فصل قال المعترض: (وأبلغ من هذا وأدحض كلام صدّيق هذه الأمة أبي بكر (١) ﵁، حين وجد النبي ﷺ ميتًا، فقد قال سيف بن عمر التميمي في فتوحه، الذي قال أبو العباس بن تيمية إنها أصح ما وضع في ذلك، وهو من تابعي التابعين، ومن كبار شيوخه: هشام بن عروة بن الزبير ﵁.
فقال: حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع بن عمرو التميمي ﵁- وكان من خواص أبي بكر الصدِّيق (٢) ﵁- قال: "جاء الخبر بثقل النبي ﷺ إلى أبي بكر وواتر [١٣٠] أهل البيت إليه الرسل. فجاء، فلقيه آخرهم، بعدما مات النبي ﷺ ودخل أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي ﷺ، فأكب عليه وكشف عن وجهه؟ وقبل جبينه وخديه، ومسح وجهه؛ وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي، طبتَ حيًّا وميتا، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك من الأنبياء: النبوة، فعظُمتَ عن الصفة،
_________________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
[ ٢ / ٣٣١ ]
وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، فلولا موتك كان اختيارا منك لجدنا بالنفوس لحزنك، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا (١) عليك الشؤون، فأمَّا ما لا نستطيع نتقيه عنا فكمد، وادكار (٢) متحالفان أن لا (٣) يبرحا، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهمَّ أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا" (٤) .
ثم (٥) قال المعترض: (وكان القعقاع قد شهد وفاة النبي ﷺ، (وروى عنه سيف أنه قال: شهدت وفاة النبي ﷺ (٦) وذكر قصة السقيفة، فهل ترى الصدّيق عند هذا الرجل كافرًا بقوله يخاطب النبي ﷺ اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك؛ والنثر أوسع من النظم) .
والجواب أن يقال: آفة هؤلاء الجهال عدم التمسك بأصول أهل العلم والهدى، التي إليها المرجع في الاستدلال والمنتهى، وقد وضع أهل العلم والحديث من القوانين الشرعية، ما يميّز به بين (٧) الآثار الصحيحة والمكذوبة والموضوعة والضعيفة، التي لا تثبت بها أحكام دينية.
_________________
(١) في (ح): " لأنقذنا ".
(٢) في (الأصل) و(ح): " والدكار ".
(٣) في (المطبوعة): " لا يبرحان ".
(٤) انظر: فتوح سيف بن عمر.
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ح) .
(٧) ساقطة من (المطبوعة) .
[ ٢ / ٣٣٢ ]
فمن ذلك: ردَّهم ما انفرد به أحد الرواة عن أصحابه الثقات الأثبات، كما رُدَّ على معمر ما انفرد به عن أصحاب الزهري، وكما رد على ابن إسحاق ما انفرد به في حديث أبي مسعود البدري في صفة الصلاة على النبي ﷺ، وكما رُدَّ على ابن عيينة مع جلالته وحفظه ما انفرد به عن أصحاب الزهري: من ذكر دبغ الِإهاب في حديث ميمونة.
وقد روى كلام أبي بكر ومقالته حين دخل على النبي ﷺ عدد كثير، وجم غفير، وذكرها أصحاب السِّيَر عمَّن هو أعدل من القعقاع وأوثق وأشهر، فما وجه الأخذ بها لو سلمنا صحتها؛ وقد خالفت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، بل والإجماع، كما حكاه شيخ [١٣١] الإسلام وغيره؛ وهل يدع هذا كله ويرميه وراء ظهره إلاَّ من غلب عليه متابعة الهوى، وعدم الوقوف مع الكتاب والسنَّة والِإجماع؛ وهل ضلَّ أهل الكتاب إلاَّ بنبذهم (١) كتاب الله وراء ظهورهم، واتباع ما لم يثبت عن أنبيائهم وعلمائهم، بل هو مما أحدثه خلوفهم وجهالهم.
وهذه الكلمة وهي قوله: اذكرنا (٢) عند ربك، لو جاء بسندها المذكور كلمة تخالف الثابت من المرفوع والمأثور، في حكم من أحكام (٣) الفروع وجزئيَّات المسائل، كآداب التخلي ونحوه لم يسغ الأخذ بها، وترك ما هو أصح وأثبت وأدل، فكيف بالطلب من الموتى، ودعاء الأنبياء، والتوجه إليهم، الذي تظاهرت النصوص والآثار على تحريمه والمنع منه.
_________________
(١) في (ق) و(م): " بنبذ ".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: " يا محمد ".
(٣) في (ح): " الأحكام ".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن طلب الحوائج من الموتى هو أصل شرك العالم (١) . اهـ.
وفد حمى ﷺ حِمَى التوحيد وسد ذرائع الشرك حتى نهى عن قول: "ما شاء الله وشاء فلان " (٢) ونهى عن الحلف بغير الله (٣) ونهى عن الصلاة عند القبور واستقبالها (٤) ونهى عن عبادة الله بالذبح في مكان يذبح فيه لغير الله (٥) ونهى عن قول الرجل: " عبدي وأمتي " (٦) وقد بالغ أصحابه ﵃ في صيانة قبره الشريف عن (٧) أن يصل إليه أهل الغلو والِإطراء، فجعلوا جداره مثلثًا، وكره مالك ﵀ للرجل كلما دخل المسجد إتيان القبر للسلام على النبي ﷺ وقال: "لم يكن أهل العلم من أهل بلدنا يفعلونه " فكيف ترى بسؤال النبي ﷺ، والطلب منه،
_________________
(١) انظر " إغاثة اللهفان " (٢ / ٢٣٢) .
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٨٥)، وأحمد (٥ / ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) .
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٣٥) بلفظ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "، وفي الصحيحين: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، وأخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٤٩) .
(٤) أخرجه مسلم (٩٢٧) .
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣١٤)، وأحمد (٣ / ٤١٩)، وفيه: أن رجلا نذر أن يذبح إبلًا ببوانة (موضع) فسأله النبي ﷺ: "هل بها من الأوثان شيء؟ هل كان بها عيد للمشركين؟) .
(٦) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، أبو داود (٤٩٧٥)، وأحمد (٢ / ٣١٦، ٤٢٣، ٤٦٣، ٤٨٤) .
(٧) ساقطة من (ح) .
[ ٢ / ٣٣٤ ]
والتوجه إليه في الحوائج والملمات، فبين هدى الصحابة وأهل العلم، وفعل هؤلاء الضُّلاَّل كما بين المشرق والمغرب. شتَّان بين مشرق ومغرب.
هذا لو فرضنا صحة هذه الكلمة، فكيف (١) والأمر بخلاف ذلك، وفي نفس هذا الأثر الذي أورده ما يرد عليه من وجوه.
منها: قوله: "اللهمَّ فأبلغه عنا"، فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف يقول بعدها: "اذكرنا يا محمد عند ربك "، وهل هذا إلاَّ عكس ما قبله، ومن دون أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه، فكيف بصدِّيق الأمة؟ وقد ثبت في الصحيح وغيره أن الشهداء قالوا: "ألا بلّغوا عنا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا" (٢) ولم يأتِ أحد من أصحاب [١٣٢] رسول الله ﷺ إلى شهيد من الشهداء يطلب منه أن يبلغ عنه ربه، وهم أجلّ وأفقه من ذلك، فكيف بالصدِّيق ﵁؛ فإذا جاءت السنَّة بأنَّ الله هو الذي (٣) يبلغ عمَّن عنده من الشهداء، فكيف تعكس القضية ويجعل النبي ﷺ هو الذي يبلغ ربه؟
والمشهور والمعروف في اللغة أن الإبلاع إنما يستعمل في من رفع إليه وبلغ ما ليس عنده.
قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] [الأنعام -١٩]
_________________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٦٤)، ومسلم (٦٧٧)، وأحمد (٣ / ١٠٩، ٢١٠، ٢١٥، ٢٥٥)، والبيهقي (٩ / ٢٢٥، ١٨٦٠٢) .
(٣) " هو الذي " ساقطة من (ق) .
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وفي الحديث: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (١) هذا لو صح سنده، فكيف وهو عمن لا يحتج به؟ قال ابن السكن: (سيف بن عمر: ضعيف) . وقال أبو حاتم: (قعقاع بن عمرو، قال: شهدت وفاة رسول الله ﷺ. هذا فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه، وسيف متروك، فبطل الحديث، وإنَما ذكرناه للمعرفة)، وقال الحافظ (٢) (أخرجه ابن السكن من طريق إبراهيم بن سعد عن سيف بن عمر عن عمرو عن أبيه عن القعقاع بن عمرو قال: "شهدت وفاة رسول الله ﷺ فلمَّا صلَّينا الظهر جاء رجل حتى قام بالمسجد وأخبر بعضهم أن الأنصار أجمعوا أن يولوا سعدًا قال ابن السكن: سيف بن عمر ضعيف، واختلف في صحبة القعقاع ولم يجزم بذلك ابن عساكر، بل قال: يقال: إن له صحبة) (٣) .
قلت: وهذان الطريقان ليس فيهما عمرو بن محمد، بل هو عمرو بن تمام عن أبيه تمام (٤) فلا أدري أذكر عمرو بن محمد المعترض بقصد التدليس، أو جاء التدليس من غيره.
إذا عرفت هذا: بطل هذا الحديث، وأبطل منه الاحتجاج به، والثابت عند أهل العلم ما رواه محمد بن شهاب الزهري إمام الحجازيين
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩) .
(٢) " الحافظ " ساقطة من (ق) .
(٣) انظر: (الإصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر (٣ / ٢٣٩، ٢٤٠) في حرف العين القسم الأول ترجمة القعقاع بن عمرو (٧١٢٧) .
(٤) ساقطة من (ق) .
[ ٢ / ٣٣٦ ]
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر ﵁ فقال: (إنَّ رجالاَ من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ والله (١) ما (٢) مات، ولكنه ذُهب به (٣) إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله ﷺ مات. قال: وأقبل أبو بكر ﵁ حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت حتى دخل على [١٣٣] رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مسجَّى ببرد حبرة (٤) فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه وقبَّله. ثم قال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لم تصبك بعدها موتة أبدًا؛ ثمَّ ردَّ الثوب على وجهه؛ وخرج وعمر يكلِّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، فأنصت، قال: فأبى إلاَّ أن يتكلَّم، فلمَّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلمَّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية (٥) [آل عمران ١٤٤] .
_________________
(١) لم تذكر (ق) لفظ الجلالة.
(٢) ساقطة من (ح) .
(٣) ساقطة من بقية النسخ.
(٤) في (ق) و(م): " محبرة ".
(٥) في (ح) و(المطبوعة): سياقة الآية إلى أعقابكم الآية.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
قال: فو الله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ هذه الآية نزلت على رسول ﷺ حتى تلاها أبو بكر يومئذِ. قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم) (١) .
هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو الذي ذكره الأئمة في كتبهم، التي إليها المرجع عند أهل الإسلام في سائر الأبواب والأحكام.
وقد عُلِم أن القعقاع لم يدخل على النبي ﷺ في تلك الحالة، ولا يمكن من هو أفضل منه، ولم يدَّع أنَّ أبا بكر أخبره بذلك، ولا غير أبي بكر، فصار الأثر منقطعا، وهذه علة رابعة.
وأظن هذا المعترض رأى هذا الأثر في مصنف ابن فيروز أو غيره ممن تعرَّض لردِّ هذا الدين والتوحيد الذي منَّ الله بتجديده على يد شيخنا ﵀، والغالب على من تعرَّض لردّ ذلك هو الجهل وعدم العلم، مع غلبة الهوى وشدَّة العداوة، فأجْلَبوا بذكر ما يظنون أن لهم تعلقًا به، وأنه من الحجج التي تدفع الخْصم، وليست لهم عناية بصناعة العلم، ومدارك الأحكام، ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
تعرض قوم للغرام فأعرضوا بجانبهم عن صحبتي (٢) فيه واعتلوا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤١، ١٢٤٢)، وأحمد (١ / ٣٣٤، ٣٦٧) ومواضع أخرى.
(٢) في (ق) و(م): " صحتي ".
[ ٢ / ٣٣٨ ]
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب دعوى، فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وعن مذهبي لما استحبوا الهوى (١) على الهدى حسدًا من عند أنفسهم ضلوا
_________________
(١) في (ق) و(م): " العمى ".
[ ٢ / ٣٣٩ ]