وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْقُدْرَة الصَّالِحَة للْفِعْل إِمَّا أَن تكون صَالِحَة للترك أَو لَا تكون فَإِن لم تصلح للترك كَانَ خَالق تِلْكَ الْقُدْرَة خَالِقًا لصفة مُوجبَة لذَلِك الْفِعْل وَلَا نُرِيد بِوُقُوعِهِ بِقَضَاء الله إِلَّا هَذَا وَأما إِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة للْفِعْل وللترك فإمَّا أَن يتَوَقَّف رُجْحَان أحد الطَّرفَيْنِ على الآخر على مُرَجّح أَو لَا يتَوَقَّف فَإِن توقف على ترجح فَذَلِك الْمُرَجح إِمَّا أَن يكون من الله أَو من العَبْد أَو يحدث لَا بمؤثر
فَإِن كَانَ الأول فَعِنْدَ حُصُول تِلْكَ الداعية يجب الْفِعْل وَعند عَدمه يمْتَنع الْفِعْل وَهُوَ الْمَطْلُوب
وَإِن كَانَ من العَبْد عَاد التَّقْسِيم الأول وَيحْتَاج خلق تِلْكَ الداعية إِلَى دَاعِيَة أُخْرَى وَلزِمَ التسلسل وَأما إِن حدثت تِلْكَ الداعية لَا بمحدث أَو نقُول إِنَّه تَرْجِيح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر لَا لمرجح أصلا كَانَ هَذَا قولا باستغناء الْمُحدث عَن الْمُحدث اسْتغْنَاء الْمُمكن عَن الْمُؤثر وَذَلِكَ يُوجب نفي الصَّانِع
[ ٨٥ ]
فَإِن قَالُوا لم لَا يجوز أَن يُقَال عِنْد حُدُوث الداعية يصير الْفِعْل أولى بالوقوع وَلَا يَنْتَهِي إِلَّا حد الْوُجُوب
قُلْنَا هَذَا بَاطِل لوجوه
أَحدهَا أَن الْمَرْجُوح أَضْعَف حَالا من الْمسَاوِي فَلَمَّا امْتنع حُصُول الْمسَاوِي حَال كَونه مُسَاوِيا فبأن يمْتَنع حُصُول الْمَرْجُوح حَال كَونه مرجوحا أولى وَإِذا امْتنع حُصُول الْمَرْجُوح وَجب حُصُول الرَّاجِح لِامْتِنَاع الْخُرُوج عَن النقيضين
وَالثَّانِي أَن عِنْد حُصُول الدَّاعِي إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ لَو حصل الطّرف الثَّانِي لَكَانَ قد حصل ذَلِك الطّرف لَا لمرجح أصلا وَهَذَا الْقَائِل قد سلم أَن التَّرْجِيح لَا بُد فِيهِ من الْمُرَجح
وَالثَّالِث أَن عِنْد حُصُول ذَلِك الْمُرَجح إِن امْتنع النقيض فَهُوَ الْوُجُوب وَإِن لم يتمنع فَكل مَالا يمْتَنع لم يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فلنفرض مَعَ حُصُول ذَلِك الْمُرَجح تَارَة ذَلِك الْأَثر وَاقعا وَتارَة غير وَاقع فاختصاص أحد الْوَقْتَيْنِ دون الثَّانِي بالوقوع إِن توقف على انضمام قيد زَائِد إِلَيْهِ لزم أَن يُقَال إِن حُصُول الرجحان كَانَ مَوْقُوفا على هَذَا الْقَيْد الزَّائِد لَكنا فَرضنَا أَن الْحَاصِل قبل هَذَا الزَّائِد كَانَ كَافِيا فِي حُصُول الرجحان وَإِن لم يتَوَقَّف على انضمام قيد زَائِد إِلَيْهِ لزم رُجْحَان الْمُمكن المتساوي لَا الْمُرَجح وَهُوَ محَال
إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول إِنَّا لما اعترفنا بِأَن الْفِعْل وَاجِب الْحُصُول عِنْد مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي فقد اعترفنا بِكَوْن العَبْد فَاعِلا وجاعلا فَلَا يلْزمنَا مُخَالفَة ظَاهر الْقُرْآن وَسَائِر كتب الله تَعَالَى
وَإِذا قُلْنَا بِأَن الْمُؤثر فِي الْفِعْل مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي مَعَ أَن هَذَا الْمَجْمُوع حصل بِخلق الله تَعَالَى فقد قُلْنَا بِأَن الْكل بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار
[ ٨٦ ]
وَأما الْخصم فَإِنَّهُ قَالَ الْعلم بِكَوْن العَبْد موجدا لأفعاله ضَرُورِيّ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْعلم بِحسن الْمَدْح والذم عَلَيْهِ علم ضَرُورِيّ وَالْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَن حسن الْمَدْح والذم يتَوَقَّف على كَون الممدوح والمذموم فَاعِلا وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعلم الضَّرُورِيّ أولى بِأَن يكون ضَرُورِيًّا
فَهَذِهِ مُقَدمَات ثَلَاث
فأولها أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِحسن الْمَدْح والذم وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن كل من أَسَاءَ إِلَيْنَا فَإنَّا نجد من أَنْفُسنَا وجدانا ضَرُورِيًّا أَنا نذمه وَمن أحسن إِلَيْنَا فَإنَّا نجد من أَنْفُسنَا وجدانا ضَرُورِيًّا بِأَنا نمدحه وَمن نَازع فِي هَذَا فقد نَازع فِي أظهر الْعُلُوم الضرورية
وَثَانِيها إِن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَن حسن الْمَدْح والذم يتَوَقَّف على علم المادح والذام بِكَوْن الممدوح والمذموم فَاعِلا وَهَذَا أَيْضا ظَاهر لِأَن من رمى وَجه إِنْسَان بآجرة فَإِنَّهُ يذم الرَّامِي وَلَا يذم الآجرة
فَإِذا قيل لذَلِك الذام لم تذم هَذَا الرَّامِي وَلَا تذم الآجرة فَإِنَّهُ يَقُول لِأَن ذَلِك الرَّامِي هُوَ الْفَاعِل لهَذَا الْفِعْل وَهَذِه الآجرة لم تفعل ذَلِك وَهَذَا يدل على أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَنَّهُ لَا يحسن الْمَدْح والذم إِلَّا عِنْد كَون الممدوح والمذموم فَاعِلا
وَثَالِثهَا أَن الَّذِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعلم الضَّرُورِيّ يجب أَن يكون ضَرُورِيًّا وَهَذَا أَيْضا ظَاهر لِأَن الْفَرْع أَضْعَف من الأَصْل فَلَو كَانَ الأَصْل غير ضَرُورِيّ لَكَانَ بِتَقْدِير وُقُوع الشَّك فِيهِ يجب وُقُوع الشَّك فِي الْفَرْع وَحِينَئِذٍ يخرج هَذَا الْفَرْع عَن كَونه ضَرُورِيًّا
وَإِذا لاحت هَذِه الْمُقدمَات ظهر أَن الْعلم بِكَوْن العَبْد فَاعِلا علم ضَرُورِيّ مَوْقُوف على تَلْخِيص معنى كَون العَبْد فَاعِلا
[ ٨٧ ]
فَنَقُول إِن عنيتم بِهِ أَن العَبْد قَادر على الْفِعْل وعَلى التّرْك وَأَن نِسْبَة قدرته إِلَى الطَّرفَيْنِ على السوية ثمَّ إِنَّه فِي حَال حُصُول هَذَا الاسْتوَاء دخل هَذَا الْفِعْل فِي الْوُجُود من غير أَن خص ذَلِك الْقَادِر ذَلِك الطّرف بمرجح وبمخصص الْبَتَّةَ
فَلَا نسلم أَن هَذَا القَوْل صَحِيح بل كَانَ بديهة الْعقل تشهد بِبُطْلَانِهِ وَإِن عنيتم بِهِ أَن عِنْد حُصُول الداعية المرجحة صدر عَنهُ هَذَا الْأَثر فَهَذَا هُوَ قَوْلنَا ومذهبنا وَنحن لَا ننكره الْبَتَّةَ إِلَّا أَنا نقُول لما كَانَ عِنْد حُصُول الْقُدْرَة والداعية يجب الْفِعْل وَعند انتقائهما أَو انْتِفَاء أَحدهمَا يمْتَنع وَجب أَن يكون الْكل بِقَضَاء الله تَعَالَى وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى دَفعه
فَهَذَا مُنْتَهى الْبَحْث الْعقلِيّ الضَّرُورِيّ فِي هَذَا الْبَاب