فصل قال المعترض: (وقد أجمعت (١) الأمة أنها لا تجمع (٢) على ضلالة، وهذا يقول: اجتمعت وأجمعت. فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة، وتشرحها هي والهمزية، ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان، وأبلغ من هذا كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة، فلما (٣) دخل هؤلاء المدينة المنوَّرة أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك، فلزقوا عليها الورق.
ولست أحكي هذا عن غيري، فهلا (٤) أنكرها عالم من علماء المسلمين، وما من علماء الأمة إلا منْ شاء الله من لا دخل المدينة المنوَّرة ورآها. وليست خفية؛ بل هي أشهر من "قفا نبكِ" (٥) وقد علم (٦) حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم، أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت؟ وقد أخبر الله أنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] الآية [آل عمران -١٦٩، ١٧٠] .
_________________
(١) في (ق): "اجتمعت".
(٢) في (ق) و(خ): "تجتمع".
(٣) في (ق): "ولما".
(٤) في (ح) و(المطبوعة): "فهل".
(٥) يقصد معلقة امرئ القيس المشهورة التي مطلعها: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
(٦) في (المطبوعة) زيادة: (الله من)، وفي (خ) زيادة: " الله ".
[ ٢ / ٣٨١ ]
ألم يعلم هذا الرجل أن النبي -ﷺ- في معراجه مرَّ بكليم الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره، ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة ﵁ في السماء السادسة، ونصحه واستنصحه وسقم عليه وعلى الأنبياء في السماوات، فردوا عليه ورحَّبوا به، وقد صلَّى بهم قبل في بيت المقدس (١) عند الصخرة عليه وعليهم (٢) أفضل الصلاة والسلام، أفيظنهم هذا الرجل أمواتا في عالم العدم، أم (٣) يريد أن يمنع عنهم (٤) ما أعطاهم الله من الكرامة، ويقيسهم على نفسه التي قد (٥) تراكمت عليها ظلمات الزيغ والأهواء بعضها فوق بعض، حيث يرى الحق في صورة الباطل؟ أو ليس هو -ﷺ- أفضل أولي (٦) العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه (٧) بالفضل عيسى بن مريم ﵊ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى ﵇ من دون الله؟ . بل قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آل عمران -٥٩] .
_________________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "من".
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "الصخرة وعليهم ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) ساقطة من (ق) و(ح) و(المطبوعة) .
(٦) في (ح) و(المطبوعة): "أولو"، وهو خطأ.
(٧) في (ح) و(المطبوعة): "في الفضل ".
[ ٢ / ٣٨٢ ]
والجواب أن يقال: أما قوله: (إنَّ الشيخ يقول: اجتمعت (١) الأمة وأجمعت على ضلالة): فهذا من أبلغ (٢) الكذب وأعظم الإفك والافتراء، وقد نزَّه الله الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته، وأظن هذا الغبي يشير إلى أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها، مع أن الشيخ لم يتكلَّم فيهم، ولا بحث في حال من رَوَاها وقرَّرها، وإنَّما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على الغلو والإطراء، ولم يتجاوز هذا شيخنا (٣) ولم يبلغنا عنه حرف في تضليل من قرأها، وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها، ثم لو فرض أن الشيخ ضلِّل هؤلاء أيقال: هم الأمة، أين أهل القرون الستة الأول (٤)؟ أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين رووها، أفتحصر الأمة في هذا [١٥٤] العدد اليسير الذين (٥) لا يعرف أحد منهم بعلم سوى رجلين أو ثلاثة، وهم دون نظرائهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وهل شرحها من الأمة من يُعرف (٦) له لسان صدق في المسلمين؟ ما أقبح الفرية! وما أشد جنايتها!! .
وأمَّا كتبها بماء الذهب: فمن كتبها ومن وضعها؟ أهم أهل العلم وسادات الورى؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء، إن كان فعلهم حجَّة فقد
_________________
(١) في (ق): "أجمعت".
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) في (المطبوعة): "شيخنا هذا".
(٤) في (ق): " الأولين) .
(٥) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): "الذي".
(٦) ساقطة من (ق) .
[ ٢ / ٩٨٣ ]
وضعوا القباب والمكوس، وبعضهم وضع مهور البغايا. ليت (١) هذا خرس وستر على نفسه هذه الخزية الشنعاء، والقولة العمياء، ما أقبح الحَوْر بعد الكور (٢) .
قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن: أرأيت إن غلب الجهال حتى صار الأمر إليهم، أهم الحُكَّام على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أولاد الأنبياء (٣) وأما قوله: (فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق) . فيقال له (٤) هذا من مناقبهم وأدلة علمهم، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع (٥) التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة؟ بل قد ثبت (٦) النهي عن ذلك (٧) وقرر (٨) الفقهاء المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب
_________________
(١) في (ق): (يا ليت) .
(٢) الحور بعد الكور: قال في "النهاية) (٤ / ٢٠٨)، مادة: "كور": أي: النقصان بعد الزيادة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا معهم. وأصله من نقض العمامة بعد لفها. وفيه استعاذة النبي -ﷺ- من الحور بعد الكور، رواه النسائي.
(٣) انظر:؟ .
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "المنكرة ".
(٦) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: "بالكتاب والسنة.
(٧) في (المطبوعة) زيادة: " أشد النهي) .
(٨) في (ق): "وقرروا".
[ ٣ / ٣٨٤ ]
رسول الله -ﷺ- ولا خلفائه الراشدين (١) ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك لا في حياته ولا بعد مماته بأبي هو وأمي، والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وما تركه أهل العلم من أهل (٢) القرون المفضَّلة وأئمة الهدى فلا شك في ذمه، وإلحاقه بشرِّ المحدثات، وطرائق أهل الضلالات، ولولا خوف الإطالة لذكرت من الأدلَّة والبراهين ما يقضي أن هذا من المحرمات والمنكرات التي تجب (٣) إزالتها، ولو خلت عن الإطراء والغلو، فكيف وقد اشتملت على (٤) ذلك (٥) .
وأمَّا رؤية العلماء لها: فليست دليلا على إقرارهم، والأمر في هذا (٦) إلى الملوك لا إليهم، وقد تأخَّر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم فيه، وقلَّ من يعرفه ويدريه.