ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يشرعون أحكاما من عند أنفسهم، كما جعلوا القياس دليلا شرعيا ويثبتون كثيرا من الأحكام به،
والجواب أن هذا الطعن يعود حينئذ على أهل البيت، فإن الزيدية وأهل السنة يرون القياس عن الأئمة، وقد قال
_________________
(١) عن علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا إبراهيم - ﵇ - عن قول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ فقال: صدق الله، قلت جعلت فداك كيف يتوضأ؟ قال مرتين مرتين، قلت: يمسح؟ قال مرة مرة، قلت: من الماء مرة؟ قال: نعم قلت: جعلت فداك فالقدمين؟ قال: اغسلهما غسلا». تفسير العياشي: ١/ ٣٠١.
(٢) المشهور بالشيخ المفيد ويعرف بابن المعلم، عاش في بغداد وكان عالم الإمامية في عصره، قال الخطيب البغدادي: «شيخ الرافضة والمتعلم على مذاهبهم صنف كتبا كثيرة في ضلالاتهم والذب عن اعتقاداتهم ومقالاتهم والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين وعامة الفقهاء المجتهدين وكان أحد الأئمة الضلال هلك به خلق من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه»، وقال الذهبي عن كتبه: «طعن فيها على السلف». أما النجاشي فقال: «شيخنا وأستاذنا فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والرواية والثقة والعلم». مات سنة ٤١٣ هـ. رجال النجاشي: ٢/ ٣٢٧؛ تاريخ بغداد: ٣/ ٢٣١؛ ميزان الاعتدال: ٤/ ٣٠.
(٣) قال عنه النجاشي: «ثقة وجيه، روى عن أبي محمد وأبي الله ﵉»، وهو من مشاهير رواة الإمامية. رجال النجاشي: ٢/ ٤١١؛ تنقيح المقال: ٣/ ٣٠٨.
(٤) الكليني، الكافي: ٣/ ٣٥؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: ١/ ٩٩؛ الاستبصار: ١/ ٧٤.
(٥) قال النجاشي: «كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر راجحا قليل السقط في الرواية» مات سنة ٢٩٠هـ. رجال النجاشي: ٢/ ٢٥٢؛ مجمع الرجال: ٦/ ١٨٩.
(٦) لطوسي، تهذيب الأحكام: ١/ ٩٣؛ الاستبصار: ١/ ٦٥؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة: ١/ ٤٢١.
(٧) وعلق الطوسي على الخبر بقوله: «فهذا الخبر موافق للعامة قد ورد مورد التقية ». وهذا من مغالطاته لأن التقية لا تجوز على النبي - ﷺ - عندهم.
(٨) قال ابن الجوزي بعد سرد روايات المسح: «ليس في هذه الأحاديث ما يصح» ثم أشار إلى الرواية عن عباد بن تميم فقال: «في إسناده ابن لهيعة وليس بشيء». العلل المتناهية: ١/ ٣٤٩.
(٩) أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.
(١٠) ابن أبي شيبة، المصنف: ١/ ٢٧؛ ابن ماجة، السنن: ١/ ١٥٦.
[ ٢٨ ]
أبو نصر هبة الله بن الحسين أحد علماء الإمامية بحجية القياس، وتبعه على ذلك جماعة منهم، وقد ثبت ذلك في كتبهم أيضا بطرق صحيحة.
فمن ذلك ما روى أبو جعفر الطوسي في (التهذيب) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي - ﷺ - فقال: ما تقولون في رجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي - ﵄ -: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: توجبون عليه الجلد ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟» (١) فقاس - رضي الله تعالى عنه - ههنا الغسل على الحد بالصراحة. وأجاب بعض علماء الشيعة عن هذا القياس بأن ما قال الأمير ليس بقياس، بل هو استدلال بالأولوية، يقابله في عرف الحنفية (دلالة النص) كدلالة ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على حرمة الشتم والضرب، وهما سواء في مهمة المجتهد وغيره، وحاصل هذا التقرير أن تأثير المجامعة بلا إنزال لما ثبت في أقوى المشقتين وهو الحد كان ثبوته في أضعفهما وهو الغسل بالطريق الأولى.
وفيه خبط ظاهر لأن المساحقة موجبة للتعزير عند أهل السنة وللحد عند الإمامية، ولا توجب الغسل بالإجماع، وكذا اللواطة إن كانت بطريق الإيلاج فهي موجبة للحد عند بعض أهل السنة والإمامية وموجبة للتعزير عند غيرهم، ولا غسل على مرتكبها عند الإمامية، (٢) وكذا المباشرة الفاحشة مع الأجنبية توجب التعزير ولا توجب الغسل بالاتفاق، فلم يثبت تأثير هذه الأمور في الغسل بدلالة النص أصلا فضلا عن الطريق الأولى كما ترى.
وشارح (مبادئ الأصول) (٣) مع تشيعه وفرط عناده لأنه ابن المطهر الحلي (٤) اعترف بان القياس كان جاريا في زمن الصحابة، وسيجيء إن شاء الله تعالى ذكر إجازة الأئمة كالباقر والصادق وزيد الشهيد أبا حنيفة بالقياس، وأما دلائل تجويز القياس وإبطال قول منكريه فمذكورة في كتب أصول أهل السنة فارجع إليها إن أردت. (٥)