عن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: " انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا
قوله: " إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه "؛ لأن الأمر كله بيده تعالى ليس في يد المخلوق منه شيء، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع تعالى وتقدس، وفي هذا الحديث الرد على الجهمية وإثبات العلو، وهذا الحديث رواه أبو داود ورضيه على عادته فيما كان عنده صحيحا أو حسنا وسكت عليه، وأما الاستشفاع بالرسول في حياته، فإنما هو بدعائه صلي الله عليه وسلم ودعاؤه مستجاب، وأما بعد وفاته فلا يجوز الاستشفاع به كما تقدم تقريره في باب الشفاعة وما قبله، والله تعالى نهى عن اتخاذ الشفعاء في مواضع كثيرة من القرآن، ونفاها في حق من سألها من غير الله.
قوله: "باب ما جاء في حماية النبي صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك " حمايته صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص،
[ ٢٥٨ ]
فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان " رواه أبو داود بسند جيد ١.
وعن أنس ﵁ " أن ناسا قالوا: يا رسول الله! يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس! قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن
وقد اشتمل هذا الكتاب - على اختصاره - على أكثر ذلك، والنهي عما ينافي التوحيد أو يضعفه، يعرف ذلك من تدبره وعرف ما تضمنه بابا بابا.
قوله في حديث أنس: " أن ناسا قالوا يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا "الحديث، كره ذلك لئلا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء كما تقدم في قوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله "٢ وهذا من كمال نصحه للأمة وشفقته عليهم، حذرهم مما يكون ذريعة إلى الغلو فيه.
وقوله: " أنا محمد عبد الله ورسوله " فأعلى مراتب العبد هاتان الصفتان العبودية الخاصة والرسالة، وللنبي صلي الله عليه وسلم أكملها، وقد أخبر تعالى أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر أمته أن يصلوا عليه، وأثنى عليه بأحسن ثناء وأبلغه، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا يذكر في الأذان والتشهد والخطب، إلا ذكر معه صلوات الله وسلامه عليه.
وأما إطلاق السيد فقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في بدائع الفوائد ما نصه: "اختلف العلماء في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي صلي الله عليه وسلم لما قيل له: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي صلي الله عليه وسلم للأنصار: " قوموا إلى سيدكم" ٣ وهذا أصح من الحديث الأول.
_________________
(١) ١ رقم (٤٨٠٦) في الأدب: باب في كراهية التمادح، وأحمد في " المسند " ٤/٢٥، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " رقم (٢٤٥- ٢٤٧)، وابن السني رقم (٣٨٧)، وإسناده صحيح. ٢ تقدم تخريجه ص (١٠٧) . ٣ البخاري رقم (٣٠٤٣) في الجهاد: باب إذا نزل العدو على حكم رجل، وفي كتب أخرى، ومسلم رقم (١٧٦٨) فيه: باب جواز قتل من نقض العهد، وأبو داود رقم (٥٢١٥ – ٥٢١٦) من حديث أبي سعيد الخدري – ﵁ -.
[ ٢٥٩ ]
ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ " ١ رواه النسائي بسند جيد ٢.
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو.
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
الثالثة: قوله: "ولا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
الرابعة: قوله: " ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ".
_________________
(١) ١ أحمد (٣/٢٤٩) . ٢ النسائي في " عمل اليوم والليلة رقم (٢٤٨ و٢٤٩)، وأحمد في المسند ٣/١٥٣ و٢٤١ وهو حديث صحيح.
[ ٢٦٠ ]