١_ القدر في اللغة: "مصدر الفعل قَدِرَ يقْدَرُ قدَرًَا، وقد تسكن دالُه"١.
قال ابن فارسرحمه الله في مادة قدر: "قدر: القاف، والدال، والراء، أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه، ونهايته؛ فالقدْر مبلغ كل شيء، يقال: قَدْرُه كذا أي مبلغه، وكذلك القدَرُ، وقدَرْت الشيء أقدِره وأقدُره من التقدير"٢.
والقدَر محركة: القضاء، والحكم، وهو ما يقدِّره الله _عز وجل_ من القضاء، ويحكم به من الأمور.
والتقدير: التروية، والتفكير في التسوية أمر، والقَدَرُ كالقَدْر وجميعها جمعها: أقدار٣.
والفرق بين القدر والتقدير - كما يقول أبو هلال العسكري_ "أن التقدير يُستعمل في أفعال العباد ولا يُستعمل القدر إلا في أفعال الله - ﷿ _"٤.
٢_ إطلاقات القدر في القرآن الكريم: يطلق القدر في القرآن عدة إطلاقات منها٥:
أ_ التضييق: قال - تعالى _: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦] .
_________________
(١) ١_ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/٢٢. ٢_ معجم مقاييس اللغة ٥/٦٢، وانظر ياقوتة الصراط ص٥٧٦، والنهاية ٤/٢٣. ٣_ انظر لسان العرب ٥/٧٢، والقاموس المحيط ص٥٩١. ٤_ الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص٣٢٨. ٥_ انظر ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن ص٥٧٦، والمفرادت في غريب القرآن ص٤١٠_٤١٣، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم لمجمع اللغة العربية ص٤٩٥_٤٩٦.
[ ١٧١ ]
ب_ التعظيم: قال - تعالى _: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
ج_ الاستطاعة، والتغلب، والتمكن: قال - تعالى _: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ المائدة: ٣٤.
د_ التدبير: قال - تعالى _: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ المرسلات:٢٣، أي دبَّرنا الأمور، أو أردنا وقوعها بحسب تدبيرنا.
هـ_ تحديد المقدار، أو الزمان، أو المكان: قال - تعالى _: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ:١٨] .
وقال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت:١٠] .
و_ الإرادة: قال - تعالى _: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أي دبِّر، وأريد وقوعه.
ز_ القضاء والإحكام: قال _تعالى_: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ﴾ [لواقعة:٦٠] أي قضينا، وحكمنا.
ح_ التمهل والتَّروي في الإنجاز: قال - تعالى _: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] أي تمهَّل، وتروَّى؛ ليتبين ما يقوله في القرآن.
وقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] .
أي تمهلْ، وتروَّ في السرد؛ كي تحكمه.
ط_ الصنع بمقادير معينة: قال - تعالى _: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] .
[ ١٧٢ ]
ثالثًا: العلاقة بين القضاء والقدر:
من خلال ما سبق من تعريف القضاء والقدر في اللغة وبيان إطلاقاتهما في القرآن يتبين مدى العلاقةِ بينهما، والعلاقةِ بين المدلول اللغوي والشرعي - كما سيأتي _.
فكلٌّ مِن القضاء والقدر يأتي بمعنى الآخر؛ فمعاني القضاء تؤول إلى إحكام الشيء، وإتقانه، ونحو ذلك من معاني القضاء.
ومعاني القدر تدور حول ذلك، وتعود إلى التقدير، والحكم، والخلق، والحتم، ونحو ذلك.
ولهذا سيكون التعريف الشرعي شاملًا للقضاء والقدر، ثم بعد ذلك يكون الحديث عن الفروق بينهما.
[ ١٧٣ ]