في الإطلاق اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٣/ ٩٥":
"سلف: السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق. من ذلك: السلف الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المتقدمون. والسُّلاف: السائل من عصير العنب قبل أن يعصر، والسُّلْفة: المعجَّل من الطعام قبل الغداء ".
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص"٢٣٩":
"السلف: المتقدم، قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، أي: معتبرا متقدما، وقال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: يتجافى عما تقدم من ذنبه.. ولفلان سلف كريم، أي: آباء متقدمون، جمعه: أسلاف وسلوف ".
وقال الدامغاني في "الوجوه والنظائر لألفاظ القرآن" ص٢٤٣:
"السلف في القرآن على وجهين:
فوجه منهما؛ السلف: العبرة والعظة، كقوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ [الزخرف: ٥٦] . يعني: عظة لمن يأتي بعدهم.
والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى: ﴿وَأَن
[ ١٤٩ ]
تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: مضى من الزمن الأول".
وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين؛ أحدهما خاص والآخر عام:
ففي الإطلاق الخاص عرّفه كل طائفة من العلماء بحسب مذهبهم، فقال علماء الحنفية:
السلف: من أبي حنيفة إلى محمد بن الحسن "١٨٩هـ"، ويقابله الخَلَف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني "٤٤٨هـ".
ومن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول: السلف الإمام أحمد بن حنبل، ومن تقدمه من الصحابة والتابعين.
وعلماء الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة١.
وفي الإطلاق الشرعي العام، يراد بالسلف: كل من يُقَلَّد مذهبه في الدين ويُقتفَى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين٢.
ثم أصبح مع التطور التاريخي لظهور الفرق الإسلامية منحصرا في المدرسة السلفية التي حافظت على العقيدة والمنهج الإسلامي طبقا لفهم الأوائل الذين تلقوه جيلا بعد جيل. وأبرز سماتهم هو التمسك بمنهج النقل؛ ولهذا عرفوا في البداية بأنهم "أهل الحديث" للتمييز بينهم وبين من انسلخ عن هذا المنهج من الشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، كما يعرفون أيضا بأنهم "أهل الأثر". وهذه
_________________
(١) ١ "نموذج من الأعمال الخيرية" ص١٠، ١١، وانظر: "الكليات": ٣/ ٣٤. ٢ انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون": ٤/ ١٥، "الكليات": ٣/ ٣٤.
[ ١٥٠ ]
النسبة إلى الأثر، تعني: الحديث وطلبه واتباعه١.
ومن هذه الإطلاقات لكلمة السلف نخلص إلى أن هذا اللفظ يشمل: الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الذين يقتدى بهم، كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك سفيان الثوري، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابني أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأعلام الذين شُهد لهم بالإمامة في الدين والورع والتقوى ظاهرا وباطنا، وتلقى الناس كلامهم بالقبول والعمل به خلفا عن سلف٢ دون اعتبار لزمن معين، وعندئذ يتحدد مذهب السلف بما كان عليه الصحابة الكرام والتابعون وتابعوهم من الأئمة المذكورين٣.
ويخرج عن السلف كل من رُمي ببدعة أو اشتهر بلقب غير مرضي، أي: الفرق المخالفة للسنة ولمذهب الصحابة وما كانوا عليه، مثل: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والمشبهة أو المجسمة وسائر الفرق الضالة، فهؤلاء ليسوا على ما كان عليه النبي -ﷺ- وصحابته، بل هم مخالفون لهم، ومخالفون لأهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة وعلمائها الذين يقتدى بهم في الدين٤.
وكذلك: ليس من مذهب السلف -﵏- حمل الناس على اعتقاد لم يعتقده الرسول وأصحابه، ولا امتحان الناس بما لم يمتحنهم الله تعالى به، والعمل على الفتنة وتفريق صفوف الأمة.
_________________
(١) ١ "قواعد المنهج السلفي" ص٢٣. ٢ انظر: "لوامع الأنوار البهية": ١/ ٢٠ "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" لابن بدران ص٤٢١، ٤٢٢، "نموذج من الأعمال الخيرية"، ص١١، ١٢، "الحجة في بيان المحجة": ٢/ ٤٧٣-٤٧٦. ٣ المراجع السابقة، وانظر: "السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ص١٠، ١١، "أهل السنة والجماعة، معالم الانطلاقة الكبرى" ص٥١، ٥٢. ٤ المراجع السابقة، و"الفرق بين الفرق" للبغدادي ص٣١٨-٣٢٢.
[ ١٥١ ]
وليس من مذهب السلف -وإن ادعاه قوم- أن يطلق إنسان لسانه بالطعن والشتم على الأئمة المتقدمين، ولا سيما الأئمة الأربعة، ويحط من قدرهم بنسبته إياهم إلى الجهل أو الخطأ أو تعمد التغيير في الأحكام، ويستدل على مدعاه بآية يأخذها على ظاهرها دون أن يفقه معناها، أو يستدل بحديث لا يدري قول الأئمة فيه، ويدعو الناس والعوام إلى الأخذ من القرآن أو الحديث من غير اتباع لقول أحد من الأئمة، ويقول: هذا كتاب الله وسنة رسول الله بين أيدينا، فأي حاجة بنا إلى تقليد فلان أو فلان، وهم رجال ونحن رجال!
وهذا القول ليس بحق، أو هو حق أريد به باطل، بل هو محض باطل أراد به صاحبه تشكيك الناس أو الوصول إلى الشهرة بينهم، إذ ليس بوسع كل أحد أن يأخذ أي حكم يريده من القرآن أو السنة إلا بمراجعة ما ورد عن الأئمة في ذلك الحكم، فهم أقرب عهدا بالرسول ﷺ، وأكثر علما وإحاطة بما جاء عنه، وفي الآيات والأحاديث ما هو منسوخ، وما هو مقيَّد وما هو محمول على غيره، كما هو مذكور في علم الأصول.
وليس من مذهب السلف أيضا: تأويل القرآن الكريم بالرأي الفاسد، دون النظر إلى ما ورد عن أئمة اللغة وما فسر به الصحابة وما ورد في الموضوع من آيات وأحاديث، وإلا فإنه يأخذ بعض الآيات والأحاديث، يضرب بعضها ببعض، أو يأخذ بعض الأدلة ويترك سائرها أو يترك المحكم من النصوص في القرآن والسنة، فيأخذ ما يتفق وعقله من المتشابه ويترك ما لا يتفق معه، أو ما لا يعرف وجهه ومعناه، أو يحمل نصوص الشرع على وفق هواه ومذهبه الذي ينتحله باطلا١.
وهذا كله يشير إلى ما يقابل مذهب السلف، وهو مذهب الخَلَف، وهم المخالفون للسلف من علماء الكلام والمتفلسفة، الذين تركوا الكتاب والسنة في الاستدلال على العقيدة ومسائلها؛ ليتبعوا منهجا عقليا يعارضون به المنهج الشرعي، ويؤولون النصوص الشرعية التي يظنونها مخالفة للعقل حسب فهمهم لها.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المعاني السابقة: "نموذج من الأعمال الخيرية" ص١٢-١٧، "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٦٣، ٦٤، "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم": ١٣-١٦٢، ١٦٣، "الاعتصام": ١/ ٢٢٠، وما بعدها.
[ ١٥٢ ]