وهي أصل آخر إليه يرجع الاختلاف في هذه المسألة، أعني مسألة الإيمان. فإن من لم يفرق بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان لم يتصور اجتماع الثواب والعقاب، والطاعة والمعصية، والحسنة والسيئة، والسنة والبدعة في الشخص الواحد.
_________________
(١) انظر هذه الروايات في التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٥٢)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (١١٣)، والسنة لعبد الله بن أحمد (٨٧)، والشريعة للآجري (١١٨)،وشرح أصول السنة للالكائي ٥/٩٥٧، وشرح مسلم للنووي (١/١٤٦-١٤٧) .
(٢) في الإيمان الأوسط ضمن الفتاوى (٧/٥٠٦) .
[ ٣٤ ]
وفي هذا يقول الشيخ ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» عن أهل السنة والجماعة: «ولا يسلبون الفاسق المليَّ اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مَّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كاَنَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مَّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] .
وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إَنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذاَ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وَإِذاَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا﴾ [الأنفال:٢] .
وقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» .
ويقولون: «هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرة. فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم» اهـ.
فإن الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، الذى تناول فعل المأمور واجتناب المحذور والمحظور.
أما مطلق الإيمان، فهذا يشمل الإيمان الكامل، والإيمان الناقص الذي صاحَبَه ذنبٌ كَبُرَ أو صَغُر دون الكفر أو الشرك النافي لأصل الإيمان، فهو الحد الأدنى من الإيمان، وهو القدر الذي يخلص به من الكفر.
فمطلق الإيمان، هو ما بقى فيه أصل الإيمان، وثبت لصاحبه اسم الإيمان، وصح نسبة الإيمان إليه ولو لم يكمله.
* * *
حقيقة الخلاف مع مرجئة الفقهاء:
[ ٣٥ ]
وهو خلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء الذين قالوا «إن الإيمان قول وتصديق»، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان كما هو المشهور عن الإمام أبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان وأتباعهما – وهم الذين يقال لهم: مرجئة الفقهاء أو مرجئة الكوفة أو مرجئة العراق.
فقد ظن بعض العلماء أن النزاع بين جمهور أهل السنة، ومرجئة الفقهاء، اختلاف صوري لفظي، كما ذكره شارح الطحاوية فيها، وقبله أبو حامد الغزالي (١)، وهذا القول فيه وجه حق سيأتي إن شاء الله.
في حين يرى البعض أن الاختلاف حقيقي وليس لفظيًا كما قال به الألوسي محمود وعبيد الله المباركفوري (٢) وغيرهما، وهذا أيضًا له وجهه.
* وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف ههنا فجمع بين القولين فجعله نزاعًا لفظيًا في كثير من مسائله، وحقيقًا مؤثرًا في بعض منها.
قال ﵀ في شرح الأصفهانية: «.. وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي، ولم يُعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا، فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة» (٣) .
وحصر هذا النزاع في موطن آخر بكونه من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد فقال في الإيمان: «.. إنه لم يكفر أحد من السلف مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظيٌّ، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب» اهـ (٤) .
_________________
(١) انظر شرح الطحاوية في موضعين أكد فيه ابن أبي العز على ذلك (٤٦٢،٤٧٠)، وانظر سير أعلام النبلاء، وتفسير روح المعاني (٩/١٦٧) .
(٢) في روح المعاني (٩/١٧٦) . ومرقاة المفاتيح للمباركفوري (١/٣٧) .
(٣) شرح الأصفهانية (١٤٣) .
(٤) من الإيمان ص (٣٣٧) .
[ ٣٦ ]
وقال في الإيمان الأوسط: «فصل: ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعًا كثيرًا منه لفظيٌّ، وكثير منه معنوي. فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعوا في الأسماء..» اهـ (١) .
هذا وقد حدد الشيخ جوانب النزاع اللفظي بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء في بعض الصور لما قال في كتابه الإيمان:
«ومما ينبغي أن يُعرف؛ أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي. وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنة:
- على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة.
-ويقولون أيضاَ: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار، كما تقوله الجماعة.
-والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار.
فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنًا وظاهرًا بما جاء به الرسول ﷺ، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يُخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء» اهـ (٢) .
ولذا فإنك تجد كتب الفقه عند مرجئة الفقهاء مليئة بتقرير الأحكام العملية وترتيب الجزاءات عليها، وهذا مما يستصحب كون النزاع معهم لفظيًا؛ إذ لو كان العمل غير واجب لما قرَّروه هذا التقرير في كتب فروعهم، التي هي من أخصب المذاهب الفقهية بسطًا لتلك المسائل.
_________________
(١) الإيمان الأوسط (٧/٥٤٠-٥٠٥) ضمن الفتاوى.
(٢) من كتاب الإيمان (٢٨١-٢٨٢)، وانظر المجموع نفسه (٧/٢٩٧) .
[ ٣٧ ]
ولكن من نظر إلى بعض المسائل المترتبة على الخلاف مع مرجئة الفقهاء:
-مسائل زيادة الإيمان ونقصانه.
-واستواء الناس في أصل الإيمان.
-وتحريم الاستثناء في الإيمان مطلقًا، كما تقول مرجئة الفقهاء، يكون الخلاف والحالة هذه حقيقيًا (١) .
فصح من ذلك أن التحقيق في الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء، منه ما هو خلاف لفظي وصوري كالاختلاف في الأعمال ودخولها في مسمى الإيمان إذ الجميع يوجبها، ويترتب الوعيد على تاركها ويجعله مستحقًا للعقاب، مع القول بعدم تخليد أصحاب الذنوب في النار وتحقق الوعيد المجمل فيهم.
ومن نظر إلى المسائل الأخرى وما تنتظم فيها ويترتب عليها من البدع يقرُّ بحقيقة الخلاف.. والله أعلم.
هذا وثمة مسائل أخرى مهمة لها ارتباط وثيق بمسألة الإيمان.
١-كمسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
٢-ومسألة الخلاف في مرتكب الكبيرة.
٣-ومسألة الاستثناء في الإيمان.
- تناولتها في التعليق على الكتاب بما أغنى عن إعادتها وتكرارها هنا.
* * *