الجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش! أثبت أولا أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي، ثم أثبت أنها قد انتفت.
فإنه لا دليل مطلقًا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط، نعم من الممكن أن يقال: إنها بعض العلة، وأما حصولها بها فباطل؛ لأن من الممكن أيضًا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى، وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعًا، وغير ذلك.
وأما زعم أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين. فهو زعم باطل أيضًا وبيانه من وجوه: الأول: أن الزعم بني على أصل باطل، وهو أن الإيمان بأنه الله هو المنفرد بالخلق، والإيجاد كافٍ في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎، وليس
[ ١٢٣ ]
كذلك، فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله - ﵌ - كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان:٢٥)، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي - ﵌ - أشد الإنكار، بقولهم فيما حكاه الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥). ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك. فإذا تبين هذا نعلم أن الإيمان الصحيح غير راسخ في نفوس كثير من المؤمنين بتوحيد الربوبية.
الوجه الثاني: أن النبي - ﵌ - حذر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته، بل في مرض موته، فمتى زالت العلة التي ذكروها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته - ﵌ - فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه - ﵌ -؛ لأن القول بذلك يستلزم - بناء على كلامهم - أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعدُ في نفوس الصحابة - ﵃ -، وإنما رسخ بعد وفاته - ﵌ -! ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم، وهذا مما لا أتصور أحدًا يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته - ﵌ -، قلنا: وكيف ذلك وهو - ﵌ - إنما نهى عن ذلك في آخر نَفَسٍ من حياته؟!
الوجه الثالث: أن الصحابة - ﵃ - إنما دفنوه في حجرته - ﵌ - خشية أن يتخذ قبره مسجدًا، كما تقدم عن عائشة - ﵂ -، فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت منصبة على الصحابة أنفسهم، أو على من بعدهم:
فإن قيل بالأول، قلنا فالخشية على من بعدهم أولى، وإن قيل بالثاني، وهو الصواب عندنا، فهو دليل قاطع على أن الصحابة - ﵃ - كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم، لا في عصرهم ولا فيما بعدهم، فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بَيِّن.
الوجه الرابع: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه، مما يستلزم بقاء العلة السابقة، وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال، فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها.
مثال على ما ذكرنا: عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشْرِفًا إلا سويته. (رواه مسلم).