قالَ سُبْحَانهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.
[ ٢٣٠ ]
قالَ شَيْخنا العَلامَة ُ المحَققُ صَالِحُ بْنُ فوْزَان ِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ الفوْزَانُ فِي «شَرْحِهِ لِكِتَابِ التَّوْحِيْدِ» (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: (وَفِي الآيةِ السّابقةِ فائِدَة ٌ عَظِيْمَة ٌ، وَهِيَ: أَنَّ الله َ سَمَّى الدُّعَاءَ عِبَادَة ً، فقالَ: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ لأَنهُ فِي أَوَّل ِ الآيةِ قالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو﴾.
وَإذا كانَ الدُّعَاءُ عِبَادَة ً، فصَرْفهُ لِغيرِ اللهِ شِرْك ٌ، كمَا فِي الآيةِ الأُخْرَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يَعْنِي: عَنْ دُعَائِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
فسَمَّى الدُّعَاءَ عِبَادَة ً، وَإذا كانَ الدُّعَاءُ عِبَادَة ً: فصَرْفهُ لِغيْرِ اللهِ شِرْك) اه كلامُ شَيْخِنَا الفوْزَان.
وَالدُّعَاءُ عِبَادَة ٌ بلا شَك َّ، كمَا تقدَّمَ فِي الآيَتَين ِ السّابقتين ِ اللتين ِ ذكرَهُمَا الشَّيْخُ صَالِح.
وَكمَا فِي:
قوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾.
وَقوْلِهِ سُبْحَانهُ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
وَقوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
[ ٢٣١ ]
فجَعَلَ الله ُ فِي هَذِهِ الآياتِ كلهَا الدُّعَاءَ عِبَادَة ً، وَمَنْ صَرَفهُ لِغيرِهِ نبيٍّ، أَوْ مَلكٍ، أَوْ صَالِحٍ، أَوْ غيرِ ذلِك َ: مُشْرِكا كافِرًا.
وَأَخْرَجَ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٤/ ٢٧٦، ٢٧١، ٢٦٧) مِنْ حَدِيْثِ النُّعْمَان ِ بْن ِ بَشِيرٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقوْلُ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَة ُ، ثمَّ قرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾).
وَرَوَاهُ:
البُخارِيُّ فِي «الأَدَبِ المفرَدِ» (٧١٤)،
وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» (٣٢٤٧) وَقالَ: (هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ)،
وَأَبوْ دَاوُوْدَ فِي «سُننِهِ» (١٤٧٩)،
وَالنَّسَائِيُّ فِي «سُننِهِ الكبرَى» (٦/ ٤٥٠)،
وَابْنُ مَاجَهْ فِي «سُننِهِ» (٣٨٢٨)،
وَابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِهِ» (٨٩٠)،
وَالحاكِمُ فِي «مُسْتَدْرَكِه» (١/ ٤٩٠ - ٤٩١).
وَإسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، رِجَالهُ رِجَالُ الشَّيْخَين ِ، غيرَ يُسَيْعِ بْن ِ مَعْدَانَ الحضْرَمِيِّ الكوْفِيِّ، وَهُوَ ثِقة ٌ، وَثقهُ النَّسَائِيُّ وَجَمَاعَة.
وَصَحَّحَ هَذَا الحدِيْثَ جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ:
التِّرْمِذِيُّ وَتقدَّمَ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالحاكِمُ، وَالذَّهَبيُّ، وَالنَّوَوِيُّ فِي «الأَذكارِ». وَجَوَّدَ إسْنَادَهُ الحافِظ ُ ابنُ حَجَرٍ فِي «فتْحِ البَارِي»، وَصَحَّحَهُ
[ ٢٣٢ ]
شَيْخُنَا العَلامَة ُ عَبْدُ العَزِيْزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابنُ بازٍ ﵏ ُ، وَجَمَاعَة.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ (٣٣٧١) مِنْ حَدِيْثِ أَنس ِ بْن ِ مَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة».
قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَهُ: (هَذَا حَدِيْثٌ غرِيْبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، لا نعْرِفهُ إلا َّ مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ لهيْعة).
[ ٢٣٣ ]