وقوله: (وقد أثبت فيهم النبي (٤) ﷺ الجفا) .
فيقال: عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ (٥) وأما الجفاء فلم
_________________
(١) في (ق): "لا ذمها".
(٢) في (ق): " سواحل ".
(٣) في (ق): "سواحل".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق): "وغلط ".
[ ٢ / ٣٧١ ]
[١٤٩]، يرد فيهم لفظة واحدة، وإنما ورد في أهل الوبر والشعر، كقوله ﷺ: " «الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر» " (١) وقال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] [التوبة -٩٧] .
ومع هذا فقد أثنى الله تعالى على من آمن بالله واليوم الآخر منهم واستثناهم من العموم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] [التوبة -٩٩] .
فمن آمن بالله ورسوله (٢) وكذَّب مسيلمة، ولم يؤمن به، فهو من المؤمنين.
وقد ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (٣) وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤) . ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] (٥) [التوبة: ٧٢] وأما قول الصدّيق (٦) فإن. فالمراد به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠١، ٣٣٥٢) ومواضع أخرى عن حديث أبي هريرة وأبي مسعود البدري، رمسلم (٥١، ٥٢)، والترمذي (٢٢٤٣)، وأحمد (٢٥٨ / ٢، ٢٦٩، ٣٧٢) .
(٢) في (ق) مكانها: "واليوم الآخر".
(٣) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٤) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٥) ما بين القوسين ساقط من النسخ الأربع.
(٦) في (ق) و(م) زيادة: " ﵁،.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
كما وقع من ابن النواحة (١) وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب، والصدّيق أجلّ من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ولم يشهد عصره، وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم (٢) كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها، ولا يتوجَّه عيب أحد منهم بأسلافه، وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه، ولما استأذن ملك الجبال رسول الله ﷺ أن يطبق عليهم الأخشبين- لما رجمه أهل الطائف- ودعا بدعائه المشهور وهو قوله: " «اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوَّتي وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أو إلى قريب» (٣) ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٍ (٤) عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك (٥) أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك، أو يحلّ عليّ غضبك) فاستأذنه المَلَك عند ذلك (٦) فقال: («بل أتأنى بهم لعلَّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا») (٧)
_________________
(١) انظر قصته في: المستدرك (٣ / ٥٤) وغيره.
(٢) ساقطة من (ق) و(مِ) .
(٣) في (ق) و(م): (عدو) ".
(٤) في (ق) و(م) و(ح): "عليَّ غضب"، وفي (المطبوعة): (سخط علي) .
(٥) في بقية النسخ زيادة: "هي ".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: (أن يطبق عليهم الأخشبين) .
(٧) أخرج البخاري منه استئذان ملك الجبال ورده ﷺ (٣٢٣١، ٧٣٨٩)، وأما الدعاء المشهور فأخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ (٢ / ٣٤٥) وابن منده في ترجمة الطبراني ص (٣٤٦)، والضياء في المختارة (٩ / ١٨١)، وابن عدي في الكامل (٦ / ١١١)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع (٢ / ٢٧٥)، كلهم من طريق ابن إسحاق.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلًا، والقصد بيان كلام الصديق وما أريد به.
وأما قوله: (وقد وجد منهم مائة وستون رجلًا بمسجدهم بالكوفة يقرءون كلام مسيلمة) .
فهذا كذب. القصة ليست كذلك؟ (بل هم بضعة عشر رجلا، لم ١٥٥، يقرءوا قرآنه) (١) وإنَّما تكلَّموا في نبوَّته وجَوَّزُوهَا، وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى خلقه، فنعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء.
ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالمًا يدعو إلى الله، فما وجه عيبه وذمه بقومه، وقد خالفهم في الإيمان والدين؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال بن (٢) رباح ﵃ من أفضل الناس، وأسلافهم من شرّ الناس؟ بل (٣) والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله، والمكذبون لهم من قومهم أكثر من المستجيبين، وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته، ولم ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه، وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة (٤) والمذهب.
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٢) في النسخ الأربع زيادة: (أبي)، وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) في (ق): "والطبع".
[ ٢ / ٣٧٤ ]