أما لماذا كان هذا الاهتمام بجانب العقيدة؟ ولماذا كانت هي الأصل الذي ينبثق عنه النظام؟ ولماذا ربطت بها سائر الأحكام؟ فهذا ما يجب أن نقف عنده وقفة نستجلي فيها الإجابة.
بعث الله تعالى محمدا -ﷺ- بعد فترة من الرسل، وبعد أن انحرفت البشرية عن دين الله تعالى ومنهجه، فضربت في بيداء التيه والضلال، وتجرّعت مرارة الضياع، وعبدت الشجر والحجر، والنجوم والدواب، واستعبدتْها الأهواء والشهوات، كما استعبدها الطغاة من الملأ، في كل مرة تمردت فيها على عبوديتها لله ﷾.
فكانت بعثة محمد -ﷺ- حياة ونورا، لا غنى للبشرية عنهما:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
ووقف رسول الله -ﷺ- يصدع بكلمة الحق ويهتف بها في الناس قائلا: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا".
وظل القرآن الكريم في مكة المكرمة يتنزل على رسول الله -ﷺ- ثلاثة عشر عاما كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية في هذا الدين قضية العقيدة والتوحيد، ممثلة في قاعدتها الرئيسية وأسّها الأول: الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
وهذه القضية الكبرى، هي قضية كل إنسان؛ لأنها تفسر له سر وجوده في هذا الكون، وغايته التي يسعى من أجلها، وتفسر له نشأته، وتحدد له مصيره ونهايته،
[ ٣٧ ]
وتجيبه على الأسئلة التي يتوقف على الإجابة عليها تحديد كل ما من شأنه أن يرسم له المنهاج المستقيم لحياته في الدنيا والآخرة:
من أنت أيها الإنسان؟
ومن الذي أوجدك؟
ولماذا أوجدك في هذه الحياة؟
وما المصير والنهاية التي تنتهي إليها بعد هذه الحياة؟
ما هي علاقتك بهذا الكون الذي تعيش فيه؟ وما علاقتك بخالق هذا الكون، ﷾؟
وهذه هي الأسئلة التي تشغل بال الإنسان منذ أن أوجده الله تعالى في هذا الكون.
ولا يذهبَنَّ الظن بأحد من الناس ليقول: إنها كلمة سهلة، لا تحتاج إلى كل هذا الجهد والعناء، وإلى كل هذا الزمن المديد، الذي أنفقه الرسول ﷺ، من أجل تثبيتها في نفوس الناس وفي حياتهم!
لقد وجدنا كفار قريش، وكل الكفار من غير قريش، يُناصبون النبي -ﷺ- العداء؛ من أجل هذه الكلمة، ومن أجل هذه العقيدة، التي تزلزل كيانهم، وتجعل الأرض تميد تحت أقدامهم، ويشعرون أن السلطان الذي يستعبدون الناس باسمه سوف يُنزع من أيديهم ليُرَد إلى صاحبه الحقيقي، وهو الله ﷾.
فقد كانت عقيدة التوحيد هذه من أشد الأفكار غرابة على عقول الجاهليين وحسهم وشعورهم:
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
[ ٣٨ ]
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥] .
وبعد أن غرس النبي -ﷺ- تلك العقيدة في نفوس أصحابه، ورباهم عليها، وعرّفهم بربهم ﷾، وأن شأنهم هو شأن العبد مع الإله الخالق الرازق المشرِّع، وأنه لا إله إلا هو، وعرفهم تكاليف هذه العقيدة وأعباءها، وصبروا على الطريق الطويل الشاق، وخلصت نفوسهم لله عندئذ جاءت العناية بكل جوانب البناء الضخم لهذه الشريعة الخالدة، من عبادة وأخلاق وتشريع
فالعقيدة هي الأساس، الذي يقوم عليه البناء، وما لم يقم العمل على هذه العقيدة فإنه سيكون هباء منثورا، لا ينفع صاحبه:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .
وقضت إرادة الله ﷾ أن يقوم هذا الدين على قاعدة "الألوهية الواحدة" ".. كل تنظيماته، وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة، المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لا بد لها من أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين".
"إن نظام هذا الدين يتناول الحياة كلها، ويتولى شئون البشرية، كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان، لا في الحياة الدنيا وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده، ولكن كذلك في عالم الغيب، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها، ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا، فلا بد إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة
[ ٣٩ ]
والعمق والانتشار أيضا.
ومتى استقرت عقيدة "لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في الوقت نفسه النظام الذي تتمثل فيه: "لا إله إلا الله"، وتعين أنه النظام الوحيد، الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام"١.
ومن الأمثلة الكثيرة الرائعة، التي تدل على هذه الحقيقة، ما حدث عند نزول النهي عن الخمر، في مجلس شرب، ولم تكن الخمر قد حُرمت قبل ذلك، أي: في صدر الإسلام.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حِلًّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله -ﷺ- فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] .
فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وبعض القوم شَرْبَتُه في يده، شرب منها بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! ٢.
_________________
(١) ١ معالم في الطريق، ص٣١، ٣٢، طبعة دار الشروق، ١٣٩٩هـ. ٢ تفسير الطبري: ١٠/ ٥٧٢، تحقيق الشيخ محمود شاكر. وقوله: "فقال بالإناء " يعني: أماله ثم نزعه، كما ينزع الحجام كأس الحجامة. و"الباطية": إناء عظيم من زجاج يملأ من الشراب، يغرفون منها ويشربون.
[ ٤٠ ]
"ولم يزل الرسول -ﷺ- يربِّيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن الكريم يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول -ﷺ- تزيدهم رسوخا في الدين، وعزوفا عن الشهوات، وتفانيا في سبيل المرضاة، وحنينا إلى الجنة، وحرصا على العلم، وفقها في الدين، ومحاسبة للنفس، يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافا وثقالا ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه، وبكل ما يشق على النفس إتيانه، فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها.
وانحلت العقدة الكبرى -عقدة الشرك والكفر- فانحلت العقد كلها، وجاهدهم الرسول -ﷺ- جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي. وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة.
رأينا كيف نزل تحريم الخمر، والكئوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمِّظة والأكباد المتَّقدة، كسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة"١.
إن القلوب يجب أن تخلص أولا لدين الله تعالى، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره، فإن نظام الله خير في ذاته؛ لأنه من شرع الله، ولن يكون شرع العبد يوما كشرع الله:
﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
وما يزعم مسلم أبدا أن شرع العبد وحكم العبد كشرع الله وحكم الله، وإلا فهو الكفر:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
_________________
(١) ١ "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ " لأبي الحسن الندوي، ص٩٨، ٩٩.
[ ٤١ ]
إن الاستسلام لله هو مقتضى الإيمان بالله وتوحيده؛ ولذلك تلقت تلك النفوس المؤمنة التي رباها رسول الله -ﷺ- أحكام الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدورها إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له، وهكذا أبطلت الخمر.. وأبطل الربا.. وأبطل الميسر.. وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن الكريم أو كلمات من الرسول، ﷺ.
بينما النظم الوضعية تجهد في هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعجّ بالمنهيات والمنكرات١.
ولعل في فشل دولة من أكبر الدول الغربية الجاهلية في منع الخمر، بعد أن سخّرت كل أجهزتها ووسائلها المتنوعة لتبشيعها وبيان أضرارها لعل في ذلك دليلا قاطعا وشاهدا صادقا على هذا.
هذا قانون البشر، وحكم البشر، وذاك حكم الله، وشريعة الله العليم الخبير:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
_________________
(١) ١ يراجع كيف حرّم الله تعالى الخمر، في الجزء الخامس من كتاب "في ظلال القرآن"، ص٦٦٣-٦٦٧، طبعة دار الشروق، وكيف عجزت أمريكا عن ذلك، في كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ " للسيد أبي الحسن الندوي، منقولا عن كتاب "تنقيحات" للسيد أبي الأعلى المودودي.
[ ٤٢ ]