وأما ذكره بعد هذا عن شيخ الإسلام من أن جنس المفضول قد يكون أفضل من الفاضل.
فأقول: هذا حق لا ريب فيه، لكن إذا كان المفضول مشروعًا وإدخال هذا في مسألة المسباح جهل، وتلبيس، وتكثر بما ليس هو في مشروعيته وكونه فاضلًا أو مفضولًا، فإن من نهى عنه إنما هو لكونه بدعة محدثة في طرف لم يعرفونه منذ أعصار متطاولة، حتى ما دعوتم وألفتم في رسائل، ومن نهى عن مراده سدًا للذريعة المفضية إلى الرياء والمشابهة، وعدم فعل السلف له، وأما كونه يسبح الله أو يهلله ويحمده بعقد الأصابع، أو بغير عقدها، ويستعمل هذا الورد وهذا الذكر ويدع قراءة القرآن فهذا يكون المفضول بعد الفجر والعصر أفضل من الفاضل، أو يدع قراءة القرآن، ويتابع المؤذن مثلًا وهكذا في سائر ما مثل به شيخ الإسلام من تقديم المفضول على الفاضل.
[ ١١٤ ]
فأما كون المسباح المبتدع وإن كان مفضولًا مثلًا أفضل من عقد الأصابع أو التسبيح أو التحميد والتهليل والتكبير من غير عقد أصابع فحاشا وكلا، ولا يدخل تحت كلام الشيخ هذا، ولا يقول هذا عالم، بل هذا من تحسين البدع، وإدخالها في المشروع المطلق بنوع من المشروع المقيد.
وأما قوله: "وينبغي للفقيه أن يفرق بين البدعة الشرعية واللغوية".
فأقول: البدعة في اللغة كل ما فعل ابتداء من غير مثالٍ سبق. والبدعة الشرعية هي ما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا علمت ذلك فالمسباح ليس هو من البدع اللغوية التي كان لها أصل في الشرع على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم، بل أنكره ابن مسعود وغيره من الصحابة كما ذكره الدارمي ومحمد ابن وضاح، واتخاذه في اليد بحيث يعلمون به الناس مما لم يكن له أصل في الشرع، ولم يكن ذلك من شعار الصحابة كما ذكره شيخ الإسلام فيكون محدثًا مبتدعًا، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، ولم يكن يفعل العد بالحصى في الخلوات إلا القليل على طريق الاستحسان لا على أنه مشروع، ولو كان فيه فضل لكان أولى الناس به١، أسبقهم إلى كل خير أبو٢ بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة ﵃.
_________________
(١) ١ في الأصل "وأسبقهم". ٢ في الأصل "أبي".
[ ١١٥ ]