وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لَكَانَ تصرفها فِي الْبدن لَيْسَ بِآلَة جسمانية لِأَن الْجَوْهَر الْمُجَرّد يمْتَنع أَن يكون لَهُ قرب وَبعد من الْأَجْسَام بل يكون تَأْثِيره فِي الْبدن تَأْثِيرا بمحض الاختراع من غير حُصُول شَيْء من الْآلَات والأدوات وَإِذا كَانَت النَّفس قادرة على تَحْرِيك بعض الْأَجْسَام من غير آلَة وَجب أَن تكون قادرة على تَحْرِيك جَمِيع الْأَجْسَام من غير آلَة لِأَن الْأَجْسَام بأسرها قَابِلَة للحركة وَالنَّفس قادرة على التحريك وَنسبَة ذَاتهَا إِلَى جَمِيع الْأَجْسَام على السوية فَوَجَبَ أَن تكون النَّفس قادرة على تَحْرِيك جَمِيع الْأَجْسَام من غير حَاجَة إِلَى شَيْء من الْآلَات والأدوات وَلما كَانَ هَذَا الثَّانِي بَاطِلا كَانَ الْمُقدم بَاطِلا
أما إِذا قُلْنَا إِنَّه جَوْهَر جسماني نوراني شرِيف حَاصِل فِي دَاخل هَذَا الْبدن فَحِينَئِذٍ يُمكن أَن تكون أَفعاله بالآلات الجسدانية
[ ١١٧ ]
وَاحْتج الرئيس أَبُو عَليّ على كَونهَا مُجَرّدَة بِوُجُوه
الأول أَن ذَات الله تَعَالَى لَا تَنْقَسِم فالعلم بِهِ يمْتَنع أَن يكون منقسما فَلَو حل هَذَا الْعلم فِي الْجِسْم لانقسم وَذَلِكَ محَال
الثَّانِي أَن الْعُلُوم الْكُلية صور مُجَرّدَة فإمَّا أَن يكون تجردها التجرد الْمَأْخُوذ عَنهُ وَهُوَ بَاطِل لِأَن الْمَأْخُوذ عَنهُ هُوَ الْأَشْخَاص الْجُزْئِيَّة أَو لتجرد الْآخِذ فَحِينَئِذٍ يكون الْآخِذ مُجَردا والأجسام والجسمانيات غير مُجَرّدَة
وَالثَّالِث أَن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة تقوى على أَفعَال غير متناهية والقوى الجسمانية لَا تقوى عَلَيْهَا فالقوة الْعَقْلِيَّة لَيست جسمانية
وَالْجَوَاب عَن الأول أَن قَوْله أَن مَا يكون صفة للمنقسم يجب أَن يكون منقسما ينْتَقض بالوحدة والنقطة وبالإضافات فَإِن الْأُبُوَّة لَا يُمكن إِنَّه يُقَال إِنَّه قَامَ بِنصْف بدن الْأَب نصفهَا وبثلثه ثلثهَا
وَعَن الثَّانِي أَن النَّفس الموصوفة بذلك الْعلم الْكُلِّي نفس جزئية شخصية وَذَلِكَ الْعلم صَار مُقَارنًا لسَائِر الْأَعْرَاض الْحَالة فِي تِلْكَ النَّفس فَإِذا لم تصر هَذِه الْأَشْيَاء مَانِعَة من كَون تِلْكَ الصُّورَة كُلية بذلك لَا يصير كَون ذَلِك الْجَوْهَر جسمانيا مَانِعا من كَون تِلْكَ الصُّورَة كُلية
وَعَن الثَّالِث أَن قَوْله الْقُوَّة الجسمانية لَا تقوى على أَفعَال غير متناهية قَول بَاطِل لِأَنَّهُ لَا وَقت يشار إِلَيْهِ إِلَّا وَالْقُوَّة الجسمانية مُمكنَة الْبَقَاء فِيهِ وَمَعَ بَقَائِهَا تكون مُمكنَة التَّأْثِير وَإِلَّا فقد انْتقل الشَّيْء من الْإِمْكَان الذاتي إِلَى الِامْتِنَاع الذاتي وَهُوَ محَال