ومن حقوق السلطان على رعيته الدعاء له؛ ولهذا كان السلف الصالح: كالفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون: «لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان» (١)، وما ذلك إلا لأن السلطان إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت، ولهذا يُذكر عن عثمان بن عفان - ﵁ - أنه قال: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، ولهذا قال الإمام الحسن بن علي البربهاري ﵀: «إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى» (٢).
وقال الفضيل بن عياض: «لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان، قيل له: يا أبا علي فَسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين» (٣).
وهكذا أيضًا تكون النصيحة والدعاء للعلماء إذا حصل منهم قصور أو نسيان؛ لأنهم بشر وغير معصومين، وهم من أعظم ولاة أمر المسلمين، فلا يجوز سبهم، ولا التشهير بهم، ولا تتبع عثراتهم ونشرها
_________________
(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٨/ ٣٩١، وطبقات الحنابلة، ٢/ ٣٦.
(٢) كتاب شرح السنة للإمام الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى، ص٥١.
(٣) كتاب شرح السنة للإمام الحسن بن علي بن خلف البربهاري المتوفى ٣٢٩هـ بتحقيق خالد بن قاسم الردادي، ص١١٦،مكتبة الغرباء. وانظر: طبقات الحنابلة،٢/ ٣٦،وحلية الأولياء،٨/ ٩١.
[ ٢٣ ]
بين الناس؛ لأن في ذلك فسادًا كبيرًا؛ ولهذا قال ابن عساكر رحمه الله تعالى: «اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أسرار منتقصهم معلومة، وأن من أطال لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، والله المستعان، وعليه التكلان (٢).
_________________
(١) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٢) انظر: رسالة لحوم العلماء مسمومة، ص١٤.
[ ٢٤ ]