاظه على تواتر حديث الدجال ونزول
[ ٢٤ ]