فصل قال المعترض: (فشرف الدين يخاطبه ﷺ كما خاطبه حسَّان بن ثابت ﵁ بكاف الخطاب بعد موته؟ وكما خاطبه صدِّيق هذه الأمة أبو بكر ﵁ بعد موته، وطلب منه كما يأتي ذلك، وكما خاطبه الأعمى في غيبته، وكما خاطبه الذي علَّمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان ﵄ (١) بعد موته ﷺ؛ وغير الصحابة كثير من التابعين وسلف الأمة؛ إذ مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ؛ لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره، وشرف الدين يقول: يا أكرم الخلق؛ وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلًا ونائلًا وعند ربه جلَّ وعلا، ثم قال: ما لي من ألوذ به من الخلق سواك، واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . ثم قال: (عند حلول (٢) الحادث العمم، وهذا ذاك اليوم ومطلوبة شفاعته ﷺ) .
والجواب أن يقال: هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل، داع، لائذٍ، مضطرٍّ، محتاج (٣) بما لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى، وخطاب حسَّان خطاب متوجد متمنٍ أن يقي وجهه رسول الله ﷺ التراب،
_________________
(١) في (ح) و(المطبوعة): " عنه ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) ساقطة من (ح) .
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه، وذلك من باب الدعاء والطلب منه فأين هذا من هذا؟ هل قال حسان: أعطني وأنا عائذ، أو لائذٍ بك في الحوادث والملمَّات؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهُّد في الصلاة (١) ما يفيد الفرق بين خطاب الْمُسَلِّم وخطاب الداعي الراجي، بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين به الفرق عند أولي الألباب والأفهام، وعلمهم النبي ﷺ أن يقولوا: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٢) عند زيارتهم، ولو خاطبهم بغير ذلك من المطالب والدعاء، وقال: "جئتكم مستجيرًا، عائذًا بكم، مستغيثا (٣) لائذًا بحماكم، طالبًا لبركم ونعماكم، وما لي عند الحوادث والمهمات سواكم " لكان (٤) ذلك من الشرك الأكبر؛ الذي اتفقت الرسل ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله، أفيقال: هذا خطاب وما قبله خطاب، ويسوى بينهما للاشتراك في الخطاب؟ هذا لا يقوله إلاَّ أضل الخلق وأجهلهم (٥) وقد جبل الله الخلق على الفرق بين (٦) دعاء الميت والدعاء له، واتفقت الفِطَر والشرائع على الفرق بين ذلك؛ وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين، وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحللوا وحرموا بمجرَّد أهوائهم وآرائهم الضالة.
وأمَّا حديث أبي بكر: فسيأتي الكلام عليه؛ وأنه غير ثابت وأن
_________________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٩ - ٩٧٤)، أبو داود (٣٢٣٧)، وابن ماجه (١٥٤٦) .
(٣) في (ق): " مستشفعا ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ق) و(م): " أجهل الخلق وأضلهم ".
(٦) في (ق): " فراق ".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الإجماع المستند إلى الكتاب والسنَّة والاعتبار يخالفه وينافيه، وأين هذا من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف، وتثليث جداره كي لا يُصلَّى إليه، ولا يُتمكَّن من دعائه وسؤاله، عملًا بقولهﷺ: " «اللَهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يعبد» " (١) وقد بالغ السلف في حماية حِمى التوحيد، والتباعد عن الشرك، وسدّ ذرائعه؛ وقطع وسائله؛ حتى منعوا من استقبال القبر عند دعاء الله؛ كما هو نص أحمد ومالك وأبي حنيفة ﵏ في أشرف القبور على الِإطلاق، فأين هذا من سؤاله ﷺ وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله؟
وأما حديث الأعمى: فليس فيه ما يدلّ على غيبته ﷺ، وهو توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألون الاستغفار والدعاء. وقد قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة ١٠٣] وقال تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] [المنافقون ٥] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك.
فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسم، وأمَّا بعد موته ﷺ فلم يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم، بل قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر، فكيف بدعائه وقد تقدَّم ذلك قريبا: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها" (٢)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢ / ٢٤٦)، ومالك في الموطأ (١ / ١٧٢، ح ٤١٤)، وهو صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٧٧)، ومسلم (٨٦٧)، والنسائي (٣ / ٨٨ ١)، وابن ماجه (٤٥)، والدارمي (٣٥٦) في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي، وأحمد (٣ / ٣١، ٣١٩، ٣٧١) .
[ ٢ / ٣٢٥ ]
[١٢٨] وسيأتيك أن أصل الشرك، وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج.
وأمَّا الذي حدَّثه عثمان بن حنيف: فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى، أعني مخاطبته ﷺ والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبته الرسول؛ بل هي ساقطة في الأصول المحرَّرة، ومسألة السؤال به أو بحقِّه غير مسألته نفسه ودعائه.
وأمَّا كون أعمال أمته تُعرض عليه: فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه مع الله وطلب الحوائج منه، ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم من التابعين وعلماء المدينة (١) كالفقهاء السبعة، ومن بعدهم كابن شهاب (٢) وربيعة (٣) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان، وداود بن علي، وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم الذين منعوا من دعائه، والدعاء عنده، وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على والديه (٤) ولا قائل بدعائهما وطلبهما.
وأمَّا قول المعترض: (إن أعمال أمته تعرض عليه في قبره) .
_________________
(١) في (ق) و(م): " الأمة ".
(٢) في (ق) و(المطبوعة) زيادة: " الزهري ".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: " ابن عبد الرحمن ".
(٤) لم أقف عليه، وإنما الوارد الحديث الآتي في عرض الأعمال على الأقارب والعشائر، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فقد ورد (١) أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم (٢)؛ ولم يأتِ ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا (٣) والقول به يحتاج لدليل، وقد ثبت أن " «نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة» (٤) .
والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ، ولا يتعدى ذلك إلاَّ بتوقيف.
وأعجب منه قول المعترض: (وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلًا ونائلًا)، فهذه العبارة تطلعك على قطرة (٥) من بحر جهالته، وذرَّة من قناطير غباوته، كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق، والذي لا ينكر (٦) كونه أكرم الخلق، لا أنه ليس بأكرم الخلق، فتأمَّله فإنه نص خطه (٧) بيده.
وأما قوله: (واغوثاه من الجهل وطمس القلوب) . فأقول: يا لله للمسلمين من ضال جاهل، يسمي تجريد التوحيد وإفراد
_________________
(١) في (المطبوعة): " روي ".
(٢) أخرجه أحمد (٣ / ١٦٥)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢ / ٣٢٨)، وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٦٣)، ولفظه: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم ٠٠٠ " الحديث.
(٣) في (ق) و(م): " به ".
(٤) أخرجه النسائي (٤ / ٥٨ ١)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد (٣ / ٤٥٥، ٤٥٦)، ومالك في الموطأ، كتاب الجنائز، ح (٤٩) .
(٥) في (ح): " قنطرة ".
(٦) في (المطبوعة) زيادة: هو.
(٧) ساقطة من (ق) .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الله بالدعاء جهلا وطمسًا للقلوب، ويستغيث استغاثة محق مغلوب، وكون [١٢٩]، المطلوب شفاعته ﷺ لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ، والقول بأنه يعلم الغيب، وأن الدنيا والآخرة من (١) جُوده (٢) بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء ١٧١] .
فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله، ولم يتعدَّاها، ولم يتجاوزها إلى سواها.
_________________
(١) في (المطبوعة) " بعض ".
(٢) في (ق): " وجوه ".
[ ٢ / ٣٢٨ ]