الجواب: أولًا: قال الإمام النووي - ﵀ -:قَوْله - ﵌ -: «أَمَا وَأَبِيك لَتُنَبَّأَنَّهُ» قَدْ يُقَال: حَلَفَ بِأَبِيهِ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللهِ وَعَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ، وَالْجَوَاب: أَنَّ النَّهْي عَنْ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَة الْوَاقِعَة فِي الْحَدِيث تَجْرِي عَلَى اللِّسَان مِنْ غَيْر تَعَمُّد فَلَا تَكُون يَمِينًا وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهَا.
ثانيًا: قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى بالإجماع ولا اعتبار لقول بعض المتأخرين بأنه مكروه؛ لأنه مخالف لقول رسول الله - ﵌ - ونهيه عن ذلك.
قال ابن عباس - ﵁ -: «لَأَنْ أحلف بالله صادقًا أو كذبا خير من أن أحلف بغيره صادقًا» فهذا يدل على أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات.
ثالثًا: هذه اللفظة «وأبيه» فيها أقوال:
(١) قال الإمام ابن عبد البر - ﵀ -: هذه اللفظة منكرة وغير محفوظة وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر «أفلح والله إن صدق» وهي أولى من رواية «أفلح وأبيه»؛ لأن الآثار تدل على ردها ولم تقع برواية مالك أصلًا.
(٢) قال غيره: إنها مصحفة عن قوله: «أفلح والله» فحذف لفظ الجلالة وصحف بلفظ وأبيه.
(٣) إن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم بدون قصد القسم به. ذكره البيهقي وارتضاه سفيان الثوري رحمهما الله تعالى.
(٤) قال المارودي والسهيلي - وعليه أكثر الشراح وأيده ابن العربي المالكي - إن الحلف بالآباء كان في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك.
[ ١٣٤ ]
وهذا القول الأخير هو الحق إن شاء الله تعالى؛ لأن الحلف بالآباء كان شائعًا في الجاهلية وصدر الإسلام كالعادات الأخرى مثل شرب الخمر، فنهى الإسلام عن هذه العادات بالتدرج ومنها الحلف بغير الله بدليل حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه حلف باللات والعزى فسأل النبي - ﵌ - عن ذلك فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد» (أخرجه النسائي بإسناد صحيح).
* قال الإمام محيى الدين النووي في شرحه لـ (صحيح مسلم): «قوله - ﵌ -: «أفلح وأبيه» ليس حلفًا إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله ﷾ فهذا هو الجواب المرضي وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم».
وقد نقل الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) كلام النووي هذا وزاد: «إن هذه كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرت على لسانهم (عقري وحلقي) وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب. وكأنه قال: ورب أبيه».
ثم قال الحافظ: «وأقوى الأجوبة. .. أن هذا كان قبل النهي، أو أنها كلمة جارية على اللسان كما تقدم في كلام النووي. وكونه منسوخًا أصح لحديث عمر وابنه».