في السُّنّة النبوية الصحيحة
من الشبهات التي يتعلق بها البعض شبهة أن المحدثين الأوائل ضعفوا الأحاديث الواردة في فضل معاوية - ﵁ - ومن ذلك:
الشبهة الأولى: ما يتشدق به البعض من نقلهم عن إسحاق بن راهويه أنه قال: «لا يصح عن النبي - ﵌ - في فضل معاوية شيء».
والجواب:
هذا القول عن ابن راهويه باطل ولم يثبت عنه (١).
وقد أورده السيوطي في «اللآلي المصنوعة» (٢)، وابن عراق الكناني في «تنزيه الشريعة» (٣)، والشوكاني في الفوائد المجموعة (٤) وعلق على ذلك بقوله: «قلت: قد ذكر الترمذي في الباب الذي ذكره في مناقب معاوية من سننه ما هو معروف فليراجع».
وعلى فرض صحة هذا القول عن إسحاق بن راهويه يجاب عنه بما يلي:
* أنه يوجد من الأئمة من ذكر أحاديث في فضل معاوية مصححًا لها!
وهم بهذا يخالفون من قال بأنه «لا يصح في فضل معاوية شيء» ومن هؤلاء الأئمة:
١ - الإمام الآجري ﵀ في «كتاب الشريعة» (٥) بوَّبَ: سياق ما روي عن النبي - ﵌ - في فضائل أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -.
_________________
(١) انظر: الأحاديث النبوية في فضائل معاوية بن أبي سفيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي. لا دفاعًا عن الألباني لعمرو عبد المنعم (ص ١٨١ - ١٨٢).
(٢) (١/ ٣٨٨).
(٣) (٢/ ٧).
(٤) (٤٠٧).
(٥) (٥/ ١٥٢٤).
[ ١٠١ ]
٢ - الإمام الذهبي - ﵀ - كما في «سير أعلام النبلاء» (١) فقد ذكر أحاديث في فضل معاوية - ﵁ - وقال بعد ذلك: «فهذه أحاديث مقاربة».
٣ - الحافظ ابن كثير كما في «البداية والنهاية» حيث قال - ﵀ - بعد أن ذكر أحاديث في فضل معاوية - ﵁ -: «واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواه من المصنوعات والمنكرات» (٢).
وقال في تعليقه على قول النَّبِيِّ - ﵌ - لِمُعَاوِيَةَ: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ»: «وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث وأطنب فيه وأطيب وأطرب وأفاد وأحسن الانتقاد فرحمه الله كم من موطن قد تبرز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد» (٣).
٤ - والحافظ ابن عساكر كما في «تاريخ دمشق» (٤).
٥ - وابن حجر الهيتمي في «تطهير الجنان» (٥).
الشبهة الثانبة: ما يشاع أن الإمام البخاري لم يجد في فضائل معاوية شيئًا.
والجواب:
قد عقد الإمام البخاري - ﵀ - في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه بابًا قاله فيه: (بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -)، أورد فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ - ﵌ -».
ثانيها: عَنْ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟».
_________________
(١) (٣/ ٣٥٠).
(٢) (٨/ ٨٤).
(٣) (٨/ ٨٣).والحديث رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني. (هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.
(٤) (ص٥٩ - ٧٩).
(٥) (ص١١).
[ ١٠٢ ]
قَالَ: «أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ».
ثالثها: عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ - ﵌ - فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ».
وأما أن الإمام البخاري عبّر في ترجمة معاوية - ﵁ - بقوله: «بَاب ذِكْرِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -»، ولم يقل فضيلة ولا منقبة، فإن الإمام البخاري كذلك عبّر في ترجمة عبد الله بن عباس - ﵁ - بقوله: «بَاب ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -»، ولم يقل فضيلة ولا منقبة. علمًا أنه أخرج فيه قول رسول الله - ﵌ -: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ».
وهذا لا يختلف عاقل أنه فضيلة عظيمة لابن عباس - ﵁ -. فهل يفهم أحد من ذلك أن عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان - ﵃ - ليس لهما فضائل؟!
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: «عَبَّرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة بِقَوْلِهِ: «ذِكْر» وَلَمْ يَقُلْ فَضِيلَة وَلَا مَنْقَبَة لِكَوْنِ الْفَضِيلَة لَا تُؤْخَذ مِنْ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّ ظَاهِر شَهَادَة اِبْن عَبَّاس لَهُ بِالْفِقْهِ وَالصُّحْبَة دَالَّة عَلَى الْفَضْل الْكَثِير، وَقَدْ صَنَّفَ اِبْن أَبِي عَاصِم جُزْءًا فِي مَنَاقِبه، وَكَذَلِكَ أَبُو عُمَر غُلَام ثَعْلَب، وَأَبُو بَكْر النَّقَّاش
ثم قال الحافظ ابن حجر إن البخاري بِدَقِيقِ نَظَره اِسْتَنْبَطَ مَا يَدْفَع بِهِ رُءُوس الرَّوَافِض» (١).
وقد كان البخاري - ﵀ - يترضى عن معاوية كلما ذكر اسمه، ثم إنه قد ثبت عند البخاري صحبة معاوية - ﵁ - للرسول - ﵌ -، وثبت فقهه أيضًا كما نص عليه ابن عباس، وقد تقدم الحديث وكفى بهذا الثناء من حبر الأمة من فضيلة ومنقبة.
كما أخرج البخاري ﵀ الحديث الذي دعا فيه النبي - ﵌ - لمعاوية بأن يجعله هاديًا مهديًا ويهدي به في كتابه (التاريخ الكبير).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ١٠٣ - ١٠٤).
[ ١٠٣ ]
الشبهة الثالثة: أَخْرَجَ اِبْن الْجَوْزِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل: «سَأَلَتْ أَبِي مَا تَقُول فِي عَلِيّ وَمُعَاوِيَة؟».
فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِير الْأَعْدَاء فَفَتَّشَ أَعْدَاؤُهُ لَهُ عَيْبًا فَلَمْ يَجِدُوا، فَعَمَدُوا إِلَى رَجُل قَدْ حَارَبَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لِعَلِيٍّ» (١).
والجواب: هذه القصة عجيبة الله أعلم بمدى صحة إسنادها.
وقد رواها ابن الجوزي فقال: أنبأنا هبة الله بن أحمد الجريرى أنبأنا محمد بن على بن الفتح أنبأنا الدارقطني حدثنا أبو الحسين عبدالله بن إبراهيم بن جعفر بن نيار البزاز حدثنا أبو سعيد بن الحرفى حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ».
ولم أجد مَن ترجم لبعض رواته، وقال الإمام الذهبي في ترجمة: مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ: «وَقَدْ أُدْخِلَ فِي سَمَاعه مَا لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ» (٢).
والقصة على أية حال ليس لها علاقة بموضوعنا؛ فإن الإمام أحمد - على فرض صحة القصة - قد أشار إلى أن أعداء علي - ﵁ - قد وضعوا أحاديث في فضائل معاوية - ﵁ -، وهذا شيء معروفٌ مسلّمٌ به، بل والعكس صحيح كذلك، فقد وضع شيعة عليٍّ الكثير من الأحاديث في ذم معاوية، وكلها موضوعة. ووضعوا في فضائل علي أكثر بأضعاف مما وضع النواصب في فضائل معاوية - ﵄ -.
أما عقيدة إمام أهل السنة والجماعة في عصر أحمد بن حنبل فقد كانت واضحة جدًا في الترضي عن معاوية - ﵁ - والإنكار على من يذمه.
قال الخلال: «أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب، فقال: «يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟».فقال أبو عبد الله: «ما أقول فيها إلا الحسنى ﵏ أجمعين» (٣).
بل قد صحح الإمام أحمد حديثًا في فضل معاوية - ﵁ -.فقد روى الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قلت لأحمد ابن حنبل: «أليس قال النبي - ﵌ -: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي» (٤)؟
قال: «بلى!».
قلت: «وهذه لمعاوية؟».
قال: «نعم، له صهر ونسب».
قال: «وسمعت ابن حنبل يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية!» (٥).
ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد - ﵀ - للحديث.
وأخيرًا:
على فرض صحة ما ذُكر عن بعض الأئمة من أنه لا يصح شيء في فضل معاوية - ﵁ - فأنهم ﵏ لا ريب أنهم يرون أن معاوية داخل في عموم النصوص التي جاءت في فضل الصحابة - ﵃ -.
فمرادهم لا يصح حديث في فضله بخصوصه أما على سبيل العموم فنعم.
_________________
(١) الموضوعات (٢/ ٢٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (٣٥/ ٣٨).
(٣) السنة (٢/ ٤٦٠)، وإسناده صحيح.
(٤) وفي رواية «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، وفي رواية: «غَيْرَ نَسَبِي وصِهري». (وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم).
(٥) السنة (٦٥٤)، وإسناده صحيح.
[ ١٠٤ ]