علم العقيدة:
لم يكن الجيل الأول من الصحابة -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين العلوم في العقيدة والشريعة وغيرهما، فقد كانوا يتلقون من النبي -ﷺ- مباشرة كل ما يتعلق بأمر الدين والدنيا، والقرآن الكريم يتنزل على النبي -ﷺ- حسب الحاجات والوقائع، كما نجد ذلك واضحا صريحا في الآيات والسور التي أنزلت بعد الغزوات أو الحوادث التي كان لها أثرها في بناء المجتمع، أو في أعقاب سؤال أو استفتاء عن قضية معينة لمعرفة حكم الله فيها، ينزل القرآن فيصقل النفوس ويزكيها، ويربي الأمة، ويعالج ما يطرأ من مشكلات، ويجيب على ما ينشأ من تساؤلات، ويحمل المؤمن على الالتزام بالأوامر الإلهية دون تردد أو تلكؤ؛ ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم، فيتم التفاعل الكامل مع النصوص الشرعية، قرآنا ناطقا، وسنة حادثة.
وكان الجيل الأول على عقيدة نقية صافية، ببركة صحبة النبي -ﷺ- وقرب العهد بزمانه، ولِمَا فُطروا عليه من سليقة تمكنهم من الفهم بعد التلقي، فالقرآن الكريم يتنزل بلغتهم التي يفهمونها وتجري على ألسنتهم كما يجري الدم في عروقهم، مما جعلهم جميعهم على عقيدة واحدة لا يختلفون فيها، رغم ما قد يقع من خلاف في أحكام فرعية تشريعية.
[ ٤٥ ]
ويصف المقريزي -﵀- حالهم في ذلك فيقول:
"إن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا -ﷺ- رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم ﷾ بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز، وبما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله -ﷺ- أحد من العرب بأسرهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله سبحانه فيه أمر ونهي، وكما سألوه -ﷺ- عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه -ﷺ- في أحكام الحلال والحرام ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث.
ومن أمعن النظر في كتب الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط، من طريق صحيح ولا سقيم، عن أحد من الصحابة -﵃- على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله -ﷺ- عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد -ﷺ- ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة، والحياة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام، والجود والإنعام، والعز والعظمة. وهكذا أطلقوا ما أطلقه الله تعالى على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا لله تعالى الصفات بلا تشبيه بخلقه، ونزّهوه عن صفات النقص من غير تعطيل وإنكار. ولم يتعرض أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا -بأجمعهم- إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد -ﷺ- سوى كتاب الله، فما عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية
[ ٤٦ ]
ولا المناهج الفلسفية"١.
ففي الدليل على معرفة الخالق ﷾، يستدلون بمثل قول الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] .
وقوله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦-٨] .
وأمثال ذلك من الآيات الكريمة الدالة على الخالق ﷾ دلالات ظاهرة قريبة من الأفهام، تنفع النفوس وتغرس في القلوب الاعتقادات الجازمة.
أما الدليل على وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وحده، فيستدلون بقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وبقوله تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا
_________________
(١) ١ "الخطط المقريزية": ٣/ ٣٠٩، ٣١٠ بتصرف يسير، وانظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم ١/ ٤٩، "شرح العقائد النسفية" للتفتازاني ص١٥، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" تأليف أحمد مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده: ٢/ ١٤٣، "التفكير الفلسفي في الإسلام" للدكتور عبد الحليم محمود ص١١٩-١٢٦.
[ ٤٧ ]
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
وبقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
أما صدق الرسول -ﷺ- فيستدل عليه بقوله تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وأما اليوم الآخر والإيمان بالبعث، فيستدل عليه بقوله تعالى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٧٨-٨٢] .
وبقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥-٧] .
وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة
لهذا كله لم يكن الصحابة والتابعون -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين علم العقيدة أو أصول الدين، وإلى ترتيب مباحثه كتبا وأبوابا وفصولا، كما نجد اليوم مثلا.
[ ٤٨ ]