فصل
في رميه الحنابلة بالتناقض في الصحابة، فيذمون الرافضة لطعنهم في كثير من الصحابة،
ويتركون النواصب مع نيلهم من علي ﵁، وهو من الصحابة، ورد مزاعمه قال المالكي ص (١٣٥): (وتراهم يتناقضون في الصحابة، ووجوب تقديرهم، فيذمون الشيعة؛ لأنهم ينتقصون أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بينما لا يذمون النواصب ولا يذكرونهم بسوء، مع أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب ويذمونه، ويرمونه بكل طامة، سواء كان ذلك من قبل حكامهم من بني أمية، أو علمائهم كحريز بن عثمان، وثور بن يزيد ونحوهم) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن من سب صحابيا واحدا فأكثر، كان رافضيا خبيثا. وعلي ﵁ صحابي، بل من أفاضل الصحابة وخيارهم، فمن تكلم فيه بشيء، كان رافضيا ناصبيا.
وكل كلام الحنابلة وغيرهم من أهل السنة في ذم الرافضة ولعنهم، هو في الناصبة كذلك، من الطاعنين في علي ﵁.
[ ٢٩٠ ]
الثاني: أن الحنابلة كبقية أهل السنة، يحبون آل البيت، ويحفظون وصية رسول الله ﷺ فيهم، ويروون أحاديث فضائلهم ويحدثون بها، ويبغضون ويذمون من تكلم فيهم بحرف.
وفي "مسند الإمام أحمد " مئات الأحاديث التي رووها، فأول المسانيد في "مسنده" ﵀، وهو من ترتيب ابنه عبد الله: مسند الخلفاء الراشدين الأربعة، رابعهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعنهم جميعا، روى عنه الإمام أحمد في "مسنده" (٨١٨) حديثا.
ثم ذكر عبد الله مسند بقية العشرة ومسند توابعهم، ثم ذكر مسند آل أبي طالب الحسن، والحسين ابني علي بن أبي طالب، وعقيل، وجعفر ابني أبي طالب، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵃.
ثم ذكر عبد الله مسند آل العباس العباس بن عبد المطلب وأبنائه: الفضل، وتمام، وعبيد الله، وعبد الله، وروى فيه (١٧٨٤) حديثا لهم.
ثم ساق حديث مئات الصحابة ﵃، ولم يرض عبد الله بن الإمام أحمد أن يتقدم آل البيت أحد، عدا الخلفاء الراشدين، وتتمة العشرة المبشرين بالجنة وتوابعهم، ثم حديثهم.
ثم ختم عبد الله "مسند أبيه": بمسند النساء، بدأه بأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم أم سلمة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم خنساء بنت خذام، ثم
[ ٢٩١ ]
أخت مسعود ابن العجماء، ثم رميثة، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم صفية أم المؤمنين، ثم أم الفضل بنت عباس، ثم أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵅ جميعا، وفيهن هاشميات، وأمهات المؤمنين، وهن جميعا من آل البيت.
وفي " الشريعة " للإمام الحافظ أبي بكر محمد بن الحسن الآجري الحنبلي (ت ٣٦٠ هـ) - وهو من الكتب المعتمدة عند الحنابلة في العقيدة وأهمها-: ذكر الآجري عدة أبواب في فضائل علي وآل بيته ﵃ جميعا، قد تقدمت في فصل تقدم في رد زعم له نحو زعمه هنا، ص (١٩٧ - ٢١٤) من كتابي هذا.
كما مر في فصل تقدم، طرف من الرد عليه في هذا الباب، وذكر اعتقاد الحنابلة في آل البيت ص (٢٢٧-٢٣٠) .
الوجه الثالث: أن حريز بن عثمان الرحبي - وهو من رواة الستة عدا مسلما -: من أئمة المسلمين، وعلماء الحديث الورعين، ولم يكن ناصبيا كما زعم المالكي، وإنما رماه بعضهم بالنصب، ولم يصح عنه، بل قد نفاه عنه أبو حاتم الرازي وبرأه منه.
وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٧ / ٨٠) إنكار حريز لما نسب إليه من شتم علي ﵁، أو النيل منه.
وذكر أن رجلا قال له: بلغني أنك لا تترحم على علي، فقال له حريز: " اسكت، ﵀ مائة مرة "، وقال حريز مرة: "والله ما سببت
[ ٢٩٢ ]
عليا قط ".
قال الذهبي بعد ذلك في "السير" (٧ / ٨١): (هدا الشيخ كان أورع من ذلك) اهـ.
أما ثور بن يزيد الكلاعي (ت ١٥٣ هـ): فهو من رواة الستة عدا مسلما كذلك، وكان قدريا، ولم أر من ذكره بالنصب.
وعلى كل حال من كان ناصبيا فإن الحنابلة يضللونه، ويبدعونه كما سبق.
ويتعذر عليهم وعلى غيرهم أن يحصوا كل مبتدع أتى ببدعة ثم يذمونه.
وإنما يكفيهم أن يبينوا أصل المسألة، ويبدعون صاحب القول بها، أو كان رأسا فيها، ممن عرفوا وبلغهم، أما من لم يعرفوه أو لم يبلغهم، فـ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
الوجه الرابع: أن المالكي جاهل بالتاريخ جهلا كبيرا، فجعل الحنابلة مداهنين لحكامهم بني أمية - كما زعم - إذ أنهم يتكلمون في علي ﵁، وهم ساكتون لا يفوهون بشيء.
وهذا من أعجب العجب، ومن أظهر الكذب، فإن الإمام أحمد ﵀، لم يولد إلا في دولة بني العباس، ولم يدرك بني أمية، فكيف يداهنون حكاما لم يعاصروهم؟! ولم يدركوا يوما من أيامهم؟! ولم يولدوا إلا في عهد خصومهم؟!
[ ٢٩٣ ]