رابعًا: أن يسكن مكة والمدينة، فإنهما حرمان آمنان منه؛ لقوله ﷺ:
«يجئ الدجال فيطأ الأرض إلا مكة والمدينة، فيأتى المدينة؛ فيجد بكل نقب من نقابها صفوفًا من الملائكة».
أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ (١).
ومثلهما المسجد الأقصى والطور؛ كما يأتى فى الفقرة (٢٤ - السياق).
واعلم أن هذه البلاد المقدسة إنما جعلها الله عصمة من الدجال لمن سكنها وهو مؤمن ملتزم بما يجب عليه من الحقوق والواجبات تجاه ربها، وإلا فمجرد استيطانها - وهو بعيد فى حياته عن التأدب بآداب المؤمن فيها - فَمِمَّا لا يجعله فى عصمة منه، فسيأتى فى الفقرة (٢٥ - أبو أمامة، ٣٠ - السياق) أن الدجال -عليه لعائن الله- حين يأتى المدينة النبوية وتمنعه الملائكة من دخولها؛ ترجف بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه.
فهؤلاء المنافقون والمنافقات -وقد يكون نفاقهم عمليًّا- لم يَعْصِمْهُمْ من الدجال سكنهم فى المدينة النبوية؛ بل خرجوا إليه، وصاروا من أتباعه كاليهود! وعلى العكس من ذلك؛ فمن كان فيها منالمؤمنين الصادقين فى إيمانهم؛ فهم مع كونهم فى عصمة من فتنته؛ فقد يخرج إليه بعضهم متحديًا
_________________
(١) وهو مخرّج فى «الصحيحة» (٢٤٥٧).
[ ٣٤ ]
وينادى فى وجهه: هذا هو الدجَّال الذى كان رسول الله ﷺ يحدثنا حديثه كما سيأتى فى الفقرة (٣١ - السياق).
فالعبرة إذن بالإيمان والعمل الصالح، فذلك هو السبب الأكبر فى النجاة، وأما السكن فى دار الهجرة وغيرها؛ فهو سبب ثانوى، فمن لم يأخد بالسبب الأكبر؛ لم يفده تمسكه بالسبب الأصغر، وقد أشار إلى هذا النبى - ﷺ - بقوله للذى سأله عن الهجرة:
«ويحك! إن شان الهجرة لشديد! فهل لك من إبل؟». قال: «فهل تؤتى صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا» (١).
وما أحسن ما روى الإمام مالك فى «الموطأ» (٢/ ٢٣٥) عن يحيى بن سعيد:
«أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسى: أن هلمَّ إلى الأرض المقدسة. (يعنى: الشام). فكتب لإليه سلمان:
إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدسُ الإنسانَ عملُهُ».
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
_________________
(١) أخرجه البخارى (٧/ ٢٠٧ - فتح)، ومسلم (٦/ ٢٨)،وأبو داود (١/ ٣٨٨)، والنسائي (٢/ ١٨٢)، وأحمد (٣/ ٦٤).
[ ٣٥ ]
من أجل ذلك؛ لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام وإقامة دولته على وجه الأرض؛ انتظارًا لخروج المهدى ونزول عيسى عليهما الصلاة والسلام؛ يأْسًا منهخم؛ أو توهمًا أن ذلك غير ممكن قبلهما ّ فإن هذا توهم باطل، ويأس عاطل، فإن الله تعالى أو رسوله - ﷺ - لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام ولا سلطان له على وجه الارض إلا فى زماكنهما، فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إا أخذ المسلمون بالإسباب الموجبة لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التى حملت بعض الأساتذة المرشدين والكُتّاب المعاصرين على إنكار أحاديث المهدى وعيسى ﵉على كثرتها وتواترها-لما رأوا أنها عند المتوهمين مدعاة للتواكل عليها وترك العمل لعز الإسلام من أجلها! فأخطؤوا فى ذلك أشد الخطأ من وجهين:
الأول: أنَّهم أقروهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أن مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها!
والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغى عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة من حولها، وما مثلهم فى ذلك إلا كمثل من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأن بعض المؤمنين به فهموا منه أن لازمه الجبر، وأن المكلَّف لا كسب له ولا اختيار، ولما كان هذا الفهم باطلًا بداهة ساعروا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا مَعَهُ القدر أيضا؛
[ ٣٦ ]
لتوهمهم -أيضًا مع المتوهمين- أنه يعنى الجبر، فوافقهم فى خطئهم فى التوهم المذكور، ثم زادوا عليه خطأ آخر -فرارًا من الأول- وهو إنكارهم القدر نفسه! فلولا أنهم شاركوهم فى فهمهم منه الجبر لما أنكروه!
وهذا هو عين ما صنعه البعض المشار إليه من الأساتذة والكُتّاب؛ فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين -إلا قليلًا منهم- على أحاديث المهدى وعيسى؛ بادروا إلى إنكارها لتخليصهم بزعمهم من التواكل المذكور! فلم يصنعوا شيئًا؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هدى فى إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى.
والحقيقة أن هؤلاء المنكرين -الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدك عليه من التواكل المزعوم، ولذلك يبادرون إلى إنكارها تخلّصًا منه- قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال فى الفهم، والكفر بالنص! ولكنهم عرفوا أن الفهم المذكور ضلالة فى نفسه، فأنكروه بأنكار النص الذى فهموا ذلك منه! وعكس ذلك العامة؛ فآمنوا بالنص مع الفهم المذكور، فمع كل من الفريقين هدى وضلالة، والحق الأخذ بهدى كل منهما، ونبذ الضلال الذى عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون ذلك الفهم الخاطئ.
وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة؛ والمشبَّهة من جهة أخرى، فإن الأولين تأولوا آيات وأحاديث الصفات بتآويل باطلة أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فرارهم من التشبيه الذى وقع فيه المشبَّهة أن المعتزلة أنفسهم شاركوا المشبَّهة فى فهم التشبيه
[ ٣٧ ]
من آيات الالصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذى هو باطل أيضًا؛ كالتشبيه لما لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبِّهة فلم يقعوا فى هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه، والحق الجمع بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورد باطل هؤلاء وهؤلاء: وذلك بالإثبات والتنزيه، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وكذلك أقول من أحاديث نزول عيسى ﵇ وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردّ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل والاستعداد الذى يجب القيام به فى كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، وردننا باطل هؤلاء وهؤلاء. والله المستعان.
[ ٣٨ ]