ثم ذكر المعترض فصلًا في زيارة القبور وما ذكره في هذا الفصل حق لا شك فيه ولا مرية، ولكن بلغنا أن الناس في تلك الأماكن إذا فرغوا من صلاتي العيدين نهضوا من مصلاهم إلى المقبرة يزورون أهل المقابر، وأن بعض الإخوان أنكر عليهم ذلك، وأنهم عارضوه بهذه الأحاديث في استحباب زيارة القبور، فإن كان ما نقل إلينا حقًا وهم يحضون الناس على اتباع السنة والمحافظة وترك آراء الرجال، فيأتونا على ذلك حديثًا عن المعصوم ﷺ صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا أنه كان ﷺ أو أحد من أصحابه إذا انصرف من صلاتي العيدين يمضي إلى المقابر فيزورهم، ويسلم عليهم، ويدعو لهم، فيكون هذا سنة عائدة بعود السنة في كل عام، وإن لم يكن معهم دليل إلا هذه الأحاديث التي في عامة استحباب الزيارة فالاستدلال بها كاستدلال من يَلْبس من الرجال ما حرم الله عليه من الذهب، والحرير، وأكل ما حرم عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فتخصيص زيارتها بعد صلاتي العيدين يحتاج
[ ١٢٨ ]
إلى دليل، ولو كان ذلك مستحبًا أو مندوبًا إليه لو توفرت الهمم والدواعي على نقله، ولكان أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ، وقد نهى ﷺ في أول الأمر عن زيارة القبور، فلما استقر الإسلام في قلوبهم، وأمن المحذور قال ﷺ: "إني قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا" وفي حديث آخر "فزوروها فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة" فإذا تقرر هذا فتخصيص زيارتها بيوم من السنَة معلوم مما لم يشرعه الله ورسوله، فيكون بدعة محدثة في الإسلام. والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.
_________________
(١) قال محققه عفا الله عنه: فرغت من تصحيح هذه الرسالة وتحقيقها في ضحى يوم الأحد الموافق ٢٧/٠١/١٤٠٨ هـ.
[ ١٢٩ ]