خاتمة تتفاوت الأيام والليالي والشهور وكذا البقاع بحسب ما ركز فيها من فضل وما اختص الله به بعضها من مزايا، فيوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع لما صح في الحديث «أفضل الأيام يوم الجمعة» وليلة القدر تمتاز على غيرها من الليالي بأنها خير من ألف شهر ورمضان كما جاء في الحديث «هو سيد الشهور»، والمحرم شهر الله.
وكذلك البقاع - فمكة، والمدينة، وبيت المقدس، ترتفع في الفضل والشرف على سائر الدنيا وكذا المساجد الثلاثة فهي تمتاز على غيرها من المساجد بفضائل ومزايا تحفز أولي الهمم العالية من عباد الله على اغتنام الفرص لشد الرحال إليها وكسب الوقت لقضاء فترة روحية في رحابها، إما لأداء فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام أو لقضاء نسك العمرة والطواف بالبيت المعظم
[ ١٣٤ ]
بيت الله في مكة أو لزيارة المسجد النبوي والصلاة والسلام على المصطفى - ﷺ - والصلاة في الروضة المباركة، أو لزيارة المسجد الأقصى لمضاعفة أجر الصلاة فيه.
ومما ورد في فضل المساجد الثلاثة وامتازت به على غيرها من المساجد قوله - ﷺ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» رتبها - ﷺ - في الذكر بحسب ترتيبها في الفضل.
وصح عنه - ﷺ - أنه قال في فضل مضاعفة أجر الصلاة في هذه المساجد: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة» أي أنها تضاعف إلى مائة ألف ضعف.
والصلاة في المسجد الأقصى ورد أنها تضاعف على النصف من مضاعفة أجر الصلاة في المسجد النبوي أي إلى خمسمائة صلاة.
[ ١٣٥ ]
زيارة المسجد النبوي
والسلام على المصطفى - ﷺ - فيه زيارة المسجد النبوي والصلاة على المصطفى - ﷺ - قربة من أجل القرب وطاعة مشروعة يبلغ بها الزائر مراده وغاية أمله لأنها وسيلة صالحة للنجاة من هول يوم القيامة وخاصة إذا التزم في زيارته الوضع المشروع واستشعر في نفسه نعمة الله عليه، حيث قد أبلغه مدينة الرسول الكريم - ﷺ - ومسجده المشرف الذي كان منارا للهدى ومدرسة للنبوة ومعقلا للدين، واستشعر أيضا عندما يقف للسلام على البشير النذير - ﷺ - وقد ضم جسده الشريف القبر جريا على سنة الله - أن الدوام لله سبحانه كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]
[ ١٣٦ ]
عندئذ تكون لزيارته للمسجد النبوي وصلاته وسلامه على المصطفى - ﷺ - أعظم جدوى، إذ يضم إلى ما ربحه من الأجر عليها أخذ العبرة بالمصير المحتوم، وإذا كان أشرف الخلق وأكرمهم على الله قد واراه التراب فمن دونه من البشر - وكل الخلق دونه ولن يبلغ أحد مقامه - سوف يكون له نفس المصير، ولعل في أخذ العبرة الماثلة من سيد البشر وقد واراه التراب ما يدفع إلى التطامن والتكفير عن الماضي، ماضي الهفوات والنزوات فيكبح جماح النفس عن السقطات والتورط في المعاصي ويلجأ إلى التوبة منها والإقبال على الله بدلا من الإعراض عنه.
آداب الزيارة: من آداب الزيارة إذا بلغ الزائر رحاب (المدينة المنورة) ودخل المسجد النبوي الشريف أن يقصد الروضة المباركة التي قال عنها الرسول الكريم - ﷺ -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» ليصلي فيها ركعتين تحية المسجد اقتداء بالرسول الكريم وأصحابه خيار الأمة حيث كانوا إذا قدموا من سفر أول ما
[ ١٣٧ ]
يقصدون المسجد للصلاة فيه، وإذا لم يتمكن الزائر من الوصول إلى الروضة فليصل في أي موضع من المسجد تيسر له أن يصلي فيه، فمضاعفة أجر الصلاة لا تقتصر على الروضة.
ثم يقصد الزائر الحجرة الشريفة للسلام على خير الورى - ﷺ - ويقف في مواجهتها بأدب ويسلم على النبي - ﷺ - بدون إحداث جلبة أو رفع صوت فإن الله سبحانه قد أدب المؤمنين إذا كانوا بحضرة النبي الكريم وأمرهم باحترامه وخفض الصوت عند مخاطبته فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] وامتدح من يخفض صوته عندما يكون بحضرة الرسول - ﷺ - تأدبا معه وتوقيرا له فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]
والتأدب بحضرته - ﷺ - بعد موته كالتأدب بحضرته في حياته، وكيفما صلى وسلم الزائر على خير الورى
[ ١٣٨ ]
فهو حسن ولا بأس أن يقول: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، ويا أكرم خلق الله ويا شفيع المذنبين إلى الله بعد إذن الله صلى الله عليك وعلى آلك وأزواجك وذرياتك أجمعين، وما شاء الزائر أن يذكره من المحامد والفضائل لرسول الهدى - ﷺ - ويثني به عليه فليذكره فهو - ﷺ - أهل لذلك، شريطة عدم الإطراء والغلو فيه أو دعائه وطلب الحوائج منه فذلك حق الله لا يجوز أن يصرف لغيره، وقد نهى - ﷺ - عن إطرائه والغلو فيه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» الحديث.
وبعد السلام على الحبيب - ﷺ - يتجه الزائر قليلا إلى اليمين فيسلم على صاحب رسول الله وخليفته وصديق هذه الأمة أبي بكر - ﵁ - ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق يا صفي رسول الله وصاحبه في الغار جزاك الله عن الإسلام وأمة خير الأنام خيرا، ثم يميل قليلا إلى يمينه ويسلم على الخليفة الراشد أبي حفص عمر ابن الخطاب - ﵁ -، ثم ينصرف ويستقبل القبلة ويدعو بما شاء الله أن يدعو به من خيري الدنيا والآخرة
[ ١٣٩ ]
متوسلا بزيارته لمسجد الرسول - ﷺ - وصلاته وسلامه عليه فهي عمل صالح مبرور، والتوسل بالعمل الصالح مشروع مشكور فحري أن يستجاب له، نسأل الله القبول.
زيارة مسجد قباء: من السنة المأثورة عن رسول الله - ﷺ - زيارة مسجد قباء لمن قصد المدينة أو كان من أهلها والمجاورين بها دون شد الرحل إليه، فهو مسجد فاضل ذكره الله في كتابه مشيدا به وشرف أهله بالثناء عليهم بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]
وقد كان الرسول - ﷺ - يزور مسجد قباء في الفينة بعد الأخرى راكبا وماشيا ودرج على سنته اقتداء به أصحابه، وقال - ﷺ - في فضل زيارته: «من تطهر وأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كأجر عمرة» .
وصلى الله على خاتم رسله سيدنا محمد البشير النذير وعلى آله وصحبه.
[ ١٤٠ ]